الاقتصادية

سياسة "حافة الهاوية" في هرمز تُفاقِم ضائقةَ الوقود

 

في يوم 13 يوليو قال دونالد ترامب أن أمريكا ستعيد حصارها البحري لإيران وتفرض رسما بنسبة 20% على كل بضاعة تمرُّ عبر مضيق هرمز. قفز خام برنت وهو المعيار العالمي لسعر النفط بنسبة 10% الى 83 دولارا للبرميل. وفي مساء ذلك اليوم شنت أمريكا ضربات جوية على إيران التي ردت بضرب ناقلتين إماراتيتين بالصواريخ.
مع ذلك لايزال سعر برنت أقل بحوالي الربع عن ذروته في أبريل على الرغم من أن الهدنة التي وقِّعَت في يونيو تبدو في حكم المنتهية والحركة في هرمز كادت تتوقف.
من بين أسباب عدم ارتفاع الأسعار بأكثر مما فعلت استمرار اعتقاد أسواق النفط بأن ترامب، مع حلول الانتخابات النصفية بعد أربعة أشهر فقط، سيستسلم غالبا. وفي يوم 14 يوليو تخلى عن خططه بفرض رسوم العبور والتي سيتم استبدالها باستثمارات خليجية غير محددة في أمريكا.
هنالك عامل أكبر وهو أن إمدادات النفط العالمية تَفُوق الطلب ليس بسبب ارتفاع الإنتاج ولكن لأن المصافي المعطلة تستهلك نفطا أقل. فكميات النفط المكررة عالميا عند 79 مليون برميل في اليوم لاتزال أقل بحوالي 8 مليون برميل في اليوم عن مستويات ما قبل الحرب.
لذلك يظل هنالك شح في المنتجات المكررة رغم وفرة النفط. وأسعارها أعلى بحوالي 35% الى 70% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب. ويراهن المتداولون بالبلايين على ارتفاعها أكثر من ذلك.
من جانبها، حذرت وكالة الطاقة الدولية وهي مصدر رسمي للتنبؤات من أن ضائقة (المنتجات المكررة) ستزداد سوءا ما لم تستأنِف تدفقاتها عبر مضيق هرمز.
في الواقع، هامش الربح الذي تحققه المصافي في أوروبا من مبيعات الديزل حاليا هو الأعلى منذ عام 2011 على الأقل. وفي أمريكا تسجل 'الهوامش الإجمالية العالمية للتكرير 3-2-1' أرقاما قياسية. وهي مقياس لربحية تحويل النفط الخام الى بنزين وديزل. (بتكرير ثلاثة براميل من النفط الى برميلين من البنزين وبرميل ديزل- المترجم.) وارتفع سعر وقود الطائرات بشدة الى 160 دولار للبرميل في آسيا يوم 14 يوليو.
ما مدى السوء الذي يمكن أن تصل إليه الأمور؟ يعتمد ذلك على التدفقات المستقبلية لصادرات المنتجات المكررة من ثلاثة أماكن هي الخليج والصين وروسيا. وهي غير مضمونة في أفضل الأحوال.
كان الخليج أكبر مصدِّر للمنتجات البترولية السائلة الوسيطة كالديزل ووقود الطائرات. ومنذ فبراير مع إغلاق هرمز في أغلب الأوقات هبطت الإمدادات وتراجعت كميات النفط المكررة بنسبة 30% (أو ثلاثة مليون برميل في اليوم.) وعلى الرغم من إمكانية خروج النفط من الخليج عبر خطوط أنابيب تتجنب المضيق إلا أن مثل هذا المسار غير موجود للمنتجات المكررة.
زادت الصادرات قليلا مع إعادة فتح هرمز جزئيا. لكن الآن النفط الإيراني فقط هو الذي يخرج (تاريخ نشر هذا التقرير 14 يوليو- المترجم). وما هو أسوأ أن الضربات الإيرانية منذ بداية الحرب قضت على طاقة تكرير خليجية تعادل 1.4 مليون برميل في اليوم. ولا يزال مدى الضرر الذي نجم عن ذلك غير معروف.
تتوقع سارا رفول الخبيرة بوكالة تقارير الأسعار 'أرجوس ميديا' تعافي صادرات الوقود خلال ثلاثة الى أربعة شهور إذا فتح مضيق هرمز مجددا.
في الوقت الحالي تكرر المصافي الصينية نفطا أقل بحوالي ثلاثة ملايين برميل في اليوم مقارنة بشهر فبراير. تصدِّر الصين في العادة كميات ضخمة من البنزين والديزل. لكن الحكومة منعت المصافي المملوكة للدولة من التصدير خلال معظم فترة الحرب. ثم رُفع الحظر في يوليو شريطة عدم هبوط مخزونات المصافي الى أقل من مستوياتها في نهاية فبراير.
زادت كبرى شركات النفط الصينية صادراتها الجماعية المستهدفة مبدئيا الى حوالي ثلثي ما كانت تبيعه قبل سنة. لكن التوترات في هرمز تزداد ويبدو الرفع التام لقيود التصدير بعيدا الآن، كما يقول فريدريك لاسير المحلل بشركة تداول الطاقة 'جنفور.' بل قد يعود الحظر الكامل لصادرات المنتجات النفطية في أي وقت.
في الأثناء تتعرض مصافي روسيا لهجمات. فحملة المسيرات الأوكرانية ضدها تعززت كثيرا منذ أبريل. وهي تقصف المزيد من الأهداف بشكل متكرر وعميقا في روسيا (في يوم 6 يوليو ضُربت مصفاة عملاقة في غربي سيبيريا وعلى بعد 2500 كيلومتر من جبهة القتال.) تشمل هذه الأهداف وحدات متطورة داخل المصافي تحوِّل المشتقات النفطية الى منتجات أعلى قيمة. ويمكن أن يستغرق إصلاح بعضها شهورا.
في يونيو كررت مصافي روسيا 3.8 مليون برميل في اليوم من النفط. وهذا الرقم أقل بحوالي 1.5 مليون برميل في اليوم من مستوى التكرير في يناير، وفقا تقديرات بنك جي مورجان تشيس.
يظل معظم البنزين والكيروسين داخل روسيا. والآن يتسبب النقص في الإمداد وسط موسم الإجازات في فوضى. ففي بعض المناطق اصطفت السيارات أمام محطات الوقود لأيام. والمبيعات مقنَّنة والأسعار عند المضخة أعلى بنسبة 59% عن مستواها العادي. كما تتعطل الزراعة والمرافق الخدمية واللوجستيات أيضا.
في العادة تصدر روسيا ما يقارب نصف وقود الديزل وكل زيت الوقود المُستخدمان في النقل البحري. وروسيا هي ثاني أكبر مورِّد للديزل في العالم (بحوالي 12% من الصادرات العالمية) والأولى في تصدير زيت الوقود (16%). لقد تراجعت صادراتها وحظرت الحكومة تصدير المزيد من شحنات الديزل.
لا يقتصر تأثير ذلك على المشترين القليلين الذين يتجاسرون على انتهاك العقوبات الغربية. فتركيا وهي الأكثر تأثرا ستحتفظ الآن بإنتاجها من الديزل المكرر في الداخل وسيوجِد ذلك شحا في الإمداد لباقي بلدان البحر الأبيض المتوسط، حسبما يذكر ميك ستروتمان المحلل بشركة تعقب السفن 'فورتيكسا.'
الى ذلك، تستبدل البرازيل وقود الديزل الروسي بالإمدادات الأمريكية مما يضغط بشكل أكبر على المشترين من البلدان المطلة على المحيط الأطلسي (أوروبا وأمريكا اللاتينية وبلدان الكاريبي.) وقد يشمل فقدان الإمدادات المنتجات الأخرى مع تخصيص المصافي الأولوية في انتاجها للديزل وليس لوقود الطائرات والبنزين، كما يقول بيندكت جورج المحلل بشركة أرجوس ميديا.
إذا توقف إطلاق النار في الخليج وفتح مضيق هرمز مرة أخرى وعلى نحو موثوق سينتعش تكرير النفط في آسيا ويتعافى الإنتاج الروسي للمشتقات النفطية وسيعود الإمداد تماما مع نهاية الصيف. لكن هذه احتمالات يصعب تحققها.
السيناريو الأقل ملاءمة سيُلزم أمريكا وهي 'المصدِّر المرجِّح' للعالم والمستوردين بالسحب من المخزونات المتدنية أصلا. وفي نهاية المطاف ستشهد أسعار المنتجات النفطية مزيدا من الارتفاع وستكبح الطلب وتشجع المصافي على انتاج المزيد (وفي هذه الحالة سترتفع أسعار النفط أيضا).
لم تنته بعد صدمة النفط الأكبر على الإطلاق. ولا يزال انفراج محنة السائقين في أمريكا وأوروبا معلَّقا بمعارك تدور على بعد آلاف الأميال.