بريد القراء

موت الأب.. ورحلة الإحساس بالفقد !

 

من أصعب الأشياء التي تؤلمنا في الحياة، وداعُ إنسانٍ يعيش بداخلنا حتى آخر لحظات العمر، ثم يأتي كائنٌ من كان ليُذكِّرنا بالنسيان، الذي ليس بأيدينا قدرُه أو صنعُه، ثم يوصينا بالصبر، لكن الذي يتحدثون عنه بأنه 'مفتاح الفرج'، يعجز في بعض المرات عن كسر الأقفال الغليظة، كغلظة الشعور بالفقد في ساعة الغياب.
مضى عامان كاملان بكل ما حملاه من إحساسٍ بالفقد، ومن عدم استيعابٍ للواقع الذي نعيشه. عامان، وأبي يتوسد جنبه الأيمن في قبره البعيد. فوالله إن فقدان الأب كسرٌ لا يُجبر؛ فالأب لا يموت في قلوب أبنائه، وإن وُوري الثرى.
عامان مرا بين خياله الذي لا يزال يتهادى إليّ جالسًا في زوايا البيت، وصوته الذي ما زلت أسمعه قادمًا من الخارج. وكل ذلك، وأنا لم أستوعب بعد أن الغياب جرحٌ لا يلتئم سريعًا، كما يقال.
عامان ولم يَئِن موعد التعافي من صدمة الفراق، فلا زلت أشعر بأن كل ما حدث منذ شهور لم يمر على الحادثة سوى دقائق معدودة، وبأن القلب لتوّه قد بدأ في نزفه.
يبدو أن الحزن هو رفيق الأحياء عندما يفقدون أحبتهم؛ فالحزن لا يفرّق بين كائن وآخر، والأحياء يتذوقون مرارته، ويتنفسون من رئة مخنوقة بدخان الألم.
كان الحزن حاضرًا منذ سنين طويلة في كلمات المبدعين، فالروائي المغربي محمد شكري يقول: 'حتى حزني، لم يكن حزنًا بالطريقة المعتادة، لم أبحث عن كتف لأبكي عليه، ولا أذن لتسمعني، كنت أريد من العالم أن يتركني وشأني'.
الصور القديمة لا تزال تلاحقني كالظل الذي يلاحق صاحبه في الظهيرة؛ صوته، حركاته، سؤاله الدائم عني وعن أحوالي وأبنائي... بتُّ أفتقد هذا الحضور بشدة. كم أنت عظيم أيها الأب... فما أقساه من ألم الفراق، وما أصعبه من قدر كُتب على البشر، فالله الأمر من قبل ومن بعد.
درسنا في فلسفة الوجود أن المكان الفارغ هو أكبر مساحة للحزن والألم، ومع ذلك فنحن لا نرثي الأموات من أجل أن يقال عنا إننا مخلصون لمن رحلوا، لكن فقدانهم يجعلنا أكثر رغبة في التفكر والتدبر في أمر الدنيا، وما سوف نؤول إليه ذات لحظة.
الحيرة، أو لنقل الدهشة، هي التي تشلّ مجالات تفكيرنا عن تصديق أمر ندرك أنه آتٍ لا محالة. فنحن نؤمن بحتمية الفناء الذي كتبه الله على خلقه، ونؤمن به ولا نكفر بقدره سبحانه، لكننا بتنا نخاف أن يدَ المنايا تتخطف من بيننا كل عزيز، وأخ، وولد... والقائمة تطول.
لستُ أنا من يستطيع أن يمنح الأب حقه من الثناء والشكر والامتنان؛ لأنه أكبر من ذلك بكثير، ولكن هناك غيري من الملايين حول العالم يكتبون مشاعرهم بمداد الألم الذي أصبح رفيقهم الدائم، بعد أن عجزوا عن نسيان ما مضى، وتحمل ما هو آتٍ من مشاعر الغياب.
فقدان الأب ليس إلا ذلك الألم الذي يتجدد في كل لحظة، وليس فقط في اليوم الذي فقدناه فيه من بيننا. منظر أبي بالكفن هو ألم ما بعده ألم، والآن أيقنت أنني لن أتعافى من فراقه أبدًا.
دائمًا ما ترسم في مخيلتي فكرة تدعو إلى الهدوء، وهي أن الأيام هي التي تجعلنا أكثر استقرارًا نفسيًا وسكينة بعد أن تهدأ العاصفة، وأن الأقدار هي من تجعلنا أيضًا نتقبل الواقع بكل ما فيه من شدة، لكن التاريخ الذي يعيد نفسه في كل عام يذكرنا بحادثة مؤلمة، فنفاجأ بأننا لم ننساها بعد.
عندما أسأل من حولي: ماذا سرق منكم الموت؟ يجيب البعض دون تردد: لقد أخذ منا نصف الحياة، وأبقى لنا النصف الآخر؛ لكي نكمل المشوار مع لحظات الألم.
سيبقى الفقد جزءًا من هذه الحياة، وسيبقى الأب أيضًا كائنًا بشريًا يعجّ بالكثير من المناقب التي لا تُحصى؛ فهو الذي يمنح بسخاء، وهو السند الذي يتجلى في كل المواقف والأحداث، كجبل صامد أمام الزمن.