الأرض الجديدة هل تكون يوما!
الخميس / 1 / صفر / 1448 هـ - 20:46 - الخميس 16 يوليو 2026 20:46
لعله الخلاص إذن!
غريب أمر الإنسان منذ كان هنا على الأرض، فهو ينشد الارتقاء، وهو كذلك يتقدّم، لكنّ المفارقة، بأنه مع كل تقدّم يحدث، يواكبه تقهقر إلى الوراء، وما وراء الوراء؛ فالتقدّم الذي يسهّل الصعوبات، ويحسّن من عيشه، هو نفسه الذي يأتي بمن يسطو على حياة الإنسان. وفي ظلّ ذلك يأتي في كلّ زمان ومكان من ينصّب نفسه حاميا للإنسانية. بل ويعطي لنفس صفة المخلّص. بل لعل تاريخ البشرية هو تاريخ الاختلاف على الخلاص، في وثت تنشد الأمم والشعوب الوصول الى بره.
وهنا، في ظل الصراعين الماديّ والفكريّ، يطلّ الأدب كنافذة إنسانية عابرة للقوميات والأفكار لتقدّم مقترحات تقود البشريّة للبحث عن طرق العيش، عبر مقترحات جماليّة.
تشرح دولوريس كانون، معالجة التنويم المغناطيسي الأمريكية، في كتابها «نحو الأرض الجديدة: الدفعات الثلاث من المتطوعين»، نظريتها حول وصول ثلاث دفعات من أرواح من أسمتهم «المتطوعين» إلى الأرض لإحداث صحوة روحية، عبر تمهيد الطريق للوعي الجديد، ثم التأثير المباشر الذي يفضي إلى تغيير إيجابي في الكوكب وشفائه ثم ارتقائه «نحو الأرض الجديدة».. وقد الكتاب حديثاً عن دار نوفل، هاشيت أنطوان في بيروت، ووقع في 504 صفحات، وهو من ترجمة اللبنانية نبيلة يوسف فقيه.
هو خيال يذكرنا بإبداعات أدبيّة وفنيّة، تتعلق بالسفر في الأزمنة، ولعلّ الكاتب العربيّ المعريّ في رائعته «رسالة الغفران»، هو من افتتح عالميا التنقّل عبر الزمن، وصولا الى الزمن المطلق؛ فإذا كان هدف أبي العلاء المعريّ هو إعادة التفكير في نوايا البشر من خلال السخرية، وطرح التساؤلات الفلسفية التي تتعلق بنوايا الإنسان، بالتعرّض لمفهومي التوبة والمغفرة عبر رحلة خيالية في الآخرة، فإنّ كانون تنشد خلاص الإنسان الحاضر من خلال ما استخلصه الإنسان السابق الذي تفترض بأنه أخذ العظة ولكن متأخرا، فرغب من منطلق إنسانيّ بمنحها لنا.
هو إذن دور الأدب الباحث الأصيل عن الارتقاء الإنسانيّ؛ من منظور أن الحضارات ما هي إلّا محصّلة الارتقاء. وهو ما تدّعيه الحضارات جميعها، حتى تلك التي قامت على الغزو وسفك الدماء، بدافع إنسانيّ. وهو ما يجعلنا اليوم نتأمل فيما تصنعه حكومات تدّعي حقوق الإنسان؛ فإنها باسم المدافعة عن هذا الحق تقوم باستلابه. وهي مفارقة لا تضاهيها أية مفارقة، بل هي سخرية هذا الزمان.
بعد عقود من أبحاثها في التنويم المغناطيسيّ، تطرح الكاتبة وفقا لكلمة الناشر، أنّ البشريّة تمرّ بتحوّل عميق، وأنّ كوكبنا يتجه نحو ما تسمّيه «الأرض الجديدة»، واقعٌ ذو ذبذبة أعلى يتشكّل عبر صحوة روحيةّ، واتساع في الإدراك. نظرية استخلصتها من آلاف جلسات استرجاع الحيوات على كواكب أخرى التي عقدتها مع عملائها، تفيد بأنّ ثلاثة أجيال متعاقبة من المتطوعين» أتوا بهدف المساهمة في رفع وعي الكوكب خلال هذه المرحلة الانتقالية الحاسمة، وواجهوا تحديات نفسية وعاطفية أثناء محاولتهم التكيّف مع الحياة على الأرض.
ويضيف الناشر بأن هذا العمل يمزج بين الطرح الميتافيزيقي ودراسات الحالة، متناولًا موضوعات مثل الارتقاء الروحي، والوقائع الموازية، والغاية الكارمية، وتطوّر الوعي الإنساني، مسلّطًا الضوء على الصعوبات الشخصيّة التي أفاد هؤلاء المتطوّعين أنّهم اختبروها في مهمّتهم، كالإحساس بعدم الانتماء، وفرط الحساسية، وصعوبة الاندماج في المجتمع التقليديّ، لتخلص الكاتبة إلى اعتبار التحوّل المرتقب فرصة لارتقاء جماعي في الوعي، وانتقال في الإدراك أكثر منه حدثًا ماديًا ملموسًا».
لقد طوّرت الكاتبة دولوريس كانون (1931-2014) منهجًا خاصًا في استرجاع الحيوات السابقة، سعت من خلاله إلى استعادة ما وصفته بـ المعرفة المفقودة» الكامنة في العقل الباطن. وقد نالت من قبل شهرة عالمية بفضل إنجازها في تفسير «تنبّؤات نوستراداموس» والتحقيق في ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة.
وهنا، باعتبار أننا نميل الى المضمون، فسواء أكان الكتاب ثمرة خيال أدبيّ إنسانيّ، أو مزيجا من الخيال باستخلاصات دراسة الحالات النفسية التي قامت الكاتبة كمعالجة نفسية بمتابعتها، لسبب بسيط يتعلق بهدف نشر الكتاب، والذي يعدّ هدفا ساميا.
تتخيّل دولوريس كانون عودة من رحلوا، بهدف جعل الحياة ممكنة بعيدة عن الصراعات والأذى، من خلال تخيّل نبيل يقوم على تطوّع العائدين الذين يبدو أنهم يطلعون على حياتنا التي لا تعجبهم، وبصفتهم الآباء والأجداد، فإنهم يجدون أن هناك مسؤولية وجوديّة تدفهم لتخليص الناس من سوء الفعل. وهم كما فهمنا كما يبدو يعودون على فترات يدفعهم الشعور بالإصلاح الذي يجعل الحياة فضلى.
ثمة علاقة بين خيال الكاتبة وتحولات المجتمع والنفس البشرية في الوقت نفسه، فهي، مثل كثيرين تواكب تحولات المجتمع، فإنها تعاين عن قرب أثر التحولات على النفس، لذلك فإنها تقدّم مقاربة إبداعية، تتعلق بميل الفرد والجماعة نحو الخلاص-السلام النفسيّ والاجتماعيّ والدوليّ، وعليه فإنها وهي تستعيد «المعرفة المفقودة» الكامنة في العقل الباطن، كونها معالجة محترفة، فإنها تفعل ذلك في ظلّ ما تعيشه من تحولات عميقة تنزع نحو الوصول الى عالم جديد، يصحو فيه البشر من سباتهم «القيميّ».
ولعل الكاتبة التي رحلت قبل 12 عاما، تراهن على ان اتساع إدراك الإنسان يعني في المقام الأخير اتساع القلوب والصدور، بما يعني تقبّل العيش المشترك، والتخلص من الأنانية. هو طموح الكاتبة وحلمها الإنساني، وإيمانها بأن الخلاص ممكن في ظل ما يختبره الناس-الشعوب، من كون الشرّ يعود على أهله بالسوء، وليس على من يقع مباشرة عليهم.
هنا، يتفاعل علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة معا داخل عقل الكاتبة المعالجة الإنسانية لا معالجة التنويم المغناطيسي فقط، باتجاه أخلاقي تماما، باجتهادها في الدخول الى نفس الإنسان، باسترجاع حيوات متخيّلة، سابقة، اختبرها اللذين تمّ تنويمهم، بهدف توسيع رؤية الإنسان؛ من باب أن «الكونيّ» هو من يحتوي «الأرضي».
ولما كنّا لا نميل الى الدخول في جدل حول ما باح به المنوّمون، باعتبار أننا لن نصل الى نتيجة واحدة؛ ففي علم النفس يصعب الاتفاق على وجهة نظر واحدة، فإننا بالأحرى يمكننا الجدل فيما أهمّ، وهو حياة الإنسان على هذه الأرض.
وهكذا تنجح الكاتبة في جعل الإنسان محلّقا في الكون، وهو إنما يحلّق داخ النفس، لعلّ دفع الكاتبة الإنسان للتأمل الكونيّ، يقوده الى السلام الداخليّ.
وأخيرا، فإننا أمام جدليّة أزلية تتعلق بسلوك البشر، والذين منّ الله عليهم برسالات سماويّة، وليس فقط تخيّلات من حلموا بزيارة الكواكب، لكن الإنسان دوما في سلوكه يؤكد الآية الكريمة: « وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» 54 سورة الكهف.
تحسين يقين كاتب وناقد مقدسي، مهتم بالأدب والفن والحقول المعرفية