مأساة الحنين إلى الغرب!
الخميس / 1 / صفر / 1448 هـ - 20:18 - الخميس 16 يوليو 2026 20:18
تنفّس القادة الأوروبيون الصعداء مع مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عُقدت في أنقرة، تركيا. فعلى الرغم من بعض المواقف المحرجة التي أعاد خلالها ترامب التأكيد على رغبته في الاستيلاء على غرينلاند، وأصدر على نحو عبثي أمرًا بوقف جميع المبادلات التجارية مع إسبانيا، فإن القمة انتهت من دون أن تشهد أي كوارث كبرى.
والأهم من ذلك، أن ترامب لم يعلن عن أي سحب كبير للقوات الأمريكية من أوروبا، ولم يبدِ أي نية للانسحاب من الحلف. بل إنه وجّه كلمات ودية إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتعهد بمنح أوكرانيا ترخيصًا لتصنيع صواريخ باتريوت للدفاع الجوي محليًا. وفي ختام القمة، ذهب ترامب نفسه إلى حد القول إن أجواءها كانت مفعمة بـ«المحبة».
لكن، بعيدًا عن المظاهر، كانت القمة في جوهرها تمرينًا عبثيًا. فقد احتفى قادة الناتو بتعهداتهم برفع الإنفاق المرتبط بالدفاع إلى 5%، رغم أن الجميع يدرك أن هذا الرقم الاعتباطي لا يحمل أي معنى ما لم يُقرن بنقاشات أعمق حول القدرات العسكرية الفعلية. فهذا الرقم لم يُستند فيه إلى أي أساس، بل جرى اختياره العام الماضي لإرضاء ترامب. وفي الأشهر التي سبقت القمة، كان هؤلاء القادة أنفسهم يخشون أن يُقدم ترامب على سحب الولايات المتحدة من الحلف أو أن يقلّص وجودها في أوروبا بصورة كبيرة، بما يترك القارة في مواجهة روسيا فلاديمير بوتين دون سند.
ولهذا السبب بذل قادة الناتو جهدًا كبيرًا في الإعداد لقمة لا تترك مجالًا لأي لحظات مرتجلة أو غير محسوبة. فقد كانت المخاوف من أن يستغل الرئيس الأمريكي المتقلب المناسبة لتقويض الحلف حاضرة بقوة. وعندما حانت ساعة القمة، أفادت التقارير بأن القادة الأوروبيين تسابقوا في إغداق عبارات المديح على ترامب، فيما تصدّر الأمين العام للناتو، مارك روته، هذا السيل من الإطراء والتملق.
يرى بعض المعلقين أن إنقاذ حلف الناتو والحفاظ على تماسك التحالف الغربي يستحق هذا القدر من إذلال الذات. لكن القادة الأوروبيين، بانحنائهم لترامب واستدعائهم المتسامح لذكريات «الأيام الخوالي» للعلاقة عبر الأطلسي، يخاطرون بما هو أكثر من كرامتهم.
ولنتأمل ما حدث في الفترة التي أعقبت سقوط جدار برلين. فبعد موجة الحماس الأولى، شهدت مناطق واسعة من جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة (ألمانيا الشرقية) نزوحًا سكانيًا مع مغادرة كثير من سكانها، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار العقارات بفعل تدفق ألمان غربيين أكثر ثراءً. وكانت النتيجة موجة من الحنين إلى عالم مفقود، تجلّت في أعمال سينمائية مثل فيلم «وداعًا، لينين!».
وصيغ لوصف هذا الشعور مصطلح «أوستالغيا» (Ostalgie)، أي الحنين إلى ألمانيا الشرقية، وقد ظل يؤثر في السياسة والثقافة الألمانيتين لما يقرب من أربعة عقود. وبينما انتقد كثير من كتّاب ألمانيا الشرقية هذا الحنين، معتبرين أنه يُهوِّن من عقود القمع التي عاشتها البلاد، يرى آخرون أنه يمثل مفتاحًا لفهم ما تعانيه الولايات الشرقية في ألمانيا اليوم. فهناك يبرز على نطاق واسع رفضٌ للاعتراف بأن العالم قد تغيّر، واعتيادٌ على الاتكال على الآخرين، بل وميلٌ، في بعض الأحيان، إلى الظهور بمظهر مثير للسخرية، كما يحدث عندما يردد بعض أبناء ألمانيا الشرقية الروايات الروسية بشأن أوكرانيا.
ومن المفارقات أن مشكلة أوروبا اليوم لا تقتصر على أن «الأوستالغيا» أعاقت تطور شرق ألمانيا، بل تتمثل أيضًا في ظهور داء جديد يمكن تسميته «وستالغيا» (Westalgia)، أي الحنين إلى الغرب. وقد تجلّى هذا الداء بوضوح في قمة أنقرة.
ولهذا الحنين إلى الغرب عدة سمات أساسية. أولها رفض الاعتراف بأن العالم قد تغيّر. فالتصرف وكأن الضمانات الأمنية الأمريكية لا تزال بالصلابة نفسها التي كانت عليها في عهد إدارتي رونالد ريغان وجورج بوش الأب، والاستمرار في شراء الأسلحة الأمريكية، يعكسان رغبة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكن الاستراتيجية الأكثر واقعية هي التي تنطلق من الإقرار بأن الولايات المتحدة تغيّرت على نحو جذري. وحتى لو عاد رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض في يناير 2029، فإن اتجاه الولايات المتحدة نحو تقليص انخراطها الخارجي سيستمر.
ومن يسعون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ينظرون، بطبيعة الحال، إلى الماضي من خلال نظارات وردية، رغم أن بعض ملامح النظام الذي نشأ بعد الحرب الباردة لم تكن في صالح أوروبا. فقد أدى اعتمادها المفرط على القوة الأمريكية، على وجه الخصوص، إلى تكريس حالة من الاتكالية السياسية.
وحتى وهي تجد نفسها اليوم بين روسيا ذات النزعة الافتراسية، والولايات المتحدة المتقلبة، والصين التي تمارس الإكراه والنفوذ، لا يزال الأوروبيون يميلون إلى التقليل من شأن قوتهم ونفوذهم الحقيقيين.
أما السمة الثانية لـ«الوستالغيا» فهي الميل إلى الاتكال على الآخرين. فكما اعتاد الألمان الشرقيون، بعد الوحدة، على التحويلات المالية والإعانات الحكومية ـ ولا سيما الضريبة الشهيرة المعروفة باسم «ضريبة التضامن» ـ اعتاد الأوروبيون بدورهم أن تتولى الولايات المتحدة تمويل أمنهم. وكانت النتيجة أن أوروبا لم تُقصّر في الاستثمار الدفاعي فحسب، بل أيضًا في قاعدتها الصناعية، وسيادتها التكنولوجية، واستقلالها في مجال الطاقة.
وبدلًا من التذمر من أن المواطنين الأمريكيين لم يعودوا راغبين في تحمل مسؤولية الدفاع عن أوروبا، وبدلًا من إنفاق مليارات الدولارات لإشباع نزعة ترامب إلى التفاخر، سيكون من الأجدى للأوروبيين أن يفتحوا نقاشًا جادًا حول كيفية خوض حرب عالية الكثافة اعتمادًا على قدراتهم الذاتية، إذا اقتضت الضرورة. كما ينبغي لهم، بدلًا من الالتزام بنسبة اعتباطية من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، أن يقيّموا بموضوعية مواطن النقص في قدراتهم العسكرية، ثم يضبطوا مستوى الإنفاق بما يتناسب مع احتياجاتهم الفعلية. صحيح أن الموارد المالية شحيحة في كل مكان، لكن سيكون من الأسهل تبرير الإنفاق على التسلح إذا بدا أنه يستجيب لمتطلبات الأمن الأوروبي، لا لرغبة في استرضاء ترامب.
أما السمة الثالثة، فهي أن الأوروبيين، في خضوعهم للرئيس الأمريكي، كثيرًا ما يعجزون عن إخفاء ذلك، الأمر الذي يحول دون أن يؤخذوا على محمل الجد، سواء من جانب ترامب، أو فلاديمير بوتين، أو الرئيس الصيني شي جين بينغ. وإذا كان هناك شخص يُفترض أنه يكنّ احترامًا أقل لمارك روته مما يكنّه روته لنفسه، فهو ترامب. ولن تحظى أوروبا باحترام العالم إلا عندما تدافع عن نفسها وتقف بثقة على قدميها.
وبينما كانت «الأوستالغيا» ظاهرة نشأت من القاعدة الشعبية، فإن «الوستالغيا» تُغذّيها النخب السياسية. ولا شك أن الساسة الأوروبيين مضطرون إلى تهدئة مخاوف ناخبيهم القلقين، لكن إذا أرادوا النجاح في القرن الحادي والعشرين، فعليهم أن يكفّوا عن تسويق الحنين إلى الماضي، وأن يوجّهوا أنظارهم نحو المستقبل.
مارك ليونارد مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب «النجاة من الفوضى: الجغرافيا السياسية حين تنهار القواعد».