صَدَمات النفط لم تَـعُد صَادِمة إلى هذا الحد
الخميس / 1 / صفر / 1448 هـ - 20:16 - الخميس 16 يوليو 2026 20:16
يعيش الخليج العربي الآن حالة من انعدام الاستقرار والتوازن. فلم يتوصل المفاوضون إلى اتفاق دائم لإعادة فتح مضيق هرمز، لأن المطالب الأمريكية والإيرانية لا تزال متباعدة، في حين يمارس الإيرانيون قدرا أعظم من النفوذ مقارنة بالرئيس دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في شهر نوفمبر المقبل. في غياب اتفاق شامل، كان من المرجح بشِدّة تجدد الاشتباكات، وهو ما انعكس في تزايد خطر العودة إلى حرب شاملة.
مع ذلك، ارتفعت أسواق الأسهم بدرجة أكبر على أمل أن يؤدي وقف إطلاق نار مؤقت إلى التوصل إلى اتفاق شامل، وكانت ردود فعل الأسواق في الاستجابة لعودة التوترات إلى التصاعد مؤخرا محدودة. كان الأثر الاقتصادي الإجمالي ــ على النمو والتضخم ــ متواضعا نسبيا. ورغم أن هذا يمثل أكبر انقطاع على الإطلاق في إمدادات النفط العالمية، فإن صدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين كان تأثيرها أعظم.
لا تزال الاستراتيجية الإيرانية تتمحور حول استخدام النفط كسلاح، وهي ممارسة تمتد إلى جذور تاريخية بعيدة. يرى بعض المؤرخين أن ألمانيا خسرت الحرب العالمية الأولى جزئيا لأن الحصار البحري الذي فرضه الحلفاء حَرَمَها من النفط. على نحو مماثل، اتخذت الإمبراطورية اليابانية القرار المصيري بمهاجمة الأسطول الأمريكي في بيرل هاربور لأن إدارة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت فرضت عليها حظرا نفطيا بسبب غزوها للصين، وادّعى ستالين لاحقا أن النازيين خسروا الحرب العالمية الثانية لأن السوفييت منعوا دول المحور من الاستيلاء على حقول النفط في القوقاز.
بعد الحرب، عطلت أزمة السويس عام 1956 شحنات النفط من الشرق الأوسط إلى أوروبا، حيث شنت فرنسا، والمملكة المتحدة، وإسرائيل عملية للاستيلاء على قناة السويس بعد تأميمها من جانب مِصر. (في نهاية المطاف، أُجبروا على الانسحاب تحت ضغط من الولايات المتحدة، التي كان تركيزها منصبا على منع اندلاع صراع قد ينجر إليه السوفييت). بعد مرور عقد من الزمن، كان الدافع المباشر لحرب الأيام الستة بين إسرائيل وعِدّة دول عربية هو محاولة مِصر منع مرور شحنات النفط إلى إسرائيل عبر مضيق تيران.
جلبت صدمات السبعينيات الجيوسياسية عقدا ضائعا من الركود التضخمي (نوبات متعددة من الركود والتضخم المرتفع)، وضَعف أسواق الأسهم العالمية، وعوائد سندات بلغت خانة العشرات. كانت التداعيات شديدة إلى الحد الذي جعل سبعينيات القرن العشرين تظل راسخة في ذاكرتنا الجماعية. ولكن كمثل الحرب الدائرة في عامنا هذا، أسفرت صدمات النفط اللاحقة المدفوعة بأسباب سياسية ــ في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990، وصدمة أسعار النفط في الفترة 2000-2001، وغزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، والحرب التي دامت 12 يوما ضد إيران العام الماضي ــ عن تأثيرات اقتصادية وسوقية أقل حِدّة بدرجة كبيرة.
يرجع هذا إلى عدة أسباب. بادئ ذي بدء، بعد سبعينيات القرن العشرين، أدرك منتجو منظمة الأوبك أن استخدام النفط كسلاح قد يؤدي إلى نتائج هَدّامة. ذلك أن صدمة أسعار النفط الضخمة بالقدر الكافي لإحداث ركود تضخمي عالمي لابد وأن تؤدي في النهاية إلى انهيار الطلب على النفط وأسعاره، كما حدث في الفترة 1981-1982. وعلى هذا فقد كانت بعض الأطراف الفاعلة المسؤولة، على استعداد (وقادرة) لزيادة الإمدادات عندما تتسبب صدمات جيوسياسية في إشعال شرارة ارتفاعات حادة في أسعار النفط.
علاوة على ذلك، منذ سبعينيات القرن العشرين، كانت المكاسب المتحققة في كفاءة الطاقة أميَل إلى تقليص حصة النفط المستورد المستخدم في الإنتاج والاستهلاك. كما تراجعت قوة منظمة أوبك السوقية، بعد أن وضع أعضاؤها مصالحهم الخاصة قبل الحاجة إلى التحرك بخطى متناسقة، ومع دخول مصادر جديدة للإمدادات إلى السوق ــ وخاصة في الولايات المتحدة في أعقاب ثورة طاقة الصخر الزيتي هناك.
بعد صدمات سبعينيات القرن العشرين، عملت الدول الكبرى المستهلكة للنفط ــ بما في ذلك الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، واليابان ــ أيضا على تكديس احتياطيات نفطية استراتيجية يمكن الإفراج عنها عند ارتفاع الأسعار (والتي شَكَّلَت مصدرا رئيسيا للمرونة هذا العام). كما اكتسبت بدائل النفط ــ الغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة، والمفاعلات النووية الـنَسَقية الجديدة الأكثر أمانا (مع احتمال قدوم طاقة الاندماج النووي في العقد المقبل) ــ زخما وحصة متزايدة في السوق. بالنظر إلى المستقبل، سوف تُلبى حصة متزايدة من الطلب على الطاقة (عبر المركبات الكهربائية والبطاريات) باستخدام كهرباء يمكن إنتاجها دون الحاجة إلى النفط.
من ناحية أخرى، تحسنت الاستجابة القياسية للسياسات الكلية (المالية والنقدية على حد سواء) تجاه صدمات النفط، فساعد هذا على منع انفصال توقعات التضخم عن مستوياتها المرجعية على غرار ما حدث في سبعينيات القرن العشرين. نتيجة لهذه العوامل جزئيا، أصبحت صدمات النفط أقل تواصُلا وأقصر أمدا من نظيراتها في السبعينيات، والتي استمرت لمدة تقرب من عشر سنوات. دامت صدمة النفط في الفترة 1990-1991 تسعة أشهر، وكانت صدمة 2000-2001 أقصر أمدا، أما الصدمة التي أعقبت حرب الاثني عشر يوما في العام الماضي فلم تدُم سوى بضعة أسابيع.
أخيرا، وفي المقام الأول من الأهمية، على النقيض من نوبات سابقة، حيث هيمنت صدمة نفطية ــ تحولت إلى صدمة سلبية في العرض الكلي ــ على الاتجاهات الكلية والسوقية، يأتي الوضع الحالي مصحوبا بصدمة إيجابية طويلة الأمد في العرض الكلي على هيئة طفرة استثمار في الذكاء الاصطناعي. تساهم الظروف المواتية الداعمة لقطاع التكنولوجيا في تعزيز النمو وخفض التضخم في كثير من البلدان والمناطق، وهذا يفسر كيف بلغت الأسهم الأمريكية مستويات غير مسبوقة في الارتفاع حتى عندما تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار في ربيع هذا العام. ورغم حدوث تصحيح منذ ذلك الحين عقب تجدد الأعمال العدائية، فإنه ظل محدودا.
بطبيعة الحال، إذا أفضت الاشتباكات الأخيرة إلى تصعيد كامل للأعمال العدائية، فقد تكون العواقب الاقتصادية والتأثيرات التي يخلفها ذلك على الأسواق أشد خطورة، حيث يزيد الصراع المطول من خطر حدوث ركود تضخمي حقيقي. هذا ليس السيناريو الأساسي؛ لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن المخاطر الشديدة الأثر وإن كانت نادرة الحدوث أكبر من حسابات السوق حاليا.
نورييل روبيني أستاذ فخري للاقتصاد في كلية «ستيرن» للأعمال بجامعة نيويورك؛ وشريك مؤسس لشركة «أطلس كابيتال تيم»، ومؤلف كتاب «التهديدات الكبرى: عشرة اتجاهات خطيرة تهدد مستقبلنا، وكيف».
خدمة بروجيكت سنديكيت