حين تكشف المرايا وجه السلطة
رواية «لها مرايا» لسمر يزبك
الخميس / 1 / صفر / 1448 هـ - 17:12 - الخميس 16 يوليو 2026 17:12
عندما صدرت رواية 'لها مرايا' للروائية السورية سمر يزبك عام 2010 عن دار الآداب في بيروت، كانت سوريا تعيش مرحلة تبدو مستقرة في ظاهرها، بينما كانت تحت السطح تتراكم أسئلة كثيرة حول الفرد والمجتمع والسلطة والهوية. جاءت الرواية قبل أشهر قليلة من التحول الكبير الذي عرفته البلاد التي كانت تعيش تحت نظام سياسي شديد الحضور في تفاصيل الحياة العامة، وكانت مساحة التعبير الأدبي تتحرك ضمن حدود دقيقة بين ما يمكن قوله وما يُفضّل الصمت عنه، واستطاعت بروايتها أن تجسد مناخا إنسانيا واجتماعيا كانت فيه علامات التوتر حاضرة ومارست نوعا آخر من الكشف؛ كشف البنية الداخلية للعلاقات، والتوترات النفسية والاجتماعية، والمساحات الخفية التي تتشكل فيها السلطة داخل الأسرة والمجتمع والوعي الفردي. فالرواية ترصد حضور السلطة الأوسع في السلوك والخوف والاختيارات وطريقة رؤية الإنسان لذاته وللآخرين.
ومن هذه الزاوية تظهر السلطة في الرواية بوصفها العامل المحرك للشخصيات، فلا تبقى مرتبطة بالموقع والنفوذ وحدهما، وإنما تتحول إلى شبكة واسعة من العلاقات تمتد إلى العائلة والأقارب والجيران والعادات، وتؤثر في الاختيارات والمشاعر وطريقة النظر إلى الذات والآخر، وفي الخوف الذي يجعل الإنسان يمارس الرقابة على نفسه قبل أن يمارسها الآخرون عليه.
لا يمكن قراءة الرواية بوصفها تنبؤًا بما سيحدث، لكنها تبدو اليوم، بعد أكثر من عقد على صدورها، نصا التقط التصدعات التي كانت تتسع في بنية المجتمع قبل أن تظهر إلى العلن.
تدخل سمر يزبك إلى عالمها الروائي من الداخل، ولم تكن في موقع المراقب الذي يصف مجتمعا بعيدا عنه، فهي تكتب من معرفة عميقة بتفاصيله وعلاقاته وطبقاته الخفية، وهذا ما يمنح الرواية خصوصيتها؛ إذ تكشف آليات القوة والخوف والاختيارات الفردية عبر الحياة اليومية للشخصيات، بعيدا عن الخطاب المباشر أو الشعارات.
تكمن أهمية الشخصيات في الرواية في أن الكاتبة تمنحها تعقيدها الإنساني؛ فهي شخصيات تحمل رغباتها وضعفها وتناقضاتها، ولذلك تصبح أكثر من مجرد تمثيل لفكرة. ومن خلال تداخل مصائرها تكشف الرواية مجتمعا يعيش بين ما يُعلن وما يُخفى، وبين الصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه والحقيقة التي تكشفها المرآة.
عنوان الرواية يحمل مفتاحا أساسيا لفهم عالمها. فالمرايا هنا تتجاوز كونها أداة تعكس الوجوه، لتصبح رمزا للذات المتعددة والصور التي يحملها الإنسان عن نفسه وعن الآخرين، كل شخصية تقف أمام مرآتها الخاصة، وتحاول أن ترى حقيقتها وسط صور صنعتها العائلة والمجتمع والظروف المحيطة، ومن هنا تتحول الرواية إلى بحث في سؤال الهوية: كيف يعرف الإنسان نفسه حين تتزاحم حوله تعريفات كثيرة؟ ولهذا تبدو شخصيات الرواية، مثل ليلى الصاوي والضابط سعيد وغيرهما، أبعد من كونها نماذج منفردة تنتمي إلى شبكة اجتماعية لها قوانينها غير المعلنة، ولها علاقاتها المعقدة بين القوة والخضوع، والرغبة والخوف.
ومن خلال ليلى الصاوي ترصد الكاتبة عالم المرأة وهي تواجه الأسئلة المتعلقة بالذات والاختيار والقيود المحيطة بها، بينما يكشف الضابط سعيد جانبا آخر من بنية المجتمع، حيث تتداخل السلطة الفردية مع سلطة الموقع والنفوذ.
تكمن قوة الرواية في هذه القدرة على تقديم المجتمع من داخله. 'فالشخصيات لا تتحرك في فضاء روائي معزول، وإنما داخل شبكة من العلاقات التي تكشف طبيعة المجتمع وتوتراته الداخلية.' ومن خلال تفاصيل الحياة الخاصة تظهر صورة أوسع لمجتمع يحمل الكثير من التوترات الصامتة. وهنا يصبح الخاص طريقا إلى العام؛ فمصير الفرد يكشف شيئا من مصير الجماعة.
وتمنح الكاتبة التفاصيل الصغيرة قدرة على حمل دلالات واسعة. وعلى المستوى الفني، يتداخل الزمن في الرواية مع الذاكرة، ويرتبط الوصف بالحالة النفسية للشخصيات، بينما يعكس البناء السردي حالة القلق والبحث التي يعيشها أبطالها.
تكتسب 'لها مرايا' قيمتها من قدرتها على الاقتراب من مناطق حساسة عبر الأدب.
هي رواية عن الإنسان في مواجهة ظرف سياسي ومجتمعي معقد.
قدمت سمر يزبك روايتها وتركت الباب مفتوحا أمام القارئ ليعيد مساءلة السلطة والحرية والهوية...
ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه 'لها مرايا' يتعلق بالسلطة بوصفها مؤسسة، وبما تتركه من أثر حين تتحول إلى أسلوب حياة، وتصبح قادرة على تشكيل العلاقات والوعي ومصائر الأفراد.
وفي هذا تكمن قوة الرواية؛ كونها لا تروي حكاية شخصياتها فقط، إنما تفتح بابا واسعا للتأمل في مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع السوري، بما حملته من أسئلة حول السلطة والهوية والانتماء..