أعمدة

الإجازة الصيفية والمخاطر الرقمية

يقضي الطلبة منذ مدة فترة الإجازة الصيفية، التي تعد واحدة من الفترات الأكثر صعوبة على الأسر في كيفية استثمارها واستغلال أوقات فراغ أبنائهم، خاصة إذا لم تضع برنامجا محددا لاستغلال فترة الإجازة الممتدة لقرابة 3 أشهر، وهي فترة مهمة، تحمل مسارين، الأول يتمثل في الاستفادة من الإجازة واستثمارها بطريقة صحيحة، والثاني ضياع وقت طويل قد يعرض الأطفال لجوانب سلبية، خاصة مع وجود وسائل التواصل الرقمية التي تقع في أيدي الأطفال ويستخدمونها بعيدا عن رقابة الأسرة. 

وأكدت دراسة أجرتها وزارة التنمية الاجتماعية إن نسبة امتلاك الأطفال للأجهزة الإلكترونية بمختلف أنواعها في سلطنة عمان تبلغ 99%، منهم أكثر من 75% يمتلكون أجهزة هاتف نقال، وأكثر من 45% من الأطفال يملكون أجهزة حاسب آلي، وأكثر من 5% يمتلكون أجهزة لوحية، و5% يمتلكون أجهزة أخرى، وفي ظل هذه الإحصائيات الدالة على اتساع استخدام التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال، لا بد من تكثيف الجهود من قبل الأسرة والمجتمع والمؤسسات للرقابة على الأطفال أثناء استخدامهم لهذه الوسائل. 

إن لدى الأطفال طاقة هائلة لا بد من استغلالها فيما يفيد فكرهم و ينمي قدراتهم، كما أن هدر الطاقة أو عدم توجيهها التوجيه الصحيح والمفيد، قد تؤدي إلى انعكاسات خطيرة ستؤثر على مستقبل الطفل ذهنيا وعلميا وجسديا . 

و تؤمن سلطنة عمان بأهمية تكثيف الجهود للاهتمام بتربية الأطفال و تنشئتهم وفق أسس مبنية على الفطرة الإنسانية السليمة، والدين الإسلامي، والعادات والتقاليد العمانية الأصيلة التي تستمد منهجها، من خصوصية المجتمع العماني وثقافته وفكره ومعتقده الراسخ في التعايش والسلام والتعليم والإسهام في البناء والتقدم. 

وعلى ضوء تلك الأسس، بنَت سلطنة عمان منظومة قوية ومتكاملة من القوانين والمؤسسات الضامنة لحقوق الطفل، وأرست قواعد متينة وصارمة تضمن حصول كل طفل في عمان على كافة حقوقه المتمثلة في التعليم والصحة والعيش الكريم، وحفظ حقوقه بما يضمن عدم تعرضه للإيذاء أو العنف المؤدي إلى تغيير فطرته وانحراف فكره . 

و في اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منتصف يونيو الماضي، وجه جلالته، الجهات المعنية بتقييم استخدام وسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال من جوانبه المختلفة، وتشخيصه وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، وبما يساعد الأسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفية الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال. 

وتأتي هذه اللفتة من لدن مقام جلالته ـ أيده الله ـ إيمانا بأهمية الاستخدام الأمثل لهذه الوسائل، وحفاظا على تنشئة الطفل تنشئة سليمة، وخطورة وسائل التقنية إذا استخدمت بشكل خاطئ، وما قد يترتب على ذلك من تبعات مستقبلية. 

واستشعارا بخطورة وسائل التواصل والتقنية على الأطفال بدأت العديد من الدول حول العالم، التوجه لوضع ضوابط لاستخدامها من قبل الأطفال لوسائل التقنية، فقد حظرت أستراليا مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 16 عامًا منذ ديسمبر 2025، بينما سنّت البرازيل قانونًا يُلزم المنصات بربط حسابات المستخدمين دون سنّ 16 بحسابات آبائهم، بالإضافة إلى إلزامها بالتحقق من أعمار المستخدمين، وفي الصين فرضت قيود تدريجية على وصول القاصرين منذ عام 2019، وفرضت الإجراءات الصينية الأولية حدودًا زمنية وحظرًا على الألعاب الإلكترونية، قبل أن تُعمم قيود مماثلة في 2023 لتشمل مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات البث المباشر، كما حظرت إندونيسيا استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم دون سنّ 16 عامًا، فيما سنت ماليزيا تشريعًا يمنع هذه الفئة العمرية من استخدام المنصات الرئيسية. 

وتدرس دول أخرى السير على خطى من سبقها في هذا الشأن، حيث تتجه المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ خطوات جديدة للحد من وصول الأطفال الصغار إلى منصات التواصل الاجتماعي، في تحرك يُعد من أكبر المبادرات الأوروبية حتى الآن لمواجهة المخاطر المرتبطة باستخدام الإنترنت من قبل القاصرين، وسيعمل الاتحاد على وضع إجراءات تهدف إلى حماية الأطفال من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على تقليل تعرضهم للمحتوى الضار والممارسات الرقمية التي قد تؤثر في صحتهم النفسية وسلوكهم، كل هذه الخطوات تحمل دلالات على خطورة وسائل التقنية واستخدامها من قبل الأطفال، وضرورة الوقوف مؤسسيا واجتماعيا عند هذه المسألة. 

إن التوجه نحو تقنين استخدام الأطفال لوسائل التقنية، لا بد له من أن يقابل بتعاون أسري في الرقابة على الأطفال عند استخدامهم لوسائل التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، والحرص على الرقابة الأسرية فيما يلج إليه أطفالهم من مواقع قد تعرضهم للخطر، وتهدم أخلاقهم و فكرهم . 

وعلى الرغم من أن وسائل التواصل والتقنيات الحديثة أصبحت جزءا مهما من حياة البشر والشعوب والدول، ويتجه العالم إلى التعمق في استخدامها، إلا أن تلك الوسائل وكما تحمل في جنباتها من منفعة فكرية وتقنية للبشرية، إلا أنها تحمل كذلك الكثير من الجوانب الهدامة للعقول والفطرة والإنسانية. 

ويقف خلف تلك الشاشات ووسائل التقنية من يسعون إلى هدم الأفكار ومسخ العقول، وتغيير السجية البشرية، من خلال تأثيرهم على الأطفال، واستغلال غياب الرقابة الأسرية، لذلك فإن الأسرة والمؤسسات الرسمية والمجتمعية لا بد لها من مضاعفة الجهود التوعوية، لتقوم الأسرة بواجبها تجاه حماية الأطفال من مخاطر التقنية الحديثة، وعدم ترك الأطفال يدخلون إلى وسائل التقنية إلا بوجود ذويهم والمسؤولين عنهم؛ لضمان استخدام آمن لوسائل التقنية. 

سهيل النهدي من أسرة تحرير (عمان)