أفكار وآراء

أمن الخليج في ضوء مقال «لوموند»

مقال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية الذي نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية مؤخراً اتسم بالعِلمية والعَملية وبالشمول والصراحة والواقعية. 

وكان قلمه الذي خط به المقال النادر من نوعه بمثابة مبضع جراحة شرّح بمهارة فائقة الحالة السياسية والأمنية والوضع الجيوستراتيجي بالإقليم. 

ومن قبل ذلك شخّص معالي الوزير العلة المزمنة التي لازمت المنطقة وأسبابها، ووصف الدواء والعلاج وأشار إلى المخارج التي يمكن لدول المنطقة الخروج عبرها من ضيق الأزمات المتكررة إلى رحاب وفضاء التعافي التام والانطلاق بقوة نحو الازدهار والاستقرار. 

المقال وما حواه من أفكار ومقاربات وتشخيص وخُلاصات ومراجعات جريئة يصلح لأن يكون وثيقة مرجعية تؤسس لمرحلة جديدة يتم فيها وضع حجر الأساس لبناء أمن إقليمي متين يمثل مخرجاً لدول المنطقة من المأزق الأمني الحالي، ويخلصها من ربقة القيد الحديدي الذي ظلت ترسف فيه لعقود. 

تناول معالي وزير الخارجية في مقاله رؤوس قضايا وموضوعات في غاية الأهمية، لست هنا بصدد تناولها جميعها، حيث يضيق المجال للخوض في تفاصيلها بالتحليل والتشريح واستخلاص النتائج منها، ولكن أكثر ما استرعى انتباهي في هذه الموضوعات والقضايا التي طرقها معالي الوزير دعوته إلى إعادة النظر بصورة شاملة في البنية الأمنية لمنطقة الخليج، وبرأيي هي دعوة شديدة الأهمية وفي الاتجاه الصحيح، خاصة في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به منطقة الخليج بسبب الحرب على إيران، فقد كشفت تطورات هذه الحرب مواضع الخلل والهشاشة في البنية الأمنية الراهنة بوضوح لا غموض فيه. 

ومثلما أشار معالي الوزير في مقاله فإن معالجة هذا الخلل يتم من خلال الانتقال من سياسة «الاحتواء» التي سادت المنطقة منذ العام 1979 وحكمت الترتيبات الإقليمية طوال هذه المدة، إلى نظام آخر يقوم على «الإدماج»، أي إدماج كل دول المنطقة في نظام أمني واحد ومن ثم تتحمل هذه الدول مسؤولية أمنها المشترك. 

ووفقاََ لمعالي الوزير فإن النظام الأمني الذي تشكل في الخليج منذ أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي يقوم على فرضية خاطئة كانت تعتبر إيران تهديداََ وجودياََ للمنطقة وللمصالح الغربية. 

ويدلل معالي الوزير على صحة رؤيته هذه بالقول إن العقود الماضية شهدت إنفاقاََ عسكرياََ ضخماََ وتوسيعاََ للقواعد الأمريكية في المنطقة وترسيخاََ لنظام أمني يعتمد على الحماية الخارجية دون أن يفضي ذلك إلى بناء أمن مستدام أو الحيلولة دون اندلاع الحروب والأزمات. 

وهذه حقيقة يصدقها الواقع؛ فقد عانت منطقة الخليج من تعاقب وتلاحق الأزمات والحروب في الوقت الذي ينبغي فيه أن يحل السلام ويستتب الأمن بالنظر إلى ضخامة الإنفاق العسكري والكلفة الباهظة لنظام الحماية الخارجية المنوط به توفير الأمن والدفاع عن دول الخليج وصد العدوان عليها من أي جهة كانت. 

ويشير معالي الوزير في مقاله إلى السبب في هذا القصور والفشل في توفير الأمن والحماية لدول الخليج ويلخصه بوضوح وجرأة بأن مصادر الخطر الأكبر على أمن الخليج تأتي في كثير من الأحيان من قرارات تتخذ خارج المنطقة وخصوصاََ من تل أبيب. 

لقد وضع معاليه إصبعه على موضع العلة والألم، فكل الأزمات والحروب التي وقعت بالمنطقة طبخت بأيد أجنبية وكان منشأها خارج البيت الخليجي، وتقف من ورائها تل أبيب والمثال الواضح الماثل الآن لهذه الحقيقة هي الحرب الجارية الآن؛ حيث تابع العالم كله كيف أعدت إسرائيل العدة لإشعال هذه الحرب، وكيف استطاع نتنياهو إقناع الرئيس ترامب بشن الحرب على إيران دون حساب أو اكتراث للعواقب الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية الوخيمة، التي يمكن أن تترتب على أمن المنطقة ودولها، وحتى دون أن يكون لأمريكا مصلحة فيها. 

ومن مفارقات هذا الوضع المختل أن دول الخليج وجدت نفسها في أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل ولم تستشر فيها، حرب أمريكية إسرائيلية بامتياز لا دخل لدول الخليج العربية فيها، لكنها وجدت نفسها مرغمة على تحمل تبعاتها المتمثلة في تدمير منشآتها المدنية واستهداف مرافقها الاقتصادية الحيوية. 

فكل من إسرائيل وأمريكا تعلمان علم اليقين أن أي قصف يطال أهدافاََ إيرانية يستتبعه قصف واستهداف إيراني لأهداف خليجية، ورغم ذلك تستمر تل أبيب في تحريض أمريكا على توجيه المزيد من الضربات ضد إيران، وهو ما يعني مزيدا من الضربات على دول الخليج، وهو وضع يخدم الأمن القومي الإسرائيلي في بعده الاستراتيجي، وفي نفس الوقت يعمل على إضعاف وتقويض أمن الخليج. 

ومما هو معلوم بالضرورة أن أمن إسرائيل مرتبط عضوياََ بالأمن القومي الأمريكي وأن واشنطن تعتبر أن بقاء إسرائيل وتفوقها العسكري والنوعي ركيزة أساسية لحماية مصالحها الجيوسياسية في الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي فإن حماية إسرائيل مقدمة على ما سواها من مهام يتعين على أمريكا القيام بها على أكمل وجه بحسب الرؤية الأمريكية. 

وإذا علمنا أن إسرائيل من ناحية استراتيجية تصنف دول المنطقة جميعها ضمن منظومة القوى المعادية لها فإن الصورة تصبح واضحة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. 

وعلى ضوء هذه الحقائق الساطعة يرى معالي وزير الخارجية ضرورة إعادة بناء النظام الأمني الخليجي، وأولى لبنات هذا البناء هو ما سماه بـ «الإدماج»، وجعله بديلاََ لسياسة الاحتواء التي وصفها بأنها كانت وهْماََ، والإدماج يتمثل في دمج إيران والعراق باعتبارهما دولتين تطلان على الخليج إلى دول الخليج الست في أي بنية أمنية مستقبلية لأمن الخليج، ومن ثم تضطلع هذه الدول الثماني بمهمة تصميم نظام إقليمي جديد وتنفيذه على أرض الواقع وتحمل الالتزامات المترتبة عليه. 

وفي تقديري أن هذه المقاربة فيما لو تم الالتزام بها ستكون هي المخرج من ورطة الأمن التي لازمت دول المنطقة كل تلك العقود. وينبغي الإشارة في معرض هذه القضية إلى أهمية الوعي بأن مفهوم الأمن القومي أو الإقليمي الصحيح لا ينحصر فقط في الجانب العسكري والتدابير الأمنية التقليدية، وإنما يتعدى هذا الإطار الضيق إلى فضاء أوسع تدخل في نطاقه المصالح الاقتصادية التي ينبغي أن تتحول إلى شراكات، إضافة إلى كل صور التعاون والعمل المشترك في إطار المصالح المتبادلة، وتكامل الأدوار، والنأي عن محاولات تصدير الأيديولوجيا والهيمنة الفكرية والثقافية، وإرساء نموذج للعلاقات بين دول المنطقة يقوم على الاحترام المتبادل والاحتكام إلى القانون الدولي والمواثيق الدولية 

فيما بينها من جهة، وما بينها وبين بقية دول العالم من جهة أخرى والأخذ في الاعتبار أن الأمن الإقليمي كل لا يتجزأ وأن دول المنطقة تتشارك نفس المصير. 

إن حيوات الأمم مثلها مثل حيوات الأفراد تأتي عليها ظروف وتطرأ عليها مستجدات تضطر معها إلى إحداث تغيير يتماشى وينسجم ويتفاعل مع هذه المستجدات حتى تحافظ على توازنها ومكانتها وتصونها من أن تتبدل أحوالها أو تتدهور؛ فمنطقة الخليج جزء مهم وحيوي جدا في هذا العالم بامتلاكها لعناصر القوة الاقتصادية، وهي مصدر مهم من مصادر الطاقة على مستوى العالم، ومحط أطماع قوى دولية ليست لها موارد مماثلة؛ لذا ينبغي عدم التفريط في تأمين هذه المنطقة على الوجه الصحيح مهما كانت الكلفة؛ فالأمن لا يقدر بثمن، ولا يقوم بمال، وفوق ذلك لا مجاملة فيه. 

الركابي حسن يعقوب كاتب سوداني