«عين الطائر» يناقش العلاقة بين القصة القصيرة والرواية وتحولات السرد
فـي جلسة قرأت تجارب أربعة من أبرز كتّاب القصة العُمانية
الأربعاء / 29 / محرم / 1448 هـ - 19:53 - الأربعاء 15 يوليو 2026 19:53
متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي
ضمن مشروعه «عين الطائر على القصة القصيرة في عُمان» الذي يهدف إلى إحياء هذا الجنس الأدبي، وتوثيق مساراته، وفتح فضاءات الحوار والتحليل حول المنجز القصصي؛ نظم النادي الثقافي مساء أمس الأول الجلسة الخامسة، وقدم فيها الناقد الأردني الدكتور محمد عبيدالله أستاذ الأدب والنقد بجامعة نزوى قراءة في تجارب الدكتورة جوخة الحارثي وبشرى خلفان، والخطاب المزروعي ومحمد الشحري؛ حيث استعاد اللقاء مسارات القصة القصيرة العُمانية، وفتح النقاش حول تحولات هذا الفن وأسئلته الجمالية وموقعه في المشهد الثقافي.
واستهل الدكتور محمد عبيدالله مدير الجلسة اللقاء بالحديث عن أهمية تخصيص لقاءات تعنى بالأجناس الأدبية المختلفة في ظل ما تشهده القصة القصيرة من عودة لافتة إلى دائرة الاهتمام بعد أن كانت لعقود في صدارة المشهد الثقافي العربي مدفوعة بازدهار الصحافة الثقافية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ورأى أن تراجع الاهتمام بها لاحقا لم يعنِ غيابها عن الكتابة أو القراءة، وإنما جاء ضمن التحولات الطبيعية التي تشهدها الأجناس الأدبية؛ إذ تتناوب على الحضور تبعا لمتغيرات فكرية واجتماعية وثقافية.
انحياز للفئات المهمشة
وأعقب القراءات القصصية التي قدمها المشاركون استعرض الدكتور محمد عبيدالله في قراءته أبرز السمات الفنية والفكرية التي تميز مشروع كل كاتب؛ حيث استهل الدكتور محمد عبيدالله قراءاته النقدية بالتوقف عند تجربة بشرى خلفان معتبرا أنها قدمت عبر مجموعاتها القصصية الأربع إسهاما أصيلا في مسار القصة القصيرة العُمانية والعربية بما تطرحه من رؤى جديدة يمكن تلمسها عند قراءة تطور هذا الفن، وما أضافه جيلها إلى المنجز القصصي العربي. وأشار إلى أن كتابتها تنطلق من انشغال واضح بالمدينة ليس بوصفها فضاء للأحداث، وإنما باعتبارها كائنا حيا له ذاكرة وروح وتحولات تلاحقها الكاتبة في الماضي والحاضر، وتمتد بها إلى أسئلة المستقبل في محاولة دائمة لتأمل المكان وإعادة اكتشافه، وهذا الانشغال بالمكان لا يقف عند حدود الوصف أو استعادة التفاصيل، وإنما يتحول إلى خطاب سردي واعٍ وناقد يراقب ما يعتري المدينة من تحولات، ويتتبع مصائر شخصياتها ومكوناتها، ليقدم قراءة تتجاوز السطح إلى مساءلة ما يجري في أعماقها. فالإنسان في عالم بشرى خلفان يظل مرتبطا بالمكان الذي ينتمي إليه، وتصبح الذاكرة أحد المداخل الرئيسة لفهم الشخصيات ومساراتها، وهو ما يجعل المكان عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي السردي.
وأضاف محمد عبدالله: أن من أبرز ملامح هذه التجربة انحيازها المتكرر إلى الفئات المهمشة؛ إذ تتجه قصصها إلى ما وصفه بـ«قطاع الظل» مبتعدة عن الشخصيات المهيمنة أو المركزية، لتمنح المساحة لمن يعيشون على هامش المدينة؛ حيث يتولد الثراء الإنساني والاختلاف. وإلى جانب ذلك تستثمر الكاتبة الموروث الثقافي والذاكرة الشعبية، فتستحضر الحكايات والتاريخ والأسطورة، وتعيد توظيفها داخل النص القصصي بصورة تمنحه خصوصيته سواء عبر الاقتباس المباشر، أو الإشارات الموحية، أو إعادة بناء الحكاية الشعبية برؤية معاصرة معتبرا أن «الأيقونة الكنائية» من السمات اللافتة في عالم بشرى خلفان السردي؛ حيث تحضر عناصر مادية بسيطة ترافق النص منذ بدايته قبل أن تتكشف تدريجيا كمركز للدلالة يحمل المعنى العميق للقصة، واستشهد بقصة «ريشة الطاووس» مبينا كيف تحولت الريشة من عنصر عابر إلى علامة تكشف البنية الاجتماعية الخفية، وتفضح الحدود غير المرئية بين الطبقات، لتغدو الأشياء الصغيرة في قصصها مفاتيح لقراءة الواقع وكشف تناقضاته.
اللغة في الوسط
وانتقل بعدها الدكتور محمد عبيدالله إلى تجربة جوخة الحارثي وقال: حضور «جوخة الحارثي» رسخت في القصة القصيرة عبر أكثر من مجموعة بدءا من «صبي على السطح» وصولا إلى «ليل ينسى ودائعه»، وأن ما يميز عالمها السردي أنها لا تنشغل بالواقع الخارجي بقدر انشغالها بالعالم الداخلي للإنسان؛ إذ تبدأ قصصها من مشهد أو إطار واقعي يبدو مألوفا، لكنه لا يلبث أن يتحول إلى مدخل يكشف الطبقات الخفية للنفس الإنسانية، وما يعتمل فيها من هواجس وقلق وأسئلة لا ترى بالعين المجردة.
ولفت إلى أن السرد عند جوخة الحارثي يتجاوز الحدث إلى ما وراءه؛ فالمشهد الواقعي ليس سوى قشرة خارجية تقود إلى جوهر أعمق حيث تتوارى الوقائع لحساب الحالات النفسية، ويصبح اهتمام القصة منصبا على ما يشعر به الإنسان أكثر من اهتمامها بما جرى له، واستشهد بقصة «المحبوب» موضحا أنها تبدأ بوصف علاقة زوجين مضى على زواجهما سنوات طويلة قبل أن تكشف تدريجيا أزمة نفسية دفينة يعيشها البطل تتمثل في شعوره الدائم بأنه لم يبلغ محبوبه حقا رغم مرور العمر، لتتحول كل تصرفاته إلى انعكاس لهذا الاضطراب الداخلي الذي لا تقدم القصة له حلا بقدر ما تسعى إلى فهمه.
واستحضر قصة «صبي على السطح» مبينا أنها تقدم مثالا آخر على هذا المنحى؛ حيث إن هذا الاشتغال على التفاصيل النفسية الدقيقة يتكرر في كثير من أعمالها، ويمنحها خصوصية واضحة في المشهد السردي. وأضاف أن اللغة في قصص جوخة الحارثي تقف في منطقة وسطى بين السرد والشعر؛ فهي لا تستعير الشعر على مستوى الزخرفة اللغوية، وإنما في قدرتها على التقاط الوجدان الإنساني، وصياغة الحالات الشعورية بما يجعل النص أقرب إلى «قصة الحالة» منه إلى «قصة الحدث». فالسرد لديها لا يسعى إلى إخبار القارئ بما وقع، وإنما إلى تمكينه من الإحساس بما عاشته الشخصية، وهو ما يجعل الداخل الإنساني مركز الثقل في تجربتها، ويمنح قصصها طابعا تأمليا ينفذ إلى مناطق اللاوعي حيث تتشكل الدوافع الخفية للسلوك الإنساني في رؤية تستفيد من المنجزات الحديثة في قراءة النفس البشرية مع احتفاظها باستقلالها الأدبي والجمالي.
لغة حادة وصادمة
واعتبر الدكتور محمد عبيدالله أن تجربة الخطاب المزروعي تنطلق من وعي حاد بما يعتري الإنسان من انكسارات اجتماعية ووجودية، فلا تقف عند حدود الواقع الاجتماعي، وإنما تمتد إلى أسئلة أعمق تتصل بوجود الإنسان نفسه وموقعه في العالم، كما أن شخصياته تعيش في الغالب حالات من العزلة والانقطاع والاغتراب، وتبدو علاقاتها بالآخرين متصدعة أو غير مكتملة في اختيار فني يعكس طبيعة العالم الذي يقدمه، ويمنح قصصه نبرة احتجاجية تتجاوز المباشر إلى أفق وجودي أكثر اتساعا، وأن هذا الوعي ينعكس كذلك في لغة «المزروعي» التي تبدو أحيانا حادة وصادمة، لكنها لا تأتي على سبيل المبالغة، وإنما استجابة فنية لعالم يمتلئ بالعنف والتشظي؛ إذ رأى أن التعبير عن هذا العالم لا يمكن أن يتم دائما بلغة مهادنة أو مهذبة؛ ولذلك تنسجم مفرداته وخياراته التعبيرية مع طبيعة الشخصيات والأزمات التي يرصدها لتصبح اللغة جزءا من الرؤية، وليست مجرد أداة للسرد.
ولفت الدكتور محمد عبيدالله إلى أن «الخطاب» يكثر من توظيف المونولوج الداخلي والاعترافات؛ حيث تبدو الشخصية وكأنها تواجه نفسها في مرآة، فتتشكل داخل النص أصوات متعددة تعود في حقيقتها إلى ذات واحدة تتحاور مع نفسها، وتختلف معها، وتكشف تناقضاتها، كما يتجه إلى تجريب أشكال سردية متنوعة من بينها تقنية «النص داخل النص»، واستثمار المخطوطات والوثائق والرسائل بما يحول القصة إلى رحلة في دهاليز سردية تتوالد فيها الحكايات، وتتعدد مستويات القراءة، كما أن قصص «المزروعي» تزخر أيضا بإحالات ثقافية وأدبية وفنية متنوعة تستدعي أسماء ومراجع وشخصيات من حقول معرفية مختلفة، لا على سبيل التناص التقليدي، وإنما عبر مزج حر يقترب من تقنية «الكولاج»؛ حيث تتجاور العناصر الثقافية داخل النص لتولد دلالات جديدة، واستشهد بقصة «الانحناءة الأخيرة لرقبة مالك الحزين» معتبرا إياها نموذجا لافتا في توظيف الرمز الحيواني لتجسيد أزمة الإنسان؛ إذ تتحول الطيور في هذا النص إلى مرآة تعكس مصير الإنسان حين يغادر الجماعة، وينعزل عن محيطه في بناء قصصي يجمع بين الرؤية الفكرية والحرفية الفنية العالية.
المكان والذاكرة
وختم الدكتور محمد عبيدالله قراءاته النقدية بالوقوف عند تجربة محمد الشحري معربا عن أمله في أن يجدد اهتمامه بالقصة القصيرة إلى جانب الرواية؛ لما تحمله تجربته من خصوصية تستحق مزيدا من الاشتغال، ورأى أن اختياره للقصة التي قرأها في الجلسة يعكس المناخ العام لمجموعته «بذار البوار»، ويكشف عن العالم السردي الذي ينشغل به والمتمثل في ظفار بما تختزنه من خصوصية تاريخية وطبيعية وثقافية وإنسانية، وهي منطقة تمتلك ــ في تقديره ــ من الثراء ما يجعلها قادرة على احتضان أصوات قصصية وروائية متعددة تستعيد ماضيها، وتقرأ حاضرها، وتسهم في استشراف مستقبلها؛ حيث إن قصصه مشبعة بحضور ظفار مكانا وذاكرة وهوية؛ إذ لا يكتفي باستحضار الجغرافيا، وإنما يبني عليها عالما سرديا يستلهم التاريخ والحياة اليومية والوعي الجمعي، فتغدو البيئة جزءا من بنية النص؛ حيث إن الراوي في أعماله يحمل هذا الوعي بالمكان، ويجعل منه مدخلا لطرح أسئلة الإنسان وتحولاته، وهو ما يظهر بوضوح في قصص المجموعة، كما يمتد إلى أعماله الروائية، حيث يمكن تتبع جذور بعض الشخصيات والأفكار التي نمت لاحقا في رواية «اسمه الأسمر»، وأن من أبرز ما يميز هذه التجربة استثمارها للمكونات الثقافية الخاصة بظفار، سواء من خلال توظيف مفردات اللغة الشحرية، أو استدعاء الأسماء المحلية، أو الإفادة من الفنون والألوان الشعرية المتوارثة بما يمنح النصوص خصوصيتها، ويجعلها أكثر التصاقا ببيئتها الثقافية؛ فالشحري يملك قدرة واضحة على التقاط اللهجات والأساليب التعبيرية المحلية، وإدماجها في نسيج السرد دون افتعال بما يعزز صدقية العالم الذي يكتبه، ويجعل من أعماله امتدادا لبيئته الاجتماعية والثقافية.
واختتم الدكتور محمد عبيدالله حديثه بالتأكيد على أن هذه التجربة تحمل الكثير من الوعود معربا عن تطلعه إلى أن تتجاوز في أعمالها المقبلة نبرة الرثاء للماضي، وأن تواصل تطوير مشروعها القصصي انطلاقا من صدق انتمائها إلى المكان، وإيمانها برسالتها الأدبية وما تمتلكه من قدرة على تقديم ظفار إلى القارئ العربي كفضاء سردي ثري ومفتوح على آفاق جديدة.
جلسة حوارية
وبعد القراءة النقدية انتقل الدكتور محمد عبيدالله بالحوار إلى العلاقة بين القصة القصيرة والرواية متسائلا عن اللحظة التي تدفع الكاتب إلى اختيار أحد الجنسين الأدبيين، وما إذا كان ذلك يعود إلى رغبة الكاتب أم إلى طبيعة الفكرة نفسها. وهذا السؤال لا ينطلق من المفاضلة بين القصة والرواية،وإنما من اختلاف الوظيفة والصنعة؛ فبعض الروايات الكبرى بدأت في الأصل بذرة لقصص قصيرة، وهو ما يفتح بابا للتأمل في الحدود المتداخلة بين الشكلين السرديين.
ورأت الدكتورة جوخة الحارثي أن الفصل الحاد بين القصة القصيرة والرواية ينطوي على قدر من الاصطناع مؤكدة أنها لا تضع حدودا مسبقة أثناء الكتابة؛ إذ تفرض الفكرة شكلها الخاص، وقد تبدأ في ذهنها قصة قصيرة قبل أن تنمو تلقائيا إلى رواية أو العكس دون أن يكون ذلك نتيجة تخطيط مسبق أو التزام بنوع أدبي بعينه، وأن ما يحسم الأمر هو طبيعة العمل نفسه لا رغبة الكاتب في كتابة قصة أو رواية.
ومن جانبها استحضرت بشرى خلفان تجربتها مع «ريشة الطاووس» موضحة أن الفكرة التي بدأت في قصة قصيرة وجدت امتدادها لاحقا في رواية «دلشاد» معتبرة أن الكتابة بطبيعتها فعل تحرر من الحدود الجامدة، وأن القواعد يمكن تعلمها، ثم تجاوزها عندما يقتضي العمل ذلك، وأن القصة القصيرة تمثل مساحة لاستعادة التوازن بعد الجهد الطويل الذي تتطلبه الرواية. ووصفت الأخيرة بأنها «شقاء» في مقابل ما تمنحه القصة من مساحة للراحة والتجريب.
أما الخطاب المزروعي فربط كتابة القصة بالقدرة على التقاط التفاصيل اليومية، وإعادة تقديمها بصورة غير مألوفة معتبرا أن القصة القصيرة تكتب الأشياء العادية بطريقة غير عادية، وأنها تمثل لديه وسيلة لمواجهة العالم والتعبير فنيا عن الوقائع التي يعجز الإنسان عن تغييرها في محاولة لمنحها معنى جديدا داخل النص السردي.
من جانبه شبّه محمد الشحري العلاقة بين القصة القصيرة والرواية باختلاف فضاءات السكن موضحا أن لكل منهما اتساعه وإمكاناته الخاصة؛ فالقصة تقوم على التكثيف والتركيز بينما تتيح الرواية فضاء أرحب لتعدد الشخصيات والأصوات وتشعب الأحداث؛ حيث إن طبيعة الفكرة هي التي تحدد شكلها السردي؛ لأن بعض الموضوعات لا تحتمل الامتداد الروائي في حين تتطلب موضوعات أخرى مساحة أوسع من البناء والتطور.
مداخلات الحضور
وشهدت الجلسة مداخلات من الحضور؛ حيث رأى عدد من المشاركين أن الكتابة السردية في عُمان شهدت منذ مطلع الألفية تحولا نوعيا أسهم في توسيع آفاقها موضوعيا وفنيا، وبرزت فيه أسماء استطاعت أن تمنح الرواية والقصة القصيرة حضورا عربيا لافتا مع الدعوة إلى مواصلة الاهتمام بهذا المنجز عبر مشاريع نقدية ودراسات متخصصة تواكب تطوره.
كما تناولت المداخلات أثر البيئة في تشكيل التجربة السردية؛ إذ أكد عدد من المتحدثين أن حضور المكان في أعمال كتّاب عُمان لا يقتصر على الوصف أو توثيق التفاصيل المحلية، وإنما يتحول إلى مدخل لطرح الأسئلة الإنسانية الكبرى، وفي هذا السياق أوضحت بشرى خلفان أن الكاتب لا ينشغل بنقل البيئة لذاتها، وإنما بما تخفيه من أسئلة تتصل بالإنسان؛ فالمكان في العمل الأدبي وسيلة للوصول إلى المعنى الإنساني الأعمق. ومن جانبه رأى محمد الشحري أن البيئة المحلية ما تزال تحتفظ بقدر كبير من الثراء السردي الذي لم يُستثمر بعد كما ينبغي، فما تزخر به من ميثولوجيا وحكايات ومرويات شفهية ولغة خاصة، تمنح الكاتب مادة خصبة لإنتاج نصوص أكثر التصاقا بالمكان فالأدب العُماني ما يزال يملك مساحات واسعة يمكن اكتشافها والكتابة عنها في المستقبل.