أعمدة

الدور العماني بين الحياد وإعادة ترتيب البيت الخليجي

اختارت سلطنة عمان على مرّ تاريخها الحديث مبدأ الحياد، وارتأت في الحوار السبيل الوحيد للوصول إلى حلول للمشاكل بين الدول، ولعبت دورها بكل شفافية، وجدارة، وكانت على مر الوقت محل ثقة الآخرين، ومن خلالها خرجت حمامات السلام لترفرف على براكين التوترات، غير أن هذا الدور لم يرق لبعض الدول، والتي رأت في الحياد العماني انحيازا لطرف دون طرف، أو أنها قرأت هذا الدور على أنه ضعف، ونوع من «اللا موقف» تتخذه سلطنة عمان للهروب من مسؤولياتها القومية، والعربية، والخليجية، في محاولة من البعض لجرّها نحو طرق المواجهة المباشرة ضد أطراف أخرى، أو التخلّي عن حيادها، والاصطفاف خلف (القطيع) دون وعي، ودون إدراك أو حسابات سياسية، لا عاطفية. 

وفي الحرب الحالية بين أمريكا وإيران التي فُرضت على دول مجلس التعاون الخليجي لمصلحة الكيان الصهيوني، تجد هذه الدول نفسها في مواجهة الحقيقة الوجودية التي عليها أن تتعامل معها بمسؤولية أكبر، وعقلية أكثر نضجا، وواقعية، فالولايات المتحدة التي جلبت جيوشها من وراء البحار، في مواجهة الجمهورية الإيرانية الجار الشرس التي ترى في هذه الحرب فرصة لقلب الطاولة على الأمريكان، ولإثبات وجودها، والخروج بأكبر قدر من الغنائم الاقتصادية، والسياسية، ولذلك باتت دول الخليج بين سندان ومطرقة طرفين يلعبان لعبة واحدة، بطريقة مختلفة، كلاهما يريد أن يخرج من هذه الحرب العبثية بأكبر قدر من المكاسب، وللأسف فإن دول الخليج العربية هي الخاسر الأكبر، واللاعب الأساسي الذي يتفرج على هذه اللعبة التي تُلعب داخل أرضه، ولكنه لا يشارك في اللعب!!. 

ولعل أصعب اختبار للحياد العماني، هو ما تعرضت له مؤخرا من خلال استهداف إيران (الدولة الصديقة) للأراضي العمانية، والذي لا يعبّر عن عمق هذه العلاقة بين البلدين، ويتناقض مع التصريحات التي تطلقها إيران، من خلال محاولتها للزجّ بسلطنة عمان في تبنّي سياستها لفرض رسوم عبور على (مضيق هرمز)، وهو ما دعـا وزارة الخارجية العمانية لأول مرة إلى استدعاء السفير الإيراني للاحتجاج، ورغم ذلك فما زالت سلطنة عمان تقف على نفس المسافة من الطرفين المتحاربين، وما زال مبدأ الحياد، والحوار هما السياسة المعلنة التي تنادي بها، دون تردد، وتتمسك بها دون مواربة. 

ورغم ذلك جاءت تصريحات معالي السيد بدر بن حمد وزير الخارجية عن (الحاجة إلى إعادة النظر في البنية الأمنية الخليجية) لتكشف بوضوح عن رؤية عمانية تعتمد على مبدأ الاعتماد على النفس، والعمل كمنظومة خليجية واحدة لترتيبات أمنية مشتركة، تقلل من الاعتماد على الخارج، وتسعى لكي تغلّب الواقعية السياسية، على الخلافات البينية، وبناء الثقة بين دول مجلس التعاون وإيران، والتي تعمّقت على مر السنوات الماضية مدفوعة بالخوف من توسع الثورة الإيرانية، ومعززة بالدفع بهذه الدول إلى شراء السلاح الأمريكي خاصة للوقوف في وجه هذه الفزاعة. 

ورغم هذا السباق للتسلح غير المحدود، لم تتخلَّ هذه الدول عن فكرة تعزيز قدراتها الدفاعية من خلال وجود قواعد أمريكية على أراضيها، تعتبرها إيران تهديدا لسلامة أراضيها، وأمنها القومي، وهي الذريعة التي تتخذها ـ حاليا ـ لضرب المصالح الأمريكية في عمق الأراضي الخليجية، ولذلك جاءت هذه الحرب المفروضة لتكشف سوءة الخلل الذي قامت عليه هذه النظرية. 

وبعد الأحداث الأخيرة، ما زال الدور الحيادي العماني قائما، مع تعزيز هذا الدور بالمطالبة بوجود منظومة أمنية خليجية تكفي دول المجلس شرور الاستعانة بالأمريكان أو غيرهم، والاعتماد على أنفسهم، من خلال الحوار مع الجانب الإيراني، والتعامل بواقعية سياسية، وجغرافية للوصول إلى حل دائم لهذا الصراع المتوهم بين دول الجوار، والذي لا يستفيد منه سوى الكيان الإسرائيلي، ولا يحقق سوى المصالح الأمريكية دون غيرها، ويستنزف ثروات الخليج، ولا يحقق الأمن الاستراتيجي لها على المدى البعيد. 

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني