عُمان الاقتصادي

المعرفة بين الإنسان والسوق

 

سامي محروم / ترجمة - فاخرة الراشدي 

يحقق الذكاء الاصطناعي تحولًا غير مسبوق، إذ ينجح فيما عجزت التقنيات السابقة عن فعله، وهو تحويل المعرفة البشرية الضمنية المكتسبة من الخبرة والممارسة، إلى سلعة قابلة للتسعير والتداول على نطاق أوسع. غير أن هذه التقنية التي تتيح الوصول للقدرات المعرفية قد تحمل آثارًا سلبية على القدرة الذهنية البشرية التي تشكل أساس عمل المجتمعات الحديثة واستقرارها.

وقد توصل عالم النفس الأمريكي جورج ميلر في مقالته الشهيرة The Magical Number Seven, Plus or Minus Two إلى نتيجة أن ذاكرة الإنسان لا تستطيع استيعاب أكثر من سبع معلومات في آن واحد، كما يكشف ميلر أحد القيود الأساسية للعقل البشري، وأن قدرة العقل على معالجة المعلومات على المدى القصير محدود أكثر مما نعتقد.

في الفترة نفسها تقريبًا، توصل الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل هاربرت أي سايمون إلى استنتاج لا يقل أهمية عن سابقه، فقد انطلقت نظريته حول العقلانية المحدودة bounded rationality والتي تنص على أن اتخاذ القرارات لا يأتي وفق النموذج المثالي الذي تفترضه النظرية الاقتصادية التقليدية، كون القدرة المعرفية البشرية مورد محدود بطبيعته، وحين يواجه الإنسان عددًا من المتغيرات التي تفوق استيعابه فإنه لا يبحث عن الخيار الأمثل بالضرورة بل يكتفي بخيار مُرضي ضمن حدود قدراته الذهنية المتاحة. لخص سايمون فكرته بعبارته الشهيرة: « تخلق وفرة المعلومات فقرًا في الانتباه». وفي ثمانينيات القرن الماضي، طور عالم النفس التربوي جون سويلر هذا المنطق من خلال نظريته حول العبء المعرفي cognitive load والتي تنص على أن تجاوز متطلبات المعلومات لحدود الذاكرة، يؤدي إلى تدهور الأداء والإرهاق الذهني.

الرأسمالية المعرفية

على الرغم من تناول ميلر وسايمون وسويلر المشكلة من زوايا مختلفة، إلا أنهم يتفقون في وصف الحالة الأساسية بأنها فجوة تتسع بين تعقيد المجتمعات الحديثة والقدرات المعرفية للأفراد. وقد ناقش كارلو فيرسيلوني في ورقة مهمة عام 2005 بأن القيمة الاقتصادية لا تتمثل في التصنيع وإنما في المعرفة والذكاء الجمعي المتراكم في المجتمع، واستلهامًا من مفهوم ماركس للعقل العام « general intellect» وصف هذا التحول بالرأسمالية المعرفية cognitive capitalism ، حيث تصبح المعرفة المحرك الأساسي للإنتاج والقيمة الاقتصادية.

لم تقتصر أطروحة فيرسيلوني على تصاعد الاقتصاد القائم على المعرفة، بل أنه يرى أيضًا أن الرأسمالية لن تتمكن من السيطرة على أهم عناصر الإدراك البشري مثل المعرفة الضمنية، والقرارات القائمة على العلاقات، والتجربة العملية. فعلى خلاف الآلة، لا يمكن فصل المعرفة فصلًا تامًا عن من يمتلكها! كما لا يمكن اختزالها في إجراءات معيارية متى ما شاءت المؤسسات.

ومن هذا المنظور يؤكد فيرسيلوني على أن الإدراك البشري العنصر الإنتاجي الوحيد غير القابل للتسليع؛ لأنه يظل مرتبطًا ارتباطًا جوهريًا بالإنسان، ولا يمكن تجريده من طبيعته البشرية.

بالطبع آنذاك لم يتوقع فيرسيلوني تطور الذكاء الاصطناعي؛ فقبل ظهور نماذج اللغة الضخمة تجلت محدودية ترميز الإدراك البشري في وفرة المعلومات، والعدد الهائل من المتغيرات التي يجب معالجتها بالإضافة إلى البيانات الضخمة التي يجب تفسيرها، والتعقيد البالغ الذي يصعب التعامل معه. أما اليوم فما كان يُعتبر في السابق جزءًا لا يتجزأ من الفكر البشري بات بالإمكان استخلاصه وتكراره ونشره على نطاق واسع. وبطريقة ما أوجد الذكاء الاصطناعي شكلًا من أشكال الضغط المعرفي أو ما يشبه الملفات المضغوطة؛ حيث تحول المعرفة الضمنية للإنسان التي كانت محصورة فقط في خبرة الأفراد والمؤسسات إلى مورد يمكن تخزينه وتداوله. ونتيجة لذلك نشأ سوق جديد قائم على ما كان يعتقد فيرسيلوني أنه يصعب تسليعه، ألا وهو الإدراك البشري.

سوق الفكر البشري

لطالما سعى الإنسان لاستخلاص المعرفة البشرية وتخزينها في وسائط أخرى عبر مختلف المراحل التاريخية بدءًا من الألواح الطينية، ثم الكتب الطبوعة، فالموسوعات وصولًا إلى محركات البحث، غير أن الكتاب وقواعد البيانات مهما احتوت من معلومات ما هي إلا مستودعات ساكنة. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي فتختلف عن هذه الوسائط؛ حيث إنها قادرة معالجة مهام معرفية بالغة التعقيد دون الحاجة إلى توجيه بشري مستمر.

يقدم علم الإدراك منظورًا تحليليًا يساعد على فهم طبيعة ما تعرضه شركات الذكاء الاصطناعي في السوق بوصفه منتجًا قابلًا للبيع، وفي هذا الإطار تبرز قيمة نموذج الذاكرة العاملة الذي وضعه العالم آلان بادلي، والذي ينص على أن الإدراك البشري ليس عملية واحدة، وإنما منظومة من الوظائف المعرفية المتمايزة، ولكنها مترابطة ومتفاعلة؛ بحيث يسهم كل منها في أداء عمليات ذهنية مختلفة. يحدد نموذج بادلي ثلاث طبقات رئيسية للوظائف المعرفية تتمثل في القدرة على حفظ المعلومات اللفظية ومعالجتها، وهي التي تُمكّن الإنسان من قراءة جملة، والاحتفاظ بها في الذاكرة والبناء عليها. وتتمثل الطبقة الثانية في القدرة على دمج المعلومات من مصادر متعددة وصياغتها في إطار يمنحها معنىً واحد. أما الطبقة الثالثة فأطلق عليها بادلي النظام التنفيذي المركزي (central executive)، وهو الجزء المسؤول عن تحديد الأهداف، وتوجيه الانتباه، والاستجابة للمواقف الجديدة، وتحديد ما هو مهم ولماذا.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على استنساخ الطبقتين الأوليتين، أي معالجة المعلومات وتجميعها معتمدًا على قدرته على استيعاب وتحليل بيانات ضخمة دون مساعدة الذاكرة البشرية، وبتكلفة أقل بكثير مما قد تتحمله المؤسسات لتوظيف المحللين وخبراء التخطيط الاستراتيجي. إلا أن الوظائف المعرفية بالدرجة الأولى لا تزال بعيدة عن هذا الاستنساخ؛ إذ يعجز الذكاء الاصطناعي حتى الآن عن تحديد الأولويات، أو إطلاق الحكم الصحيح، أو التصرف باحترافية في حالات الشك التي قد تنتاب الإنسان.

تكمن العرقلة الحقيقية في ما هو أبعد من أتمتة المهام الروتينية في اتساع نطاق تسليع العمل المعرفي؛ فكلما انحصرت قدرة العامل في معالجة المعلومات وتركيبها ازدادت قابلية استبداله بأنظمة الذكاء الاصطناعي. بينما يتمتع العاملين في أدوار الإشراف وتوجيه العمليات التي تتطلب أحكام تقديرية بحصانة أكبر من سابقهم اتجاه هذا التحول، وإن كانت هذه الحصانة غير مضمونة مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي.

لا يتمثل التهديد الأكبر في إحلال الذكاء الاصطناعي محل القوى العاملة بقدر ما يتمثل في تقادم نماذج الأعمال التي تبيع العمل المعرفي؛ حيث يُعيد تشكيل الذكاء الاصطناعي السوق المعرفي، إذ ينتقل الأفراد والمؤسسات من موقع المستهلكين إلى موقع منتجي الخدمة المعرفية ومورديها؛ ونتيجة لذلك يصبح في مقدور الباحث المستقل أن يضاعف إنتاجيته من خلال تحويل خبرته التحليلية إلى خدمة أو منتج مُعزَز بالذكاء الاصطناعي، ويقدم خدماته لعدة عملاء دون زيادة ساعات عمله، وتستطيع شركة استشارية صغيرة أن تستثمر في أدوات الذكاء الاصطناعي، لتوسيع نطاق عملياتها، ومنافسة شركات كبرى.

اقتصاد المعرفة الجديد

تبلور مفهوم الاقتصاد المعرفي في مرحلة كانت تُقدّر فيها الخبرة، وتعد ميزة تنافسية، ولم يضع في الحسبان عالمًا تصبح فيه القدرة المعرفية بمثابة بنية تحتية يمكن البناء عليها واستثمارها. ويشير هذا التحول إلى ظهور شكل جديد من المشاركة الاقتصادية لا يعترف بالأداء المعرفي بقدر اعترافه بالتحكم في الأنظمة التي تحوله إلى منتج قابل للتوزيع.

لا يمكن النظر إلى سوق المعرفة بوصفها كيانًا واحدًا؛ إذ إنها تنقسم إلى مستويين تحكم كلا منهما آليات ومنطق مختلفان، بل متعارضان أحيانًا. فالمستوى الأول الذي يضم الوظائف المعرفية الأساسية التي تناولها بادلي في نموذجه بدأت تظهر فيه ملامح نظام كما وصفه فيرسيلوني الرفاهية المشتركة (commonfare) والذي لم يظهر نتيجة تدخلات سياسية، بل نتيجةً للتحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد المعرفي؛ حيث نشأ مفهوم الرفاهية المشتركة من خلال سلسلة من الأعمال البحثية التعاونية في العقد الثاني من الألفية، ويستند إلى فكرة أن القيمة المعرفية ليست نتاجًا فرديًا، بل هي نتاج جماعي مبني على رصيد معرفي مشترك ومتراكم عبر مرور الزمن، وبناءً على هذه الفرضية ينبغي أن تُدار الأنظمة التي تنتج هذه القيمة المعرفية، وتقوم بتوزيعها باعتبارها خيرا عاما، وليست ملكية خاصة قابلة للاحتكار الفردي.

تنتج الأسواق اليوم أنظمة مبنية على هذا المفهوم؛ فبمجرد تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي تصبح تكلفة إضافة المستخدمين منخفضة نسبيًا ما يحفز الشركات على التوسع السريع؛ إذ يمكن لباحث في نيروبي أن يؤدي مهام تحليلية عديدة مثل التي يؤديها شريك في شركة (McKinsey).تكمن المفارقة في أن التقنية التي وسعت نطاق الوصول إلى الخبرة أسهمت في الوقت ذاته في تقويض الندرة التي استندت إليها القيمة المهنية لكثير من المتخصصين؛ حيث استخدمت المعرفة الضمنية التي راكمها ملايين المحللين والباحثين والمستشارين -والتي اعتبرها فيرسيلوني أنها عصية على الانفصال عن الحكم البشري والتجربة-، وأصبحت هي المادة الخام التي دُربت عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، ويستحوذ عليها عدد قليل من الشركات.

لم تقتصر الرأسمالية على تسليع القدرات المعرفية البشرية، بل استحوذت عليها تمامًا كاستحواذها على الأراضي المشتركة في الماضي؛ حيث سحبت ملكيتها من أولئك الذين أسهموا في زيادة قيمتها. وتتجلى هذه الدينامكية بوضوح في المستوى التخصصي من سوق القدرات المعرفية حيث تُدرَّب أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة أنواع دقيقة من الخبرة المهنية مثل قدرة طبيب الأورام على تمييز الأنماط النادرة للأمراض، أو الحدس الاستراتيجي لمحلل الجيوسياسي، أو الحس التقديري بالمخاطر لدى محامي صفقات الاندماج والاستحواذ للشركات.

تُستخرج هذه القدرات المكتسبة على مدى سنوات طويلة من التكوين المهني بشكل منهجي، ثم تُحوَّل إلى منتجات ذكاء اصطناعي تجارية، كنماذج التحليل المالي لشركة بلومبيرغ، ومنصة الخدمات القانونية لشركة هارفي. تُعد هذه الأنظمة مملوكة لشركات خاصة. ومع توسع السوق المعرفي يتأثر العاملون في المستويات المتوسطة مثل المحللين والباحثين؛ حيث إن الذكاء الاصطناعي قد تمكن من أداء أغلب مهامهم بتكلفة أقل. في المقابل يمكن لأصحاب الخبرات المعرفية الأكبر تحويل هذه المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وتوزيعها على نطاق أكبر.

سلعة نادرة

سواء اتفق المرء مع طرح فيرسيلوني أم لا، فإنه يطرح سؤالا جوهريا، إذا كانت المعرفة المستخدمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي تُنتج بشكل جماعي، فمن له الحق في العوائد؟

في ورقة بحثية حديثة، يناقش الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، دارون أسيموغلو، وزملاؤه، بأن تفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي المستمر على أداء البشر العاديين، تتلاشى حوافز تطوير الخبرات والحفاظ عليها، ففي النهاية لمَ قد يقضي المرء سنوات في تطوير قدرات تحليلية بينما يمكنه استئجارها عند الحاجة! والنتيجة هي ما يسميه المؤلفون «انهيار المعرفة» Knowledge Collapse فكلما ازدادت فاعلية الذكاء الاصطناعي في معالجة المعلومات، قلّ حافز المؤسسات والأفراد للحفاظ على المادة الأساسية (المعرفة). كما يرى مؤلفو الورقة أن القدرة التحليلية معرضة للضمور نتيجة لنجاح الذكاء الاصطناعي إلى حد جعل المجتمع لا يشعر بحاجة لتنمية هذا الجانب.

لا يعد هذا المسار حتميا، إذا ما التزمت المؤسسات بثلاثة مبادئ أساسية، أولها تبني الذكاء الاصطناعي تدريجيا بالتوازي مع تنمية القدرات الداخلية لمراجعة هذه الأنظمة الذكية والإشراف عليها وتقييمها. ويتمثل المبدأ الثاني في تعزيز صنع القرار المؤسسي، فمع أن الذكاء الاصطناعي يستطيع التعامل مع مهام مثل: القراءة وتجميع المعلومات والتعرف على الأنماط، إلا أن للتفكير الاستراتيجي والاستدلال قدرات لا يمكن الاستغناء عنها، وإنما يجب على المؤسسات الحفاظ عليها وتنميتها بدلا من نقلها إلى الآلات تدريجيا. وتُعد المراقبة والإشراف المبدأ الثالث الذي يجب على المؤسسات الاستثمار فيه، فالقدرة على التساؤل والتحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي وتفسيرها، مهارة معرفية بحد ذاتها، ولن تستطيع المؤسسة إدارة شؤونها ما لم تميز التحليل الجيد من السيئ.

ما الذي أصاب فيه ماركس؟

في دفاتره غير المكتملة من خمسينيات القرن التاسع عشر، والمعروفة باسم «غروندريسه» Grundrisse، تنبأ كارل ماركس بأن المعرفة البشرية الجمعية ستصبح القوة الإنتاجية المركزية في الاقتصادات الرأسمالية، لكن ما لم يتوقعه هو تسليع هذه المعرفة وبيعها وفق اشتراكات مدفوعة، ثم تُعاد إلى المؤسسات الغارقة في كمّ هائل من المعلومات يفوق قدرتها على معالجته، وبهذا المعنى، أصبح الفائض المعرفي الذي تعجز المؤسسات عن استثماره هو السلعة الجديدة التي يقوم عليها هذا السوق.

لا يُعيد هذا الواقع الاقتصادي تشكيل طريقة عمل المؤسسات فحسب، بل يحدد أيضا أيا من أشكال العمل المعرفي ذا قيمة، وأي نوع من الخبرات هي الأندر، ومن يحق له المشاركة في السوق كمنتِج. فحين تصبح الأعمال المعرفية متاحة للجميع بتكلفة زهيدة، فإن ما يبقى نادرا هو ما لم يمكن استنساخه، كالقدرة على طرح سؤال جديد لم يفكر به أحد، أو رؤية ما غفل الآخرون عن رؤيته، ومعرفة ما يجب فعله أمام حادث أو نموذج لا يوجد له سابق.

ويُشير أسيموغلو وزملاؤه بأن الخطر الحقيقي يكمن في أن المؤسسات لا تدرك خسارتها إلا بعد فوات الأوان، وكلما زاد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأعمال التحليلية، تتلاشى القدرات البشرية المميزة التي وصفها نموذج بادلي للذاكرة. وبمرور الوقت قد نفقد القدرة على تحليل التعقيد. ومع ذلك، تُعد هذه القدرات أكثر قيمة من أي وقت مضى، ففي حقبة اقتصادية يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي تحويل المعرفة إلى منتج واستنساخه وتوزيعه بتكلفة هامشية، قد تصبح القدرة على التفكير المستقل هي السلعة النادرة.

سامي محروم مؤسس «سبارك إكس»، شغل سابقا مناصب في INSEAD، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومؤسسة نيستا.

خدمة بروجيت سنديكيت