هل نجح ماركس في تغيير العالم؟
الأربعاء / 29 / محرم / 1448 هـ - 12:39 - الأربعاء 15 يوليو 2026 12:39
علي بن سليمان الرواحي
في كتابه المعنون «كيفية تغيير العالم: تأملات عن ماركس والماركسية» الصادر عام 2010م، يأخذنا المؤرخ الماركسي الإنجليزي إريك هوبزباوم (1917-2012م) عبر فصول هذا العمل - كما اعتدنا منه عبر كل أعماله – في رحلات تاريخية، وأحداث شخصية، ومواقف عالمية، يسعى من خلالها لفحص المقولة الماركسية الشهيرة التي تقول إن «الفلاسفة لم يفعلوا شيئاً غير تفسير العالم، ولكن المهمة تكمن في تغييره» والتي وردت في أطروحته عن فيورباخ التي كتبها عام 1845م، ونشرها إنجلز بعد ذلك عام 1888م، لتصبح هذه المقولة من أكثر المقولات الماركسية انتشارًا في العالم، والتي نجدها في شعارات الأحزاب السياسية ومداخل الجامعات والحركات السياسية، والكثير من الكتب والمؤلفات المختلفة.
ولكن من الضروري في البداية القول إن لهذه المقولة سياقها الخاص الذي يجعل العودة إليه ضروريًا. ففي العنوان الفرعي لهذا المؤلف الصغير الذي لا يصل إلى 50 صفحة، والذي نُشر لاحقًا في «الإيديولوجيا الألمانية» يشير إلى «نهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية» المتمثلة في هيجل وتراثه الذي سيطر على ألمانيا في تلك الفترة، عن طريق مجمل أعماله المختلفة، والمتلخصة في مقولته الشهيرة: «كل ما هو واقعي معقول، وكل ما هو معقول واقعي»، والتي بحسب ماركس في هذا العمل كانت «بركة فلسفية للاستبداد والدولة البوليسية»، حيث إن هذه الدولة، والمقصود بها الدولة البروسية في تلك الفترة، كانت «معقولة وتناسب العقل» بكل تشريعاتها وإجراءاتها المختلفة.
لكن المسألة لا تكمن في هيجل وحده، بل في التأويلات التي جاءت بعده لاحقًا، ومن أهمها حركة الهيغليين الشباب الذين «انتقدوا كل الأشياء باستبدالها بتصورات دينية أو التسليم بأنها مادة لاهوتية»، وهي بهذا المعنى «تقتصر فقط على المطالبة بتفسير ما هو موجود بطريقة مختلفة، الأمر الذي يعني القبول به بواسطة تأويل مختلف». وهذا يشير بحسب ماركس إلى أنه بالرغم من النبرة الناقدة التي يتسمون بها، إلا أنهم من «أشد المحافظين صلابة»، وهم بذلك يستبدلون «عبارات طنانة بأخرى»، في حين أن المطلوب لا يقتصر على الإتيان بتأويلات جديدة للعالم، فيما تبقى الأفكار والتصورات كما هي، ذلك أن هناك علاقة وثيقة أو رابطة تجمع بين «الفلسفة الألمانية والواقع الألماني» وهي التي تحتاج لنقد جذري ضروري، كما ذهب ماركس وإنجلز في الكثير من أعمالهما.
لم يقتصر النقد على هذه الجزئيات، بل كان أعمق من ذلك، حيث كان النقد الأشد من الشباب الذين انقلبوا عليه يتمثل في التصورات المثالية والصوفية التي جاء بها، ومن أبرزها التصورات الدينية السائدة آنذاك، وضرورة النزول من عالم المثُل إلى العالم الواقعي الأرضي.
1) من العقل إلى الفعل: الخطوة الأولى
لم يكن ماركس الوحيد في هذا التيار، بل كان ضمن مجموعة مفكرين وفلاسفة تركوا أثرهم على الفكر الديني والفلسفي الألماني والعالمي على حدٍ سواء. ومن أهمهم: شليرماخر (1768-1834م) صاحب كتاب «عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين» 1821م، وشتراوس (1808-1870م)، صاحب كتاب «حياة يسوع» 1864م، والذي يتطرق فيه لموضوعات نقدية تاريخية حول الكثير من الروايات في حياة يسوع، وماكس شترنر (1806-1856م)، وفيورباخ (1872-1804) صاحب الكثير من الأعمال وأهمها: «جوهر المسيحية» 1840م.
بالرغم من الاختلاف الكبير بين هذه الأسماء والجهود والأعمال، إلا أن ما يجمع بينها هو الانتقال من المثالية إلى الواقعية، ومن التوافق إلى التعارض والاختلاف التي كانت السمة الأساسية في فلسفة هيجل. حيث سيطر جزء كبير من هذا النقد على وضع الوعي ضمن الشروط البشرية المادية التي لا تجعل المرء منقسمًا بين تصوراته وحياته المادية التي يعيشها، الأمر الذي يجعله يشعر بالاغتراب أمام هذا العالم، لذلك من الضروري بحسب هذا التيار الذي وصل إلى مراحل نضجه الكبيرة في أعمال كارل ماركس، التي سعت على اتساعها لتشخيص الواقع، وربطه بالجانب الثقافي والفكري للإنسان، الذي يجعله منفصلًا عن واقعه المزري، والسكوني.
كان فيورباخ يعُد صلة الوصل المتينة بين لحظات التحول الفكري الممتدة من هيجل إلى ماركس، حيث كان تأثيره في تلك الفترة عميقا لدرجة أن إنجلز كان يرى جيله بأنهم «فيورباخيين»، وكان ماركس يطلق عليه «قناة النار» في إشارة إلى اسمه بالألماني الذي ينقسم لقسمين: Feuer-Bach، وهي تعني في هذا السياق الخروج من القفص الذهبي المثالي الذي أنشأه هيجل، والذي وضع فيه الفعل البشري في حالة من التصوف الديني الذي ينظر لكل شيء واقعي على انه معقول.
2) التغيير ما قبل السياسي:
بعيدا عن الجانب السياسي الذي تطرق إليه هوبزباوم وغيره الكثير، وهو الجانب الظاهر في الحركة السياسية العالمية، وامتدادا لهذا التيار النقدي الذي وصل للجذور الدينية في تصورات وأفكار تلك المرحلة، نجد أن «الديالكتيك عند هيجل يقف على رأسه، فينبغي أن يوقفه المرء على قدميه ليكتشف النواة العقلانية داخل القشرة الصوفية» كما هي العبارة الشهيرة التي وردت على لسان ماركس في مقدمة الطبعة الألمانية الثانية لكتاب رأس المال.
علاوة على ذلك، كان النقد الجذري العميق الذي قام به ماركس تجاه أفكار فيورباخ بمثابة تأسيس عميق للنقد الداخلي الذي يسبق التغيير السياسي، والذي يجعل النقد هو الأساس في التغيير؛ حيث يذهب ماركس في هذا الصدد إلى أن «إنتاج الأفكار والتصورات والوعي مرتبطة بشكل وثيق بالنشاط المادي والتعامل المادي بين البشر»، فمن غير المعقول في المرحلة الأولى فصل نقد التصورات التي تُنتج الوعي الزائف الذي لا يأخذ بالحسبان الطبيعة المادية والحسية للإنسان والطبيعة على حد سواء.
بهذا المعنى، لا ينُظر للوعي على أنه وعي روحي، ميتافيزيقي، بل في المقام الأول وعي حسي، ومادي، طبيعي، ومباشر، له علاقة وثيقة بالتصورات ليس عن الإنسان وواقعه فقط، بل عن التاريخ، وآليات اشتغاله العميقة، التي في الكثير من الأحيان تبقى مسألة غير واضحة، ولا يتم مساءلتها. الأمر الذي يجعل الإنسان عاجزا، أمام القوى المختلفة بما فيها الطبيعية والبشرية في نفس الوقت. وهو ما جعل مشاعر الاغتراب تتزايد حدتها، ليس أمام العمل وأصحاب الأموال فقط، بل أمام القوى الطبيعية غير العقلانية التي لا يمكن فهم دوافها، وغاياتها.
كان نقد التصورات والأفكار بهذه المنهجية المركبة، شرطا أساسيا لما سيأتي بعد ذلك من تحولات سياسية واقتصادية في تفكير ماركس والتي تجلت بمنهجية علمية، صارمة في رأس المال عام 1867م، وذلك بعد مرور ما يقارب 22 عاما خاض فيها سجالات كبيرة، وأصدر أعمالا مختلفة، من بينها: بؤس الفلسفة في عام 1847م، والذي يندرج في بدايات نقده للمثالية وصياغة تصوره عن المادية التاريخية؛ حيث أشار برودون في مؤلفه «فلسفة البؤس» في عام 1846م، إلى أن المقولات والبنى الاقتصادية جوهرانية، وثابتة، ولا تتأثر بالتغيرات البشرية، لذلك كان من المفترض بحسب رؤية صديقه الحميم السابق برودون «أن تتحسن شروط الرأسمالية مثل المنافسة وإنتاج السلع، وتقليص الجوانب السيئة فيها مثل: الاحتكار والاستغلال، في حين كان الرد الماركسي إلى أنها عبارة عن علاقات اجتماعية مؤقتة يؤسسها أصحاب رؤوس الأموال، ومالكي السلطة، وبأن الرأسمالية لا يمكن إصلاحها، بل أن هذه الجوانب السيئة جزء جوهري فيها، ولا يمكن أن تقوم بدونها.
لم يكتف ماركس بهذا العمل، بل صاغ بعد ذلك بعام واحد «البيان الشيوعي» عام 1848م، والذي لخص فيها بكثافة شعرية وأدبية عالية رفيعة المستوى المهام القادمة التي على الطبقات العاملة القيام بها في سبيل إسقاط الطبقة البرجوازية التي تستغل هذه الطبقات الكادحة، وتحتكر الصناعات، وتؤسس لتشريعات تحمي مصالحها، وتسن قوانين جائرة وظالمة.
أخيرا، لم تكن المقولة الماركسية حول الدور المركزي المنوط بالفلاسفة تتلخص في الجانب الحركي والنضالي فقط، بل كانت -وهذا هو الجانب التأسيسي والضروري- تتركز حول المعتقدات والتصورات الفردية والجماعية على حد سواء. فبدون هذا النقد الجذري لها، لا يمكن أن تتغير الأوضاع القائمة، وهي المهمة التي قام بها ماركس طوال حياته، وبأدواته المختلفة، بكل براعة وبشكل استثنائي. الأمر الذي يعني بأن التغيير لا يقتصر فقط على البنى التحتية بالرغم من أهميتها، بل من الضروري أن تقوم على نقد جذري لما يصنع وعي الفرد، وما يؤسس تفكيره، وانعكاسات ذلك على طرق حياته المختلفة، بما فيها علاقاته الأسرية، والوظيفية، والسياسية، والاجتماعية وغيرها من العلاقات التي لا تقتصر على الجانب البشري بل تمتد إلى الطبيعة وعلاقتنا بها، وكيفية تعاملنا معها.
علي بن سليمان الرواحي باحث ومترجم في القضايا الفلسفية المعاصرة