من يحكم مضيق هرمز؟
الثلاثاء / 28 / محرم / 1448 هـ - 22:12 - الثلاثاء 14 يوليو 2026 22:12
من يحكم مضيق هرمز؟ يبدو هذا السؤال غريبا للوهلة الأولى فالمضيق لا يبحث عن حاكم جديد، لكنه اليوم يقف في قلب معركة من نوع آخر، معركة من يملك حق وضع القواعد في أهم ممر بحري في العالم؟
وجاء البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية أمس من وسط هذا الاشتباك الذي يرخي أسئلته على العالم أجمع. تحدث البيان عن «المناقشات والأطروحات المتصلة بالملاحة»، ثم أعاد المسألة كلها إلى مرجعيتها، فحرية الملاحة لا تخرج عن قواعد القانون الدولي. بهذه الصياغة الهادئة والمتزنة وضعت عُمان حدا واضحا بين القدرة على فرض واقع مؤقت وبين شرعية حكم المضيق. قد تستطيع قوة ما إغلاقه لساعات أو أيام وقد تستطيع قوة أخرى فتح ممر تحت حماية الأساطيل، لكن أيا منهما لا يكتسب من ذلك حقا دائما في تقرير مصير طريق بحري تعتمد عليه دول المنطقة والعالم.
وهذه هي عقدة اللحظة الحالية في مضيق هرمز. ثمة ميل متزايد إلى تحويل السيطرة الميدانية إلى حق سياسي، فمن يملك القوة العسكرية يريد أن تكون له الكلمة في العبور، ومن يملك الأسطول يريد أن يحدد شكل الحماية وثمنها، وفي الحالتين تنتقل الملاحة من كونها حقا تنظمه قواعد معلومة إلى امتياز تمنحه قوة.
وليس صحيحا أن ثمة فراغا قانونيا في مضيق هرمز، فللدول المشاطئة للمضيق سيادتها وحقوقها ومسؤولياتها وللسفن حق المرور وفق القواعد الدولية. هذا التوازن صعب خاصة في اللحظة الحالية لكنه أكثر أمانا من أي صيغة تقوم على الغلبة كما تدفع إليه حسابات القوة في هذه اللحظة.
لم يبنَ نظام حركة السفن في مضيق هرمز تاريخيا بقرار منفرد تحت إكراه قوة بعيدة، جاء الأمر عبر تعاون عُماني إيراني داخل المنظمة البحرية الدولية. وحين كانت الجغرافيا تُدار بهذه الروح من التعاون والتفاهم أمكن الجمع بين حقوق الدول المشاطئة وحاجة العالم إلى ممر آمن. هذا هو النموذج الذي يستحق أن يستعاد في هذه اللحظة الحرجة التي تحيط بالمضيق وبالمنطقة بأسرها.
لهذا تبدو عبارة «الواجبات» التي تحدث عنها بيان سلطنة عُمان شديدة الدلالة، فعُمان دولة مطلة على المضيق وصاحبة مصلحة مباشرة في أمنه ومع ذلك لا تتحدث عن امتياز يمنحه الموقع وإنما تؤكد بشكل واضح على التزام يفرضه. هذه الرؤية التي اختارتها سلطنة عُمان من اتساع دائرة الاستقطاب حول المضيق تؤكد فكرة السيادة حينما ترتبط بالمسؤولية، مسؤولية حماية الممر والتحذير من المخاطر المحيطة به والعمل لمنع الجغرافيا من أن تصبح سلاحا في يد أي طرف. والحياد الذي يشير إليه البيان بوضوح يعني أن عُمان لا تنخرط في مشروع هيمنة على المضيق وأنها تطبق قاعدة واحدة على الجميع رغم أنها تقدم الكثير من الخدمات المجانية طوال العقود الماضية للسفن التي تعبر من المضيق.
يتجاوز الخطر الذي يحلق فوق المضيق خطر السفن وأسعار النفط، فالخليج يعيش فوق طبقات متراكمة من الصراع: مواجهة أمريكية إيرانية في طريقها للاتساع مرة أخرى وجبهة مشتعلة بين إسرائيل ولبنان، وعودة لاشتعال الجبهة اليمنية بشكل مخيف وتهديدات تصل آثارها إلى دول لم تختر الحرب.. مشهد محتدم جدا وأي انهيار طويل للملاحة في هرمز سيضيف إلى هذه الصراعات أزمة غذاء وطاقة وسلاسل إمداد وتأمين، وسيضع دول الخليج أمام استنزاف أمني واقتصادي لا تستطيع الأساطيل وحدها إنهاءه.
لذلك يعود السؤال الملح: من يحكم مضيق هرمز؟ لا ينبغي أن تكون إجابة هذا السؤال اسم دولة أو قوة عسكرية، الجواب الآمن هو نظام من القواعد يلزم الجميع ويمنع أي طرف من امتلاك حق الإغلاق أو فرض رسوم المرور أو احتكار الحماية. وهذا هو المعنى الأعمق للبيان الذي أصدرته سلطنة عُمان أمس؛ ففي أكثر لحظات الخليج خطورة لا تبحث عُمان عن موقع بين القوتين المتصارعتين وإنما تحاول إعادة الجميع إلى مرجعية أعلى من القوة، فالمضيق الذي تضيق فيه الجغرافيا إلى هذا الحد يحتاج إلى قانون يتسع للجميع.