أفكار وآراء

هل نعيش حقًّا عصر البلطجة ؟!

على المستوى المعرفي والثقافي سبق وصف عصرنا بأنه عصر «ما بعد الحداثة»، وهو يوصف الآن بأنه عصر الذكاء الاصطناعي. ولكن على مستوى الحياة والعالم المعيش، يوصف عصرنا هذا الذي نعيش فيه بأوصاف عديدة أخرى لعل أهمها أنه عصر التفاهة؛ إذ يحكم هذا العصر ما يسميه الفيلسوف آلان دونو «نظام التفاهة» باعتباره نظامًا اجتماعيًّا ومؤسسيًّا يتبدى في كل شيء في حياتنا: نظامًا يتبنى طرائق بيروقراطية في الإدارة، ولا يعتد بالإبداع، ويهمش المبدعين بينما يروِّج لأنصاف الموهوبين.

ويتوافق هذا مع ما يراه الأديب المصري السيد حافظ في سردياته غير المنشورة بعد، والذي يمكن إجمال رؤيته بالقول بأن التفاهة غدت هي المشروع الكوني الجديد، لأن العالم لم يعد يحتفي بالفكرة، بل بالصورة، ولم يعد يقدّس الوعي، بل يصفّق للسطحية. ولذلك سيختفي الأدب كما عرفناه، وسيغدو الإبداع في المسرح والسينما ومضة خاطفة لا تستغرق سوى دقائق؛ إذ إنه لا مجال للصبر على التأمل العميق.

وعلى هذا فإننا، ندخل عصرًا لا يخجل من تفاهته، بل يرفعها رايةً ويتباهى بها، ويصبح عالمنا منقسمًا بين عقل يفكر، وضجيج يبتلع التفكير أو يُسلِمه إلى ذكاء الآلة، متخليًّا عما منحه الله للإنسان من القدرة على التفكير، والشك، والخيال والإبداع. هذا وصف حقيقي بالغ العمق، ولا يمكن إنكاره باعتباره طابعًا مميزًا لعصرنا.

ولكننا بوسعنا أن نضيف إليه وصفًا آخر أشد فجاجة، وأبعد تأثيرًا؛ لأنه لا يتعلق بالجانب المعرفي والثقافي بقدر ما يتعلق بالسلوك الذي يؤثر تأثيرًا عمليًّا مباشرًا في حياة الناس، وهو يتمثل فيما يمكن تسميته: «طابع البلطجة». فهل يمكن القول بأننا نعيش حقًّا عصر البلطجة التي أصبحت منهجًا أو مسلكًا شائعًا في واقع عالمنا، بدءًا من السياسة، وحتى الرياضة؟! هذا ما سأحاول الكشف عنه في السطور التالية، من خلال بيان تجليات ظاهرة البلطجة في أكثر صورها تأثيرًا في حياة الناس (وهي السياسة) إلى أدنى صورها تأثيرًا (وذلك من قبيل: الرياضة، وما شابهها).

البلطجة لها معنى واحد مهما تعددت صورها، وهو: سعي إرادة الأنا إلى السيطرة بالقوة على إرادة الآخر، وهذا هو تعريفي للبلطجة، مع الوضع في الاعتبار أن مدلوليَّ الأنا والآخر يتمثلان في الفرد أو الجماعة أو الدولة. تتبدى هذه البلطجة في الممارسات السياسية التي تجرى في عالمنا الآن؛ فلا شك أن البلطجة السياسية أصبحت أمرًا واقعًا في عالمنا الراهن، ولقد سبق أن بينت ذلك في غير مقال بهذه الجريدة الرصينة.

ويكفي هنا أن نذكر أنفسنا بمواقف وأفعال وتصريحات المعسكر الصهيوني الأمريكي بزعامة ترامب وعون من نتنياهو: يكفي أن نتذكر اختطاف ترامب لرئيس دولة فنزويلا وسجنه في أمريكا؛ وكل ذلك بسبب الرغبة في الهيمنة على فنزويلا ونهب مخزونها النفطي الهائل؛ وأن نتذكر سعى ترامب الدائم لفرض إرادته أو رغباته الخاصة على معظم دول العالم (بما في ذلك الدول الأوروبية نفسها، التي هي الحليف التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية)، وما لا ينصاع منها يصبح مهددًا بفرض عقوبات ما من قبيل: فرض الضرائب وغيرها.

ويكفي أن نتذكر الضربة الأمريكية الصهيونية المباغتة لإيران، بهدف إخضاعها لكي يكون الكيان الصهيوني هو القوة المهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أدى في النهاية إلى إشعال المنطقة كلها لمصلحة هذا الكيان.

ومن الطبيعي أن يتبنى نتنياهو السياسة نفسها التي يتبناها ترامب؛ ولذلك فإنه يسعى على الدوام إلى فرض سياسته في الهيمنة والسيطرة على المنطقة من خلال التوسع بالقوة العسكرية. بل إنه لم يتورع عن التصريح بلغة عدوانية فجة بأن حُلمه هو تحقيق النبوءة التوراتية بأن تمتد حدود دولة إسرائيل من النهر إلى البحر (أي أن تبتلع إسرائيل معظم الشرق الأوسط)! بل إن بعضًا من قادة إسرائيل راحوا يبررون البلطجة التي تمارسها دولتهم بقوة السلاح في إبادة الشعب الفلسطيني، بوصفهم للفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية تستحق الإبادة! وهذا ما فعلته البلطجة السياسة في أبشع صورها على الأرض.

والواقع أن هذه البلطجة السياسية قد امتد تأثيرها ليشمل كل مجالات عالمنا الراهن، وعلى رأسها ما يتعلق بالأمور الاقتصادية والتجارية. غير أنني أود هنا الكشف عن تأثير ذلك كله حتى على مجال الرياضة، وربما يكون ذلك مناسبًا، نظرًا لما جرى مؤخرًا في بطولة كأس العالم الراهنة؛ حيث جرت أحداثًا ووقائعَ عديدة تكشف لنا بما لا يدعو للشك أن سياسة البلطجة الأمريكية أصبحت تمتد حتى إلى مجال الرياضة.

ومن ذلك- على سبيل المثال- تدخل ترامب شخصيًّا في نتائج تحكيم مباراة أمريكا مع بلجيكا؛ إذ اتصل بإنفانتينو رئيس الفيفا لكي يقوم بتعديل قرار الحكم بطرد أحد لاعبي الفريق الأمريكي، وهو ما يترتب عليه إيقافه نظرًا لطرده في مباراة سابقة، وقد كان له ما أراد! بل إن كلاهما لم يخجل من التصريح بهذا الاتصال، حتى إن ترامب نفسه قد صرح بأن إنفانتينو بإلغاء قرار الإيقاف قد اتخذ بذلك القرار الصائب!!

وهذا ما أثار موجة عارمة من الغضب الشعبي لدى كثير من الجماهير والكثير من الخبراء والنقاد في مجال كرة القدم، وكانت هناك مطالبات باستقالة رئيس الفيفا. وقد رأينا أيضًا تأثير السياسة على مواقف الفيفا وقرارات الحكم في مباراة مصر مع الأرجنتين: لم يُخف إنفانتينو إحباطه طيلة المباراة من انتصار الفريق المصري والتصدي لضربة الجزاء التي سددها ميسي؛ وتعمد الحكم عدم احتساب ضربة جزاء للفريق المصري فضلًا عن هدف صحيح من دون رجوع لتقنية البار.

الانحياز للكيان الصهيوني هنا لا مراء فيه: لا فحسب من جانب إنفانتينو والحكم أو ميسي المعروف بدعمه وولائه لهذا الكيان، وإنما أيضًا من خلال دولة إسرائيل نفسها.

وإذا وضعنا هذا جنبًا إلى جنب مع الرأسمالية الجشعة التي أصبحت مهيمنة حتى على الرياضة من خلال المراهنات والشركات الداعمة، وما إلى ذلك- عندئذ سوف تصبح الصورة مكتملة. وحينما نتعرف على الداء وموطنه، فإننا عندئذ نصبح قادرين على مواجهته.

د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة