أفكار وآراء

عندما تصبح الشاشة أكبر من الجغرافيا

قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم أزرها حتى الآن، رغم اقترابي من زيارتها مرتين، وحالت ظروف طارئة دون إتمام الزيارة في المرتين.

كانت المرة الأولى عندما كنت في طريقي إلى مدريد على متن الخطوط الجوية القطرية. وعند وصولنا إلى مطار الدوحة، أُبلغنا بأن الطائرة المتجهة إلى مدريد قد أقلعت، وأن علينا قضاء الليلة في أحد فنادق المدينة حتى موعد الرحلة التالية. لكنني اخترت، لسوء الحظ، البقاء في المطار، فضاعت فرصة التعرف إلى الدوحة، ولو لساعات قليلة.

أما المرة الثانية فكانت في مطلع عام 2020، عندما تلقيت دعوة من جامعة قطر للمشاركة في اجتماع لرؤساء أقسام الإعلام في جامعات دول مجلس التعاون الخليجي. وصلت التذاكر والتأشيرة، وبدأت الاستعداد للسفر، ثم توقفت الرحلات مع تفشي وباء كورونا، وبقيت قطر، مرة أخرى، دولة أعرفها من بعيد، من خلال ما أقرأه وأشاهده وأسمعه عنها.

ورغم أنني كتبت كثيرًا عن قناة الجزيرة، وناقشت تجربتها في محاضراتي وأبحاثي ومقالاتي الصحفية، وتابعت أثرها في الإعلام والسياسة العربيين، فإنني لم أتوقف طويلًا أمام الرجل الذي ارتبطت القناة برؤيته، وحكم قطر بين عامي 1995 و2013، وقاد في الوقت نفسه التحول الكبير الذي شهدته. ولم أنتبه إلى هذا الأمر حتى فوجئت بإعلان وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني صباح الأحد الماضي.

تفتح تجربة الراحل الشيخ حمد مجالًا أوسع من الحديث عن سنوات حكمه والنهضة الاقتصادية والعمرانية التي شهدتها قطر في عهده. والواقع أن أحد أهم جوانب تجربته أنه أدرك مبكرًا أن صغر مساحة الدولة لا يمنعها من تحقيق حضور إقليمي وعالمي كبير، وأن الإعلام يستطيع أن يوسع مجال تأثيرها ويمنحها وزنًا لا توفره الخرائط وحدها.

كان تأسيس قناة الجزيرة عام 1996 التعبير الأوضح عن هذه الرؤية. ظهرت القناة بوصفها مشروعًا إعلاميًا مختلفًا، وكَسرت نموذجًا رسميًا ظل لعقود يقدم الأخبار من وجهة نظر الحكومات، ويعامل الجمهور باعتباره متلقيًا لا يحق له أن يسأل أو يعترض أو يسمع الرأي المخالف.

فتحت الجزيرة شاشتها للمسؤولين والمعارضين، ونقلت الخلاف السياسي من المجالس المغلقة إلى المجال العام، وجعلت النقاش العربي عابرًا للحدود.

وقد جاء مشروع الجزيرة في وقت كانت فيه الساحة العربية تضم عددًا كبيرًا من الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية، وظلت في حاجة إلى قناة إخبارية تخاطب المشاهد العربي بوصفه جزءًا من جمهور واحد، وتتابع الحدث لحظة وقوعه، وتتابع الحدث لحظة وقوعه، متحررة من مواعيد النشرات الرسمية والحدود التي تفرضها الحكومات.

كانت مراكز إعلامية عربية عريقة قد فقدت جانبًا من قدرتها السابقة على مخاطبة المنطقة كلها. تراجعت القاهرة عن موقعها الذي شغلته طويلًا عاصمة للإعلام العربي، بعد أن كانت إذاعاتها وصحفها وصناعتها الثقافية تصل إلى كل بيت عربي تقريبًا. وأضعفت الحروب الأهلية الدور الإعلامي لبيروت، التي مثّلت مساحة للنشر الحر وتعدد الأصوات، بينما بقيت غالبية القنوات العربية أسيرة النموذج الرسمي. وتمثل الفراغ الحقيقي في ضعف المصداقية والجرأة والقدرة على تجاوز الحدود الوطنية.

في الوقت نفسه، قدمت شبكة «سي إن إن»، ولا سيما خلال تغطيتها حرب الخليج الثانية عام 1991، نموذجًا ملهمًا لقوة الأخبار المتواصلة، عندما تابع العالم الحرب لحظة بلحظة، وأصبحت القناة عنصرًا فاعلًا في الحدث السياسي وفي تشكيله إعلاميًا.

التقط الشيخ حمد هذا التحول، وفهم أن الدولة التي تمتلك شاشة حاضرة في قلب الأزمات تستطيع أن تملك حضورًا يفوق حجمها، وأن التأثير في الطريقة التي يرى الناس بها الأحداث قد لا يقل أهمية عن التأثير في الأحداث نفسها.

استفادت الجزيرة من إيقاع الأخبار المتواصل والحضور المباشر اللذين رسختهما «سي إن إن»، ومن خبرات صحفيين عرب عملوا في مؤسسات دولية، وطورت هذا النموذج بما يناسب البيئة العربية، فأضافت إليه الحوار السياسي الصريح، واللغة القريبة من الجمهور، والجمع بين الرأي والرأي الآخر على الشاشة نفسها، وفتح ملفات ظلت طويلًا محرمة أو مؤجلة أو مسكوتًا عنها.

هنا تظهر أهمية الشيخ حمد بوصفه صاحب الرؤية ومتخذ القرار وحامي المشروع. وقد مثّل قراره بإطلاق القناة مغامرة سياسية جلبت لقطر احتجاجات وضغوطًا وخصومات مع دول أكبر منها. ووفّر الشيخ حمد للقناة التمويل والحماية ومساحة الحركة، وقبل تكلفة الحضور، مدركًا أن عائد المشروع سيشمل المكانة السياسية والنفوذ الإقليمي إلى جانب النجاح الإعلامي.

وقد امتد أثر الجزيرة من المجال الإعلامي إلى السياسة الخارجية القطرية؛ فقد منحت الدوحة حضورًا دائمًا في الأزمات والحروب والمفاوضات، وجعلت اسم قطر مألوفًا لدى جمهور عربي ودولي واسع. ومع الوقت، تكامل الحضور الإعلامي مع الجهد الدبلوماسي؛ فحيث تصل الكاميرا تصبح قطر حاضرة، وحيث تدخل الدوحة وسيطًا تكون القناة قد سبقتها غالبًا إلى تعريف الجمهور بالأزمة وأطرافها ورواياتها المتنافسة.

كانت العلاقة بين القناة والدولة أكثر تعقيدًا من مجرد توظيف مباشر للإعلام في خدمة السياسة. فقد منحت الجزيرة قطر قوة رمزية، أي القدرة على حجز مكان في النقاش العام حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا في الصراع، ووفّرت الدولة للقناة الموارد والاستمرارية في مواجهة الضغوط. واختار الشيخ حمد لبلاده حضورًا دائمًا في النقاشات والأزمات الإقليمية، وقبل ما يفرضه هذا الحضور من كلفة سياسية.

وتستدعي قراءة التجربة التوقف عند تناقضاتها، خاصة مع استمرار الأسئلة حول حدود استقلال القناة عن توجهات الدولة، واتساع نقدها للشؤون العربية مقارنة بتناولها للشأن القطري الداخلي، فضلًا عن الانتقادات التي تعرضت لها بعض تغطياتها خلال الأزمات والانقسامات العربية. وتبقى هذه الملاحظات جزءًا من تقييم التجربة. وقد غيرت الجزيرة قواعد العمل الإعلامي العربي، وكسرت احتكار الحكومات للصوت والصورة، ودفعت منافسيها إلى تغيير لغتهم وإيقاعهم وطريقة مخاطبتهم للجمهور.

وعندما سلّم الشيخ حمد الحكم إلى ابنه الشيخ تميم بن حمد عام 2013، واصل الشيخ تميم دعم المشروع وتطويره، واستمر الدعم المؤسسي للشبكة، واتسع حضورها الدولي، حتى أصبحت تعمل من خلال عشرات المكاتب، وتصل بمحتواها إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم. وخلال أزمة الخليج عام 2017، كان إغلاق الجزيرة ضمن المطالب الثلاثة عشر المقدمة إلى قطر، ورفضت الدوحة مطلب إغلاقها، وهو ما أكد أن القناة تحولت إلى جزء ثابت من رؤية الدولة لمكانتها وسيادتها ودورها.

في تقديري أن التجربة القطرية تقدم لنا درسًا مهما، وهو أن التأثير الإعلامي يتطلب أكثر من امتلاك القنوات والاستوديوهات الحديثة والميزانيات الضخمة، وأن القوة الإعلامية تصنع عندما تمتلك الدولة مشروعًا واضحًا، وتمنح الصحفي مساحة للحركة، وتقبل قدرًا من المخاطرة، وتدرك أن الجمهور لا يثق في شاشة تكتفي بمدح مموليها.

رحل الشيخ حمد وبقيت تجربته مفتوحة للنقد والتقييم. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه فهم، قبل كثيرين، أن الجغرافيا لم تعد قدرًا نهائيًا للدول، وأن بلدًا صغيرًا يستطيع أن يوسع حدوده السياسية إذا امتلك فكرة كبيرة ومنصة إعلامية قادرة على حملها.

هكذا بقيت قطر، التي لم أزرها حتى الآن، واحدة من أكثر الدول حضورًا في المشهد الإعلامي العربي والعالمي، من خلال شاشة تجاوز صداها حدود الدولة، ومنحتها مكانة أكبر من مساحتها.

وتبقى الخلاصة الأوضح في تجربة الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه منح بلاده، بالصورة والكلمة، حضورًا جعل شاشتها أكبر من جغرافيتها.

أ. د. حسني محمد نصر

أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس