من يبكي العالم؟
الثلاثاء / 28 / محرم / 1448 هـ - 20:29 - الثلاثاء 14 يوليو 2026 20:29
من عمق أرضٍ ملؤها المعاني الجسام، يتفاعل مع الكون بإحساس شاعرٍ، ينبض قلبه بوعي الوجود، يأتي سماء عيسى الشاعر، مثقلاً بالتاريخ ممتلئًا بأثرِ واقع دامٍ، محكومًا برؤيةٍ وفلسفةٍ، حاملاً قلب شاعر ووعي عاقلٍ، يجترّ المرارة بما يرشح به كون الإنسان من عنف، ويخوض الموت، فناءً ونهايةً، يخوض موتا يُلازم الحياة، يقترن بها حتّى يُصْبِحها. سماء عيسى الذي ساهم بقسط وفير وبدور الأوليّة في نهضة عُمان الأدبيّة، وله سهم أيضًا في النهضة الشعريّة الخليجيّة، يتركّز رمزًا وعلامةً فارقة، وتجربةً متراكمة، متنوّعة، متفرّدة، يختصر رؤيته في الإشارة الأبلغ من العبارة، يُقلّ التصريح ويُكثر التلميح، يجفو المعنى ويغوص في معنى المعنى، يُنشئ العالم صُوَرًا وإشارات، تُوقِع في الأنفس القارئة الوعي بمعنى الموت والمرأة والاستقرار في حال الارتحال.
سماء عيسى شاعرٌ مُعلِّمٌ، وأب مرجعٌ، وحالةٌ شعريّة غنيّة، ثريّة، ممتدّة عبر الزمان وعبر التجارب، لا يهدأ ولا يركن، يعيش الشعر وإن مال إلى النثر، ينشدّ إلى محاور صارت سِمتَه وعلامته. في ديوان لا أحد يبكي في العالم يُواصل سماء عيسى غوصَه في الوجود وبسْط أسئلته الكبرى، أسئلة الإنسان الحامل لهمٍّ، لوعي، لألمٍ كلّما تقطَّعت أوصال رضيعٍ، كلّما رُكِّع إنسان، كلّما ذُلَّت كرامةٌ، كلّما سالت دماء، يحمل في شعره ما تحمَّله الشعر لعقود، ويُبقيه مُشعًّا، أَلِقًا، ألِفًا، قريبًا من الأنفس، حيِيًّا، نابِضًا. فالشعر وإن خبا أثره وتراجع تلقّيه، فهو الأبقى إيماءً وإشارة وقدرةً على كسْر واحديّة المعنى، فمزاجه الصورة، وروحه التخييل، ووجوده الحالُ، ينفر عرضَ المعنى سويًّا، منتهيًا، مستويًا، ويحيا بشحن اللَّفظ بممكنٍ من المعاني التي يتلقّاها المتلقّي وهو شاعرٌ أثرَها، واقفٌ على ممكنها، فاقدٌ يقين المعنى، وتلك سمة من أصْل الشعر أن يقول إنّ المعنى لا معنى له، وحسبك أن تشعر بما يُحمِّله الشاعر لفظَه مِن وفْرة معانٍ ووسيع أثرٍ. الموت، أصلٌ ثابتٌ في التكوينة الشعريّة لسماء عيسى، ومعنى يُقَال بطرائق عدد، وبصُورٍ «ضاربةٍ في الريح»، يتكرّر وينعاد وتُعادُ صياغاته، وفي كلّ وجه معنى وليد، وصورة للموت، تحييه من العدم، تبعثه من كون الفقْد إلى كون الشعر.
عندما تقرأ ديوان لا أحد يبكي في العالم تجد أنْسًا وأسًى، أنّك في عالمك، في فضائك، في نكدك، في وَجْدِك، في حلمك، لا غربَة عن الذات ولا اغتراب عن الكون المحيط بك، أنت تمامًا تقرأ ذاتك، تشعر بموتٍ ينفتح على ممكنٍ من الدلالات، ويقترن بامرأة، هي الأمّ، هي الحبيبة، هي الوطن، هي الولادة، هي حمّالة الخصوبة والرّواء ومعاني الحياة. تسيل القصيدة كما الوجود جمْعًا بين حياة، جمالٍ، حبٍّ، وفناءٍ، عدمٍ، مواتٍ.
لا أقدر أن أقول أكثر ممَّا وسم به الشاعر صالح العامري تجربة سماء عيسى مع الموت، معنى وجوديّا وحالا صوفيّة ومقاما شعريّا، إذ قال مخاطِبًا الشاعر: «أنتَ الوحيدُ بيننا أيّها الشاعر الذي رمى وروداً على قبور الأصدقاء والأمّهات والأطفال، حتّى قبل أنْ يموتوا وحتّى بعد أن مُتّ أنت. وأنت الوحيد الذي آمن بيننا بأنّ «الموت طفل لم تلده امرأة بعد».
وأنت الوحيد الذي امتدح اللاشيء، لأنّه وردة المنفى». ثنائيّة المرأة الموت، ليست بدعًا في هذا الديوان، وإنّما هي علامة الشاعر الفارقة، شواهد عديدة، تتكرّر في كلّ الديوان، تدفع القارئ إلى إعْمال الفكر في هذه الثنائيّة فلا امرأة تقريبًا دون موت لفظًا أو معنى: «دفنَّا قتلى الحروب/ في تلال تطلّ على البحر/ حتما لن نعود ثانية/تركنا كل ما مضى/ غير قلوبنا وذكرياتنا/ الحياة تبدأ من المجهول/ لتنتهي إلى المجهول»، «المرأة التي قبلتك ورحلت في الموت»، «تحترق امرأة في البحث عن الريح/ عن المطر/ عن الموت»، «وحيدة في الضياء/ كما هي وحيدة في الظلمة/ الصبية الجريحة/ الصبية القريبة من الموت». هذه الحياة التي كدّرت الشعراء، وتحيّروا في إعادة تنضيدها، وبلوغ قلبها، هي التي حوَّلها سماء إلى بذور من المعاني، تشعر ألمها وتفتقد بهجتها، ولا تُمسك في يدك أرضًا تقرّ بها عيْنًا، «على قلق» دائم، وحذو براكين جمّة يسكن الإنسان. يتمثّل الشاعر ألم وجوده، رؤيتَه للكون الذي سالت دماؤه، وانكسر فيه الإنسان، فلا لحظات تبهج إلاّ لحظات الطفولة، غياب الوعي، البراءة، الخلوّ من دنس التفكير. يفقد الكون جماله وكلَّ أثر يُمكن أن ينعم به الإنسان وأن يُغيّر المأساة التقليديّة للذات الشاعرة، تَبقى الطفولة هي وهْم الجمال، هي مأوى الهروب من عوالم التوحّش، من صناعة الموت والإبداع فيها، الطفولة، هي العقل المُعطَّل ووهم الجمال المُتذَكَر «لكأن/ كل جمال/ مضى إلى الحتف/ أو إلى العدم/ غير جمال الطفولة».
ليس لك وأنت تقرأ أسطر الديوان في مقاطعه المختلفة سوى أن تشعر بمأساة الإنسان، في ظلّ شاعر آثر أن يكون الموتُ بوّابة المعنى، وأن يُرسله نهايةً ومنتهى، ترسو فيه كلّ حركة وفعل وصفةٍ. لا أحد يبكي في العالم عنوان مخاتلٌ، حمّال أضداد، في عالم لا كلّ شيء فيه يبكي وينوح، الطبيعة، الأرض، الإنسان، الأحاسيس، عناصر الكون، لم أهنأ بقراءة العنوان سليمًا، معافَى، وإنّما قرأته مرارًا بالشكل التالي لا أحد يبكي العالم في ظلّ غياب الشاعر، الشاعر هو بكّاء الكون: «بكاء الأشجار الموجع- بكاء الشجر الميت- بكاء امرأة في العتمة- بكاء امرأة في الصحراء- الأطفال الذين لا يكفون عن البكاء/ حتى وهم موتى».
في مستوى آخر من القراءة، فإنّ الديوان يرشح بفضاءات يُناصّها الشاعر، ويستدعيها من عوالم أخر غير عالمه، تَناصّ مع السينما العالمية، مع روبرت بريسون، تَناصّ مع منحوتة الفرنسي بول داردي المحتفية بالقتلى، في نصّ لوديف، وتفاعل مع المخرج التركي تونش باشاران، دلالة على انفتاح النصّ على الحياة وإن غلبت ثيمة الموت التي يجتهد الشاعر في قتْلها بالقول، بالتحقيق الشعري، تَناصّ أيضا مع مرجعيّات أدبيّة ودينيّة متنوّعة، قصّة يوحنا المعمدان، وقصّة سالومي المضمّخة بالدماء، تَناصّ مع الشاعرة سيلفا بلاث التي أوقدت جسدها بحثا عن الطمأنينة المفقودة، «أشعلت النار في جسدي/ أنا سيليفا بلاث/ شاعرة البحث عن الحب/ وعن الموت»، إشارات عابرة لمراثي إرميا ونبوءة إشعيا بخراب الكون، وورود البحتري في انتظار النيروز.
نصّ لا ينطوي على ذاته، وإنّما هو متفتِّح على عوالم تاريخيّة وكُتبيّة ودينيّة وأسطوريّة ووجوديّة، هو نصّ الإنسان في أرقه وقلقه ومقاومته الموت بالجمال، بالقول، بالصورة الشعريّة التي تبعث المعاني من عدمها، حتّى «لا نجد أحدا يبكي في الكون».
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي