لماذا لم ننجح في بناء مركز عبور عالمي؟!
الاحد / 26 / محرم / 1448 هـ - 22:45 - الاحد 12 يوليو 2026 22:45
لستُ أدري هل الحالة التي غالبا ما تنتابني، عندما أرى نجاح الآخرين فيما فشلنا نحن، تدخل ضمن الحسد، أم أنها انعكاس طبيعي لأي مقارنة؟!
حين أتابع تقدم الآخرين أشعرُ بمزيج من الإعجاب والضيق؛ إعجاب بما حققوه، وضيق لأننا لم نصل إلى مثل هذا المستوى، رغم كل الإمكانيات المتاحة لنا. لكنني أوقن أن هذا الشعور لا يعني – بالضرورة - تمني زوال نجاحهم، بل هو دافع داخلي يحثني على التفكير في كيفية تجاوز الفجوة واللحاق بركب التقدم، وفي نفسي رغبة ملحة أن يعيش المسؤولون وأصحاب القرار الحالة نفسها التي تنتابني، والتي أكاد أجزم أنها تنتاب كثيرين.
لندخل إلى الحكاية. في الثالثة والنصف فجرا، من أحد أيام الأسابيع الماضية، كنتُ على متن طائرة متجهة من مسقط إلى ممباسا في كينيا. توقعتُ أن يكون الليل والوقت المتأخر سببا في وجود كثير من المقاعد الفارغة، لكنني فوجئت بالعكس تماما، أن الطائرة مكتظة بالمسافرين، وهي من نوع بوينج 737، أي أنها كبيرة، مما جعلنا ندخل - أنا وسيف المحروقي، رفيق رحلاتي الدائم - إلى حوار طال في الجو، لماذا لا يكون هؤلاء الركاب في طائرة النقل الوطني مثلا، ولماذا نعطي الفرصة للآخرين أن ينجحوا على حسابنا؟! إن وقت السفر بهذا التوقيت الصعب قد أضاع علينا نوم ليلة كاملة وسرق منا يوما آخر قادما، لكن ذلك لم يمنع الناس من الحجز والسفر في هذا التوقيت الصعب.
المهم أنه عقب رحلة طيران استغرقت ثلاث ساعات ونصف الساعة، توقفنا في مطار أديس أبابا، فإذا به يعج بالحركة والناس من مختلف الجنسيات، وكلهم في طريقهم إلى وجهات متعددة في شرق وغرب وجنوب إفريقيا، وهناك قادمون من الجنوب ومتجهون إلى الشمال.
كان المشهد أشبه بملتقى عالمي، يثير سؤالا لا مفر منه: لماذا نجح الآخرون في بناء مراكز عبور عالمية، بينما لم ننجح نحن، رغم موقعنا «الاستراتيجي» الذي نتغنى به ليل نهار؟! ولماذا نجحت شركات طيرانهم ولم ننجح نحن، وأين يكمن الخلل؟
قد يبدو هذا السؤال نظريا، لكن الواقع يقدم لنا مثالا حيا يستحق التأمل؛ ولعل التجربة الأقرب إلى ذهني الآن هي تجربة الخطوط الجوية الإثيوبية، التي استطاعت أن تجعل من أديس أبابا بوابة رئيسية إلى القارة الإفريقية، وأن تبني نموذجا ناجحا يفرض نفسه على الساحة الدولية.
فقد اتخذت قرارا استراتيجيا بجعل العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مركز عبور رئيسيا يربط القارات بالعالم الإفريقي، وبنت شبكة واسعة تشمل أكثر من 140 وجهة دولية، معظمها داخل إفريقيا، وتملك أسطولا كبيرا من الطائرات يبلغ 170 طائرة، مما يجعلها الأكبر في القارة الإفريقية، حسب إحصائيات العام الحالي.
والمؤكد أن هذا النجاح والتوسع لم يكونا مغامرة عشوائية، بل جاءا بعد دراسات مستفيضة، سبقتها الرغبة في النجاح والإخلاص في العمل والولاء للوطن.
وعندما دخلتُ في حوار مع الذكاء الاصطناعي عن سبب ذلك النجاح والتوسع، كانت الإجابة أنهم «استثمروا في سوق غير مشبع، حيث الحاجة إلى الربط بين دول القارة أكبر من أي وقت مضى»، وكان سؤالي هو: ما معنى «السوق المشبع»؟ وكانت الإجابة أن «السوق المشبع هو السوق الذي امتلأ بالمنافسين والخدمات، مثل أوروبا وآسيا، حيث تتنافس عشرات الشركات الكبرى على المسافرين نفسهم، أما السوق غير المشبع فهو السوق الذي لا يزال فيه فراغ وفرص، مثل إفريقيا التي تحتاج إلى شبكات ربط واسعة»، وهذا في الحقيقة ما استغلته إثيوبيا بذكاء؛ فرغم التحديات الاقتصادية والسياسية، ظلت الشركة تحقق أرباحا متواصلة، وحصدت جوائز دولية عدة، منها لقب «أفضل شركة طيران إفريقية» لسنوات متتالية. ومن ضمن أحد أهم أسباب هذا النجاح، استقلالية القرارات التشغيلية، حيث لم ترهن نفسها بالكامل للسياسة أو الدعم الحكومي؛ بل اتخذت خطوات توسعية جريئة، وركزت على بناء ثقة المسافرين، عبر تحديث الأسطول وتطوير الخدمات الرقمية.
وفي الوقت الذي ركزت فيه بعض شركات الطيران العربية على الفخامة والرفاهية كوسيلة جذب، اختارت التجربة الإفريقية أن توازن بين الخدمة الجيدة والكفاءة التشغيلية، لأن المسافر إلى إفريقيا يبحث عن شبكة ربط واسعة وموثوقة، أكثر من بحثه عن مقاعد فاخرة، وغالية التكاليف.
وإذا كان النجاح الإثيوبي يقدم لنا نموذجا ملهِما، فإن النظر إلى الطيران العُماني يكشف صورة مغايرة تماما؛ فالشركة التي تأسست عام 1981 كناقل وطني، عانت من خسائر متراكمة – حسبما هو منشور - تجاوزت 1.3 مليار ريال عُماني عبر السنوات. ورغم أن الإيرادات ارتفعت بنسبة 30% في عام 2023، ونجحت الشركة في تقليص خسائرها بنسبة 36% من خلال خطط إعادة هيكلة وتقليص النفقات، إلا أنها ما زالت بعيدة عن تحقيق نموذج استراتيجي ناجح.
وإذا كانت تلك هي النتيجة، فهنا يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحا: هناك عمانيون كثيرون يسافرون إلى تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي، عدا العمالة الكثيرة من تلك الدول في عُمان، فلماذا لا يسير الطيران العُماني رحلات إلى تلك الوجهات؟ ولماذا نعطي الفرصة لشركات أخرى أن تتولى نقلهم، بينما يمكن لمسقط أن تكون بوابة طبيعية إلى شرق إفريقيا؟ ولماذا الاهتمام بوجهات «مشبعة» لا نستطيع أصلا أن ننافس فيها الآخرين؟!
إن غياب هذه الرؤية يجعلنا نخسر فرصة استراتيجية، ويترك المجال مفتوحا أمام الآخرين ليبنوا شبكاتهم على حسابنا، ويكفي أن الطيران الإثيوبي يسير خمس رحلات إلى مسقط أسبوعيا، وينقل المسافرين العُمانيين وغيرهم إلى وجهات القارة الإفريقية المختلفة.
إن أسباب الفشل النسبي واضحة، تتركز في غياب رؤية لبناء مركز عبور عالمي، رغم الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمسقط، والتركيز على الفخامة والخدمة أكثر من الكفاءة والربط، والاعتماد على الدعم الحكومي بدلا من بناء نموذج مالي مستدام، ثم تأخر في إعادة الهيكلة بعد تراكم خسائر ضخمة. (والمؤسف أن تأخر إعادة الهيكلة بعد تراكم الديون، حدث مع كل القطاعات التي فشلت وخسرت).
والدرسُ المستفاد من هذا الموضوع أنه ينبغي اقتناص الفرص في أسواق الطيران التي ما زالت بكرا، وأن التوسع يحتاج إلى استقلالية ومرونة، بعيدا عن البيروقراطية، ولكن قبل كل ذلك، لا بد من إرادة وإخلاص وغيرة، فهذه من أكبر أسباب النجاح، وهذا يذكرني بكلام المدرب العالمي عمر بو راس، عندما كان مدربا لنادي فنجاء، إذ قال لنا مرة: «إن اللاعب المخلص الذي يلعب بغيرة، أهم من اللاعب صاحب المهارات، الذي يفتقد إلى هذه الغيرة».
وأختم بالقول إن العالم لا ينتظر المترددين، بل يكافئ من يجرؤ على اقتناص الفرص وصياغة المستقبل.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.