ذاكرة
الاحد / 26 / محرم / 1448 هـ - 19:10 - الاحد 12 يوليو 2026 19:10
1. يوم
على غير عادته، استيقظ الملك مبكِّراً. ولاحقاً قالت وسائل الإعلام إن ذلك كان يوم موته.
2. رنين
كانت سرعتي كبيرة بالنَّظر إلى الحد الأقصى المسموح به في حيٍّ سكني وتجاري مزدحم في آخر العصر، لكني لمحتها. كانت تقتعد الأرض ملتحفة بغشاء الرأس، غير أني لم أعرها اهتماماً حتى وصلت إلى الدوّار، فبدأت أتفكر في أنها قد تكون في وضع حرج، أو فلأقل إن الأمر أثار لديَّ نوعاً من الفضول.
غيّرت مساري وعدت لأوقف سيارتي في موقف عام مقابل لموقع جلوسها، وطفقت أتأملها من خلال أرتال السيَّارات التي تعبر الطريق في اتجاهين متعاكسين. لم يكن من الواضح تماماً أنها تتسول، كما أني فكَّرت في أنه كان يجدر بها الوجود في مكان يؤمُّه كثير من الناس مثل مداخل المساجد والمجمَّعات التجاريَّة، حيث فرصتها أكبر في الحصول على بعض التعاطف وقليل من النقود، عوضاً عن الجلوس والانتظار في هذا المكان المعزول تقريباً. لكني بدأت في ترجيح أنها، في الحقيقة، لم تكن تتسول، بل كانت جالسة فقط، وحيدة ولا تنتظر أحداً أو شيئاً.
أخذت أتأملها بإمعان أكثر فرأيت في الجلسة نفسها التي تتخذها أمي في البيت، وذلك بالسماح للفخذين والساقين بالتمدد بحريَّة وعفوية من دون ذلك الانكماش الاحترازي الحذر الذي تأتي به النساء خارج بيوتهن في بلادنا. ورأيت أن بعض من يمرُّون بها يرمون في حجرها بعض النقود المعدنيَّة ثم ينصرفون بلامبالاة، من دون أن يصدر منها ما يشير إلى تقديم الشُّكر والامتنان لهم.
ترجلت من السيارة وقطعت الشارع حتى وصلت إليها. رأيت أنها في الشيخوخة أو دون ذلك قليلاً، وسلَّمت عليها فردّت بصوت واهن. سألتها عن حالها فقالت بالنَّبرة الواهنة ذاتها: «يا ولدي، أنا وأمُّك ليس لنا أحد، ولا نريد أي شيء من أي أحد».
ثم نهضت ببطء، فتساقطت النقود المعدنيَّة من حِجرها مصدرة رنيناً خفيفاً وبطيئاً وهي تلامس بعضها البعض في طريقها إلى التراب، وانصرفت متلاشية بين البنايات في أضواء الغسق الشَّاحبة.
3. أبديَّة
كنت في غاية الاكتئاب، فذهبت إلى المقهى المجاور لسكني، وجلست على آخر كرسي فيه خلف طاولة معدنية صدئة وصغيرة، وطلبت قهوة. وفي جواري كان هناك شخص آخر ليس ممن يرتادون المكان؛ فأنا أجيء إلى هنا كل يوم، ولم أرَه من قبل قَط. بعد عدة دقائق اكتشفتُ أن ذلك الغريب غادر من دون أن ألحظه.
بدأت رشف قهوتي قبل أن يأتي سنجاب يرتدي قميصاً أبيضَ وربطة عنق سوداء، وقعد، بكل علامات الوقار، على الطاولة أمامي مباشرة. فكَّرت قليلاً في جفول السَّناجب، قبل أن يومئ بغمزة من عينه بالبقاء حيث أنا. وهكذا فقد طلبت كوب قهوة آخر.
سأواصل ارتشاف قهوتي، أما إذا ما أكمل السِّنجاب احتساء قهوته فإننا سنكون جميعاً في الأبديَّة.
4. «بوبي»
هبَّت اليوم أول عاصفة ثلجيَّة في الشِّتاء الحالي.
عدت إلى شقتي في وقت متأخر من الليل، وتفقدت حافظة الرَّسائل الهاتفيَّة لأجد فيها هذه من امرأة لا أعرفها، ويبدو من صوتها أنها عجوز: «إنني أتصل فقط لأنني تساءلت عما إذا كانت العاصفة قد انتهت هناك، وعما إذا كانت بوبي قد وصلت سالمة! أنت تعرف بالطبع أن العلاقة بين بوبي والبرد سيئة جدَّاً! آه! حسنٌ! كنت أتساءل فقط! لعل لديك متَّسعاً من الوقت للرد على مكالمتي! وإلا، لا بأس، حسنٌ جداً! سأفترض أن بوبي وأنت على ما يرام! ليلتك سعيدة»!
لا أحد يدري ما إذا كان الثلج قد دفن «بوبي» أم لا، ولا أحد يعرف شيئاً عما سأفعله في بقيَّة هذه الليلة، خاصة وأن جهاز تكييف غرفة النوم معطوب منذ الصيف الماضي.
5. ذاكرة
لأتوثّق من صدقه بعد أن أعلنوه البارحة في نشرة الأخبار التلفزيونيَّة المتأخرة، قرأت الخبر أكثر من عشر مرَّات في الصَّباح. لم أذق قطرة من القهوة التي بردت وأنا أقارن بين التَّفاصيل التي تُرَوِّج للأمر، والمنشورة في كل صحف البلاد. استوثقت بأن الأمر ليس مزاحاً، فأغلقت باب شقتي بالمفتاح، وانطلقت وأنا أقود سيارتي بسرعة إلى المكان الذي أرشدوا إليه في آخر المدينة.
كان الطَّابور طويلاً من رجال ونساء. وحين وصل دوري قالوا لي إن الفحوص والتَّحليلات المخبريَّة الدَّقيقة هي الخطوة الأولى، وهذه ستجرى على مدى ثلاثة أيام متوالية. وفي ضوء ما يُسفر عنه ذلك سيمكن تقرير أمر تأهلي للعمليَّة الجراحيَّة الطَّويلة والمُعَقَّدة من عدمه.
في هذا اليوم أخذوا التَّفاصيل والقياسات الأوليَّة: الاسم، مكان الميلاد وتاريخه، التاريخ الطبي الشخصي والعائلي، والوزن، والطول، وفصيلة الدم، والتَّاريخ السِّياسي.
استدعوني في اليوم التالي، وطلبوا مني أن أتحدث بالتَّفصيل عن تواريخ وملابسات محاولات انتحاري، وانتماءاتي الحزبيَّة القديمة، وقاسوا حجم وأبعاد الرأس، وفحصوا عينيَّ، إضافة لفحص القلب، وإجراء أشعة للدِّماغ. ثم كانت هناك فحوص وتحليلات أخرى أُجريت لي في اليوم الثالث. قالوا لي إنهم سيتصلون بي عمَّا قريب.
بعد ثلاثة أيام من ذلك اتصلوا وقالوا: «مبروك! أنت صالح تماماً من كافة النواحي للجِراحة، وقد تقرر إجراؤها بعد غد! هل يناسبك هذا الموعد»؟!
كنت هناك وسألوني عمَّا إذا كنت أود أن أسجِّل في الأرشيف كلمة وداعيَّة لذاكرتي القديمة قبل أن أغادرها إلى الأبد، فأجبت بالنفي، قائلاً، بيني وبين نفسي: «هه! كأنه ينقص شقائي أن أودِّع تلك الذاكرة البائسة»! ثم أخذوني إلى غرفة العمليَّات، وكان وجه أخصائي التخدير وهو يبتسم آخر ما تذكرته.
بعد مدة لا أستطيع تحديدها، أخذوني في سيارة عبر شوارع، وجسور، وأنفاق ليست في ذاكرتي. وبين حين وآخر كان واحد منهم يسألني بلهجة ساخرة: «هل تتذكر هذا المكان»؟!، فأجيب بالنَّفي. ثم توقفت السيَّارة أمام بناية طويلة قالوا إن فيها «شقَّتي» التي أخبروني برقمها في الطَّابق العاشر، وأعطوني بطاقة فتح بابها.
فتحت باب الشَّقة التي تجولت مستكشفاً صالتها الجديدة عليَّ، باستثناء بعض اللوحات المعلَّقة على الجدران، ومنها «خَلْقُ آدم» لمايكل أنغلو. ثم ذهبت إلى المطبخ، وفتحت باب الثَّلاجة، وأخذت قرص تسكين آلام الصُّداع من العبوة الحمراء في رَّف أحتفظ فيه بالمهدِّئات التي أحتاجها بصورة دائمة، وقلت في نفسي: «يا الله! كم هو ذوقهم رفيع وعنايتهم دقيقة! شكراً لهم لأنهم وضعوا حتَّى هذه التَّفصيلة في اعتبارهم أيضاً»!
ثم رن جرس الهاتف. على الطرف الآخر كان هناك صوت لاهث وجَزِع لم أتبينه: «نحن آسفون جدا! لا نعرف حقَّاً كيف حدث هذا الخطأ! لقد وضعنا في رأسك ذاكرة شخص آخر من الذين جاءوا مثلك للاستبدال، بدلاً من أن نغرس في رأسك ذاكرة جديدة! لكن لا تخف، نحن قادمون فورا وسنتكفل بالأمر»!
غير أنه، حين وصلوا، كان الوقت متأخراً جداً على الجميع.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني