وصية واحتضار وثُكل
الاحد / 26 / محرم / 1448 هـ - 18:56 - الاحد 12 يوليو 2026 18:56
منحتني صديقةُ العمر وصيتها في 13 أكتوبر 2023، وطلبت مني ألا أنشرها إلا في لحظة رحيلها، التي صادفت الأسبوع الماضي، أي بعد مضي ثلاث سنوات تقريبا.
بدا الأمر أقرب إلى ما نُطالعه في الروايات أو نشاهده في الأفلام. ولا أدري حقًّا كيف لإنسان يُواجه معاناته الضارية مع المرض، أن يمتلك القدرة على أن يوصينا بالإقبال على الحياة ومحبتها، على ذلك النحو المُبهج!
في الرحلة الاستثنائية لأداء واجب العزاء في الأردن، وجدتني بين عشوائية ما أحمله في حقيبتي، أصطحبُ كتابًا بعنوان «الموت والاحتضار» للطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر روس، ت: عبدالمقصود عبدالكريم، والصادر عن دار صفحة سبعة، وكأنني أفتشُ عن قواسم الثُّكْل المشتركة، وعن الحدِّ المُلتبس بين الحياة والموت المُحاطِ بالغموض والرهبة. وكأنني أحملُ رغبةً جامحة في أن أعرف أيَّ أسىً عبرته صديقتي دون أن أكون إلى جوارها كما اعتدنا طوال السنوات العشرين الماضية. فهذا الكتاب هو أحد أهم المراجع التي يلجأ إليها الساعون إلى فهم الخبرة الإنسانية المكتسبة من مرافقة المُحتضرين. فقد أمضت مؤلفته عامين ونصفَ العام -في ستينيات القرن الماضي- مع أشخاص يواجهون الموت، وهو ما أتاح لها أن تُنجز دراساتٍ عميقةً لفهمهم.
كنا أنا وصديقتي نُعرّف الصداقة بأنّها القدرة على إعادة النغمة المدوزنة لإحدانا عندما تضل الأخرى عنها. لذا.. فإنّ تلقي خبر احتضارها البطيء جعلني على درجة عالية من التشويش والحساسية المُفرطة. فكيف يمكنني أن أعيد إليها نغمتها، وبيننا كل تلك المسافات جوار انقطاعها الحتمي عن جميع وسائل التواصل؟ ربما هذا ما دفعني بإصرار جامح إلى محاولة فهم ما عبرته، وكأن في ذلك عزاءً ما.
يرى الطبيب إيرا بيوك: بأنّ هذا الكتاب يتحدى الأسلوب المُتزمت والمُستبد، فقد نقل الاحتضار من المقاطعة القاصرة للأطباء الذين ييأسون عندما تغدو العلاجات غير فعالة إلى الخبرة الحية للأفراد. واللافت أنّ «روس» لم تلتزم بنظريات فرويد أو يونج، بل سمحت للناس أن يشرحوا بكلماتهم الخاصة ما يشعرون به، لتغدو تجاربهم درسا عميقا للأحياء.
تذهب «روس» إلى قضية بالغة الأهمية، تتمثل في اللحظة التي قد يرغب فيها الإنسان إيقاف العلاج، حين يشعر بأنّه لم يعد قادرًا على الاستمرار، وأن عليه تقبّل الحقيقة، في الوقت الذي قد تدفعه العائلة والمجتمع إلى التشبث بالأمل. وهي من أكثر القرارات حساسية وإرباكًا والتي تتداخل فيها إرادة الفرد مع مشاعر المحيطين به.
لا يمكننا تجاوز حقيقة أن الموت حدثٌ مخيف، وأن الخوف منه جزءٌ من طبيعتنا البشرية. لكن ما يمكننا تغييره هو طريقتنا في التعايش مع لحظة الاحتضار، وفي التعامل مع من يعيشونها. ولذا يدعو الكتاب إلى التعامل مع المريض كإنسانٍ قبل كل شيء؛ نُشركه في الحوار ونفهم آلامه وتوقعاته وإحباطاته. هكذا يغدو المريض هو المُعلِّم الذي يكشفُ لنا المراحل الأخيرة من الحياة، بكل ما تنطوي عليه من خفايا وعذابات.
ذكرت لي صديقةُ العمر شيئًا بدا لها عظيمًا، عندما قرّبت صديقةٌ مشتركة بيننا قشرةَ برتقال من أنفها بعدما خدشتها بطرف ظفرها، فنشرت رائحتها الحمضية المُنعشة في الأرجاء، ثم وضعت بضع قطرات من عصيرها على شفتيها. وصفت لي ذلك بأنّه: «معجزة»، في وقتٍ كانت فيه الأنابيب الطبية تُحاصر قدرتها على الكلام!
الابنُ البارُّ الذي رفع فوطةً باردة ليدلّك قدمي الأمّ فانفرجت أساريرها. والأختان الجالستان إلى جوارها ترمقانها بالمحبة، والبابُ الذي فُتح لها لتنظر إلى القادم الذي لا يراه سواها. والزوجُ الصامد لسنوات بمؤازرةٍ قلّ نظيرها. والابنةُ الغائبة التي تنظرُ إلى أمّها المحتضرة عبر شاشة الهاتف.. كل ذلك الفهم كان يُخفف عنها مشقة الرحيل، أكثر مما قد يفعله أطباء غرباء يكتفون بزيادة جرعات المورفين أو المحاليل الوريدية.
وليس في هذا انتقاصٌ من أهمية المهدئات أو المحاليل، لكن روس تقول: ما الفائدة في أننا نزيد من مدد حياة الناس مع وجود الآلات التي تحل محل الأعضاء الحيوية، وأجهزة الكمبيوتر التي تفحص المريض من وقت إلى آخر، وتحل محل بعض الوظائف الفيزيولوجية؟.. «فحين تريد الروح أن تغادر، علينا أن نستجيب».
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»