ثقافة

شاعر عماني معاصر مغمور

 

د. عيسى بن سعيد الحوقاني / أستاذ النقد الأدبي المساعد ـ جامعة الشرقية 

في الألفية الثالثة التي تسابق كُتّابها إلى الشهرة والانتشار السريع، لم أكن أتوقع وجود شاعر مغمور، لا يتم الكشف عن إبداعه إلا بعد وفاته، كيف حدث هذا في عصر الإعلام بنوعيه: التقليدي والحديث؟! لماذا أخفى هذا الشاعر إبداعه ولم يظهره للقراء؟ لمن كان يكتب؟ أكان يكتب لأبناء جيله أم للأجيال التي ستأتي بعده؟ أم أنّه كان يكتب لنفسه فحسب؟ وإذا كان يكتب لنفسه، فلماذا احتفظ بما كتب بشكل منظم مرتب كأنه مُعدٌّ للنشر؟ هذه التساؤلات القلقة تفتح مجتمعة أبواب البحث والدراسة داخل نصوص هذا الشاعر وخارجها؛ إذ تشكّل إشكالية بحثية جديرة بالدراسة على وفق المناهج النقدية المختلفة.
وقد بدأت قصتي مع هذا الشاعر حين تواصل معي الشيخ سيف بن سلطان بن سليمان بن حمير النبهاني، وأخبرني بوجود كتابات لأخيه المغفور له بإذن الله الشيخ محمد بن سلطان، وأنه يريد عرضها عليّ، وبعد فترة وجيزة وصلتني منه رزمتان مصورتان من ورق مكتوب بخط جميل، واطلعت على ما فيهما، فوجدت في الرزمة الأولى مجموعة شعرية من الشعر العمودي، وفي الرزمة الثانية مجموعة شعرية أخرى من الشعر الحر، فابتهجت كثيرًا بما قرأت.
وقد كان الشيخ سيف حريصًا على إخراج كتابات أخيه للقرّاء، فالتقى هذا الحرص بإعجاب مني بما قرأت من شعر الشيخ محمد، فاتفقنا على إخراج تلك الكتابات للقرّاء؛ فقد أنفق فيها الشيخ الشاعر حياته في تجربة شعرية امتدت لعشرات السنين دون أن يطلع عليها - في حدود علمنا - أحد.
وقد ولد الشيخ الشاعر محمد بن سلطان بن سليمان بن حمير بن ناصر النبهاني عام ١٩٥٤م، ببلدة تنوف من قرى مدينة نزوى بمحافظة الداخلية بسلطنة عُمان، إلّا أنّ ظروف حرب الجبل الأخضر جعلته ينتقل عام ١٩٥٨م للعيش مع أخواله ببلدة الخوبار بولاية سمائل، فكان تكوينه العلمي الأول في سمائل؛ إذ تعلم في فترة إقامته بها القرآن الكريم وعلوم اللغة.
سافر الشيخ محمد في الستينيات من القرن العشرين إلى الدمام بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية للعيش مع جده الشيخ سليمان بن حمير بن ناصر النبهاني، وهناك التحق بالمدارس النظامية الحكومية في المملكة العربية السعودية، ومكث في رعاية جدّه حتى عاد إلى الوطن في سبعينيات القرن العشرين، وقد عمل الشيخ محمد في بداية حياته العملية في وزارة المواصلات، ثم عمل بديوان البلاط السلطاني.
وقد امتاز الشيخ بإتقان اللغة العربية، والاطلاع الواسع على الأدب العربي في مختلف عصوره، ولديه موهبة فذّة في فنون الخط العربي والرسم وكتابة الشعر.
عاد الشيخ في أواخر حياته إلى مسقط رأسه ومقر آبائه وأجداده، بلدة تنوف، وتوفي بها في يوليو ٢٠٢٤م.
ورغم أنني من بلد هذا الشاعر الفذ، فلم يكتب الله لي أن ألتقي به حيًّا، ولكني التقيت به من خلال شعره؛ إذ كشف شعره عن شخصية واسعة الثقافة والاطلاع على الطارف والتليد مما أنتجته الحضارة الإنسانية، إنه شخصية منفتحة على ما حولها، ولم يتقوقع في الحدود الفكرية الضيقة، بل حلّق بشعره إلى عوالم رحبة كشفت عن توجهاته فكرًا وعاطفة، وهذا ما كشفه ديوانه الصادر عن دار رؤى عام 2026م.
كتب الشيخ الشاعر لوطنه عُمان، وعبّر عن حسه الوطني؛ ولكنه لم يبقَ داخل حدود الوطن، فكما أنّه عُماني هو عربي حتى النخاع، فتجلّت النزعة القومية في مواطن كثيرة من شعره، إلّا أنّ هذه النزعة القومية ما كان لها أن تطغى على النزعة الإسلامية؛ إذ يبدو مدافعًا بالكلمة عن الإسلام، وداعيًا إلى وحدة الأمة، ومناصرًا لقضاياها، وعلى الرغم من قوة انتمائه الوطني والقومي والديني، فإنّ النزعة الإنسانية حاضرة في شعره، فالإنسان هو الإنسان مهما اختلف وطنه وعرقه ودينه.
افتخر الشيخ الشاعر بوطنه واعتزّ بأبناء عُمان ماضيًا وحاضرًا إذ يقول: [الكامل]
في البحر أسيادٌ، ويُقسمُ موجُهُ
وعلى الذّرى منَّا صقورٌ جوَّبُ
وطني (عمان) ملاحمٌ ومفاخرٌ
ماضٍ يشرِّفُ، حاضرٌ متوثِّبُ.
لقد جرّب الغربة وابتعد عن وطنه مبكرًا، وهذه التجربة أوصلته إلى نتيجة يقول فيها: [الكامل]
مَهْما ستورِدُ في التَّغَرُّب طيّبًا
الوِرْدُ في وَطَنٍ أعزُّ وأطْيَبُ
يا مسقطُ الحُبّ الَّذي لا ينتهي
لا تسألي، الحُبُّ صِدْقًا يُوهَبُ
ولا يرضى الشيخ الشاعر ببديل عن الوطن، فالدنيا كلها لا تساوي عنده شيئًا بدون الوطن: [مجزوء الوافر]
وَلا الدُّنْيا بلا وَطَني
بَديلاً سوف تُرْضينِي
وكما غرّد لعُمان بشعره، غرّد لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وللأقصى، بل لفلسطين كلها ومصر والعراق، فالبلدان العربية هي وطنه الكبير الذي يخاف عليه: [الكامل]
خوفي على وَطني الكبيرِ مُلازمي
فأثُورُ مِنْ خوفي على بُلداني
النَّاسُ في الأوطانِ تَسْكُنُ إنَّما
سَكَنَتْ جميعًا خافقي أوطاني
ونجد النزعة الدينية حاضرة في مواطن كثيرة من شعره، فالمكسب الدنيوي من مال وجاه لا قيمة له إذا لم يكن تحت مظلة الدين: [الكامل]
فَبِغَيْرِ دِينِ اللهِ كَسْبُكَ خاسرٌ
تَهْوي وَإنْ رُمْتَ السَّماءَ بِسُلَّمِ
وتبقى النزعة الإنسانية المشتركة بين البشرية هاجسه الأكبر، فكثيرًا ما يدعو إلى حقوق الإنسان في مواطن كثيرة من شعره: [الطويل]
خُصُوْصِيَّةُ الإنسان ضمن حقوقهِ
عَلَيْنَا نُراعيها ونبقي ونكفلُ
والمحافظة على البيئة حقٌّ مكفول للإنسانية وللأجيال القادمة، ولهذا نجده ينبري للدفاع عن الغابات ويتحسّر على ما أصابها من عبث الإنسان، ومن ذلك قوله: [الوافر]
لِعمْرِ الغابِ كَمْ عامٍ تبقَّى؟!
لتكمل ما بدأت به اغتيالًا!
أُبيْدَتْ أَكْثَفُ الغاباتِ عُمْرًا
وأزخَرُها تنوُّعًا.. اكتمالًا..
ويكتنفه الشعور بخطر التصحّر على الإنسانية، فيقول: [الوافر]
عَلَيْنا أنْ نشجّر ما كشفنا
مساحاتٍ.. تغطت بالغبارِ
عَلَيْنا أن نُعيْدَ وإنْ بنِصْفٍ
زَرَاعةَ نوعِ غاباتِ المَدارِ
ونوليه التصحر اهتمامًا
بِوَقْفٍ أو بإضعافِ المَسَارِ
نُقَلِّلُ كُلَّ عَامٍ مِنهُ شَيْئًا
تزايد ضدنا زَحْفُ الصَّحاري
وكما كتب الشيخ محمد الشعر العمودي، كتب كذلك الشعر الحر، وقد عبّر كثيرًا عن ذاته من خلال هذا الشكل الشعري؛ ولهذا يمكن دراسة الجوانب الذاتية لهذا الشاعر من خلال تجربته في الشعر الحر، إذ تتجلّى كوامن شخصيته فيه، فعن هواجسه يقول:
منذ وجودي
أَعْرِفُ أني سوفَ أُغادر:
هذا العَالمْ
وَسَينْسانِي
لَنْ يَشْغَلهُ شيءٌ منِّي
.. ذكرى عني
وستطوى بعدي صَفَحات
وسَتَصْمُتُ عنِّي حكايات
وَكأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ أَحدًا!
وَكأَنِّي لمْ أَقْدمْ أبدًا!
كانَ قُدومي:
أَوَّلَ إِعْلانٍ لرحِيلي
وَرَحِيلِي اسْتَنْزَفَ مِنِّي:
أيامًا، أَشْهُرًا، أعوامًا
حَتَّى أَوصلني لمصِيرٍ
لا يُمكنُني العودةُ مِنْهُ!
وكثيرًا ما نجد نصوص شعره الحر مكتنزة بالتساؤلات والحيرة:
قَبْلَ وجودِكَ مَاذا كُنْتْ؟
بَعْدَ رَحِيلِكَ كيفَ سَتغْدو؟
مِنْ أينَ أتيتَ؟
إلى أينْ؟
سِرُّ وجودِكَ ذاكَ الرُّوحْ
جَسَدٌ فيهِ الرُّوحُ حيَاةْ
رُوْحٌ بَعْدَ الصَّمْتِ حيَاةْ
هذا الجَسَدُ هُوَ التَّأطيرْ
أَمَّا الرُّوحُ فَتِلْكَ اللَّوْحَةْ
وفي رحاب هذا الديوان بقسميه: الأول (الشعر العمودي)، والثاني (الشعر الحر)، موضوعات متعدّدة، وظواهر أسلوبية متنوّعة، وفيه من الصور الحسية والذهنية ما يدل على تجربة شعرية جديرة بالقراءة للمتذوقين، والدراسة للباحثين.