القطاع الثالث .. حين يصبح رأس المال المجتمعي مؤسسة
السبت / 25 / محرم / 1448 هـ - 22:42 - السبت 11 يوليو 2026 22:42
إذا كان المقال السابق قد انتهى عند فكرة رأس المال المجتمعي، فإن الأيام الأخيرة جاءت لتمنح الحياة لتلك الفكرة.
فما أن تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي نداءات لتغطية تكلفة علاج طفلين، حتى هب المجتمع العُماني بعفوية لافتة، لتتدفق المساهمات من مختلف الفئات وتتوحد الجهود صوب هدف واحد.
لم يكن حجم الأموال هو ما ميز المشهد، ولا حتى السرعة التي اكتملت بها المبالغ لتفيض عن الحاجة المطلوبة. بل، إن ما لفت انتباهي وجعله مشهدا استثنائيا ما تكشف عنه من مورد لطالما ظل حاضرا في المجتمع ولكنه لم يكن حاضرا بالوضوح نفسه طريقة تفكيرنا للتنمية؛ فلم يكن ما حدث حملة تبرعات حققت هدفها فحسب، بل أسفرت عن طاقة مجتمعية قادرة على تعبئة الموارد، متى اتضحت الغاية وتوفرت الثقة لدى الأفراد في قدرتهم على صنع الأثر. وفي ذلك الموقف رأيت الإيثار وتجلت حكمة الخالق في دعوتنا للإنفاق سرا وعلانية. فما أعلن كشف عن مورد لا يظهر في موازنات عامة ولا ترصده مؤشرات التحقق من الأداء.
هذا المورد أطلقنا عليه في المقال السابق مصطلح «رأس المال المجتمعي».
ورأس المال المجتمعي، كما نطرحه في هذه السلسلة، ليس ما يملكه المجتمع من أموال، إنما ما يحظى به من ثقة وتعاون واستعداد لتحويل المبادرات الفردية إلى عمل جماعي ذي أثر، وهو مورد تنموي أقل ظهورًا في أدوات القياس التقليدية.
من مواقف عدة كحالات إنسانية وأنواء مناخية اعتدنا أن نرى هذا المورد يتدفق، ليتفوق المجتمع على نفسه المجتمع مرارًا ويثبت قدرته على التعاون عندما يجتمع حول هدف واضح يقنعه.
إلا أن هذا التعاون يظل رهين الموقف، وينحسر بانتهاء الحدث، أما التنمية فلا تقوم الاستجابات اللحظية أو العابرة، بل تحتاج لتحويل ذلك لممارسة مستدامة.
وهنا يتغير السؤال؛ كيف نوظف هذا التعاون؟ وكيف نحفظ شرارته متقدة؟ وكيف نوجهه نحو التنمية؟ فالمسألة ليست في وجود الرغبة لدى المجتمع، فقد أثبت أنه يمتلكها، إنما في تصميم بيئة تجعل المشاركة ذات أثر وموثوقة. وهذا هو البعد السلوكي في القضية.
باختصار كيف نحول رأس المال المجتمعي من مورد ينضح عند الحاجة إلى مورد يعمل بصورة مستمرة يرفد أي قطاع تنموي ويحقق نفعا لذاته؟
وهنا نرى الحاجة لإطار مؤسسي يحتضن هذا المورد وينظم حركته. ويعرف هذا الإطار بالقطاع الثالث للتنمية. وسمي ثالثا كونه يقف جنبا إلى جنب مع كل من القطاعين العام والخاص، ويضم المؤسسات غير الربحية والتعاونيات وغيرها من المؤسسات التي لا يكون هدفها الرئيسي الربح بل تعمل على تنظيم طاقات المجتمع وتوجيهها لخدمة التنمية.
وكل من المجتمع والقطاع الثالث يكمل الآخر؛ ففي المجتمع تتولد الثقة والتعاون والشعور بالمسؤولية، أي رأس المال المجتمعي. ويأتي القطاع الثالث ليحتضن ذلك المورد ويمنحه إطارا تنظيميا ومؤسسيا، ليصبح مستداما ويحقق قيمة.
وبحسب الأدبيات، حين يبحث القطاع الثالث عن أدوات لتنظيم رأس المال المجتمعي تبرز التعاونيات كأحد أبرز النماذج نضجًا؛ فهي لا تقوم على تجميع الموارد المالية فحسب، بل على المشاركة في الملكية وتقاسم المسؤولية. وذلك هو ما يجعل التعاونيات إحدى الأذرع التشغيلية للقطاع الثالث لحوكمة وتشغيل رأس المال المجتمعي. وبحسب التجارب المنشورة، لم تقتصر التعاونيات على التنمية الاقتصادية، بل أسهمت في تعزيز المجتمعات المحلية وتحويل مبادراتها المجتمعية إلى مشاريع مستدامة. ولعل تعاونية موندراغون (Mondragon Cooporation) في إسبانيا تمثل أحد أبرز النماذج الناجحة؛ إذ بدأت كتعاونية صغيرة ثم تطورت لتضم شركات ومراكز أبحاث وجامعة؛ مما يدعم فكرة أن حوكمة التعاون المجتمعي وتنظيمه تهيئ له المناخ الذي يحوله لقوة اقتصادية وقيمة مضافة.
ولعله يمكن الاستفادة من مثل هذه التجارب للاستفادة من القطاع الثالث في أن يكون رافدًا لتمويل نقل الابتكار وترجمته إلى منتجات وخدمات ومشروعات ذات أثر اقتصادي واجتماعي. ولعل هذا البعد يستحق وقفة مستقلة، سنعود إليها في مقال لاحق.
دعوة للتفكر... لقد كشفت لنا الأيام الماضية أن بعض موارد التنمية وربما أعظمها قد لا تكون مدفونة في باطن الأرض ولا مسجلة في الموازنات العامة، إنما كامنة في المجتمع نفسه؛ فالمجتمع لا يفتقر لروح المبادرة، إنما يحتاج إلى مؤسسات تستثمر هذه المبادرة وتحولها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يشغلنا في المرحلة القادمة ليس: كيف نزيد الموارد؟ بل: كيف نعيد تنظيمها؟ وكيف يمكن أن نعيد توزيع أدوار شركاء التنمية عندما يصبح للمجتمع دور مؤسسي أكثر حضورًا؟
ماجدة الهنائي باحثة وأكاديمية عُمانية