أفكار وآراء

ما مستقبل حياتنا الرقمية؟

ما الذي يمكننا كأفراد فعله بشأن حياتنا الرقمية التي تزداد تشابكًا وتشعبًا ويزداد اعتمادنا عليها أكثر فأكثر؟ فمؤخرًا في تقرير معهد رويترز للصحافة المنشور الشهر الماضي حول الأخبار الرقمية أظهر التقرير تقدم استهلاك أخبار شبكات الفيديو ومواقع التواصل لأول مرة على أخبار التلفزيون بنسبة ٢٪، منذ بدأ المعهد في رصد هذا التوجه، وهذه النسبة الضئيلة يجب التعامل معها بحذر كما أشار التقرير، لكنها مؤشر إلى المدى العام الذي تتجه إليه التحولات التقنية المتسارعة في حياتنا الاجتماعية.

شيئًا فشيئًا ندخل هذه الغابة الرقمية والتقنية التي تكبر وتتضاعف باستمرار، وتضعنا في تحديات وانكشافات شخصية واجتماعية متعددة الطبقات، كما كان مارتن هيدجر ينبهنا لهذا الوضع من الانكشاف أمام التقنية في كتابه التقنية والحقيقة، ويبدو أن هذا الانكشاف يتسارع بشدة خاصة في هذا العقد، وينبئ بمستقبل يزداد فيه الاعتماد المفرط على التقنية في مناحي الحياة المختلفة، لكن موضوع التقنية لا يخص الاعتماد عليها ولا الخدمات التي تقدمها التقنية فحسب لتسهيل الحياة، بل هو يعيد تشكيل باقي المنظومات بأسرها وبنسب مختلفة، وفقًا للتغيرات التي تطرأ على الفرد والمجتمع، وهو بالتالي يعيد تشكيل أغلب وسائل السيطرة والرقابة والتحكم، سواء على الصعيد العائلي أو على صعيد الشعوب، وجزء من هذه السيطرة أصبحت اليوم بيد كبريات شركات التقنية، وهي الأمريكية حصرًا.

يلفت الناصر عمارة، أستاذ الفلسفة الجزائري، في مقاله حول الرقابة والمنشور في مجلة تبين في ملف مخصص لمواقع التواصل الاجتماعي بروز حالة ثقافية عالمية لافتة، هي ولادة ما أصبح يدعى «مجتمع المراقبة»، ويحيل في هذا الصدد إلى كتب ديفيد ليون الاسكتلندي الذي يقتبس منه قوله «المراقبة ترتبط بشدة بامتثالنا للنظام الاجتماعي، كما يمكنها أن تكون وسيلة للسيطرة الاجتماعية» ويعلق عمارة بعد أن يوازن بين صيرورة التحولات وتاريخ المراقبة، بقوله: «انبثق في عمق المجتمع المعاصر ثقب أسود من البيانات في بعدها التقليدي؛ أي في تصاعد سلطة المعلومة، أو في بعدها الجديد أي توسع دائرة البيانات الرقمية. وأصبحت البيانات العين التي تراقب العالم، كما تحول مجتمع المراقبة من التواصل.. إلى شبكات لصيد البيانات».واقع مجتمعات المراقبة هذه يبدو أنه السمة البارزة التي ستطغى على المجتمعات المعاصرة الذاهبة بشكل شمولي غير مسبوق إلى الانخراط في الحياة الرقمية بأوجهها المختلفة، ويبدو أن نشر الوعي الخاص بحدود وخبايا هذه العلاقة التي لا يمكننا القول إنها علاقة مستقرة بل هي علاقة ما تزال في بداياتها ومهدها، ومستقبلها أكثر غموضًا ومجهولية ولا يمكن التنبؤ بما قد تفضي إليه، خاصة بما تلقيه هذه الحالة برمتها من مسؤولية على جهات صنع القرارات والقوانين لاستباق إهدار الخصوصيات والحريات الاجتماعية وتحويلها إلى سلعة معلوماتية وبيانات تجري المتاجرة بها بين الشركات والمستفيدين.

في كتابه «هناك حرب لا يراها أحد» ٢٠١٩، للهولندي هويب موديركولك، وهو كاتب وصحفي متخصص في تتبع قضايا الشبكات والبيانات والهاكرز، يكتب عن قصة وخلفيات المراهق الهولندي ادوين روبي الهاكرز الذي تمكن من اختراق شبكة الاتصالات الهولندية كي بي ان KPN، وهو أمر شكل خطرًا على الأمن القومي، وقد اعتقل الشاب في عمر السابعة عشرة، وبعد قضاء محكوميته سافر الشاب إلى كوريا الشمالية حيث وجد ميتًا بعد فترة في غرفته بالفندق.

قد تبدو حالات الهاكرز حالات فردية شاذة، لكنها تعبير عن التمرد الفردي ضد الهيمنة الشمولية والديكتاتورية (المقنعة) التي تمارسها الشركات على المستخدمين، بتقديم اتفاقيات استخدام لا خيار أمام المستخدم غير توقيعها، ويعيد الأمر تذكيرنا بتسريبات ادوارد سنودن ٢٠١٦، حيث الرقابة أصبحت واقعًا ينتهك كل القوانين ويحول البيانات البشرية ليس إلى سلعة فحسب، بل إلى أداة سيطرة وتحكم وتوجيه.

حين تسعى الدول اليوم إلى حظر مواقع التواصل على الأطفال والمراهقين فإنها في الوقت نفسه تعترف بعجزها عن العكس، وتحرم الصغار من خيارات التقنية وتجبرهم كضحية على دفع ثمن جريمة لم يرتكبوها، فالأصل هو إيقاف المتسبب في الجرم وهو شركات التقنية عن التلاعب والتحكم بمستخدميها وإخضاعهم تحت تأثير متواليات بصرية وسمعية تقوم بتغذية أفكارهم وسلوكهم واختياراتهم، وهي المنطقة التي يظهر خطرها جليًا على صغار السن، لأن ذلك يعني بالتالي تهديد ليس فقط الحرية والخصوصية بل حتى القدرة على اتخاذ القرارات، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا عن بقية المستخدمين، وهل يمكنهم تجنيب أنفسهم تلك المنطقة التي تقوم فيها الخوارزميات ودردشات الذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلًا عنهم، وتلك القرارات التي تتخذها تلك الأجهزة ستصب في مصلحة من بالتحديد؟ المجتمع النظام أم الشركات؟

يولد اليوم بشكل متلاحق ومتسارع جدًا نظام رقمي يحكم قبضته بالتدريج على حياتنا كأفراد ومجتمعات، وكما كان ميشيل فوكو يتتبع ولادة السجن في كتابه المراقبة والمعاقبة فإنه كان يلفت الانتباه إلى المساعي البشرية المختلفة، التي عليها أن تتكامل من أجل ولادة مجتمع صحي، لا أن تهدر بعضها بعضًا، يقول فوكو: «فيما كان القانونيون أو الفلاسفة يفتشون في العقد عن نموذج أولي من أجل بناء أو إعادة بناء الجسم الاجتماعي، كان العسكريون ومعهم التقنيون المتخصصون في الانضباط يعدون الإجراءات من أجل الإكراه الفردي والجماعي للأجسام».

إن المسعى الذي يرمي لسجن المجتمع وأفراده في سجن جمعي مؤثث بالتسالي البصرية والسمعية التقنية لا يهدد فحسب بانهياره الكلي الوشيك وتعاظم خسائره الفادحة وآثاره الكارثية، بل هو يعمل بالضد من الطبيعة البشرية وقد يجد نفسه بسرعة في مواجهة الطبيعة الإنسانية الجذرية التي لا يمكن الالتفاف حولها أو إهدارها وإهمالها.

تتصاعد الدعوات اليوم وتتعالى أصوات أهل التقنية وعلمائها ومخترعيها ومتخصصيها لإنقاذ التقنية من المصير المظلم الذي يقودها إليه المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة والمتعاظمة والتي أصبحت لا تسخر التقنية والمستخدمين من أجل ثرائها الشخصي واتساع إقطاعياتها الرقمية فحسب، بل أضحت تهدد المستقبل البشري بأسره، وتلك الدعوات الصادقة يجب أن نعيرها كأفراد ومجتمعات أذنًا واعية، قبل فوات الأوان، من أجل مستقبلنا الرقمي.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني