متلازمة ترامب تعود من جديد في «صفقة منجم كازاخستان»
السبت / 25 / محرم / 1448 هـ - 20:48 - السبت 11 يوليو 2026 20:48
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
وقعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام صفقة تعدين جديدة مع كازاخستان، وهذه الصفحة من المتوقع جدا أن تثري عائلته، وإلى جانب ذلك سوف ترثي عائلة وزير تجارته «هوارد لوتنيك»، وسيستفيد بشكل مباشر من تلك الصفقة الابنان الكبيران لدونالد ترامب، الشريكان في شركة دونيماري للأوراق المالية، كما ستستفيد شركة كانتور فيتزجيرالد التي يديرها اثنان من أبناء «هوارد لوتنيك».
وقد نشرت «نيويورك تايمز» تحقيقا حول الصفقة جاء فيه: «سرعان ما بدأ أبناء دونالد ترامب وهوارد لوتنيك في التعامل مع أطراف في هذه الصفقة، وهي نفس الأطراف التي كان ترامب ولوتنيك يتعاملون معهم، وهو ما يشير إلى تواصل نمط الإثراء الذاتي في فترة ترامب الثانية، وهي فترة لا مثيل لها في التاريخ الأمريكي».
في هذا الشأن تحديدا، تعتبر عبارة «الإثراء الذاتي» مثيرة للاهتمام، ولكن بشكل عام فإن العبارة نفسها لا تعتبر سيئة، إنما هي إيجابية، بمعنى جني الأرباح من العمل الجاد.
الغريب في تحقيق النيويورك تايمز أنها لم تذكر أبدا كلمة «فساد» أو تشير إليه بأي معنى آخر، فمن المرجح أنها تخشى من أن تتعرض لدعوى قضائية، على غرار ما تعرضت له من ترامب في أكتوبر الماضي، حيث دفع دعوى تشهير مطالبا بتعويض بقيمة 15 مليار دولار في ظل حملته الانتخابية 2024.
ويشهد التاريخ الأمريكي على العديد من الأحداث التي لم تحصل في عهد ترامب، فقد ساهمت فضائح الفساد السابقة في تدمير سمعة رؤساء سابقين، وأثرت بشكل كبير على السياسة الأمريكية، وقد ساهمت تلك الفضائح في تفعيل القوانين الضامنة لعدم تكرار الفساد، الأمر الذي يحاول ترامب الحد منه.
والسؤال هل سيكون لهذا الفساد أثر طويل الأمد على السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية؟
ويتبادر في ذهني مفهوم «الفضيحة»، فهي مرتبطة بكشف التلاعب الذي يحدث في الخفاء أو على مستوى بسيط من الأفراد أو ما يتحدث تحت الطاولة، ولكن في حالة دونالد ترامب، هل يعتبر ما يقوم به «فضيحة»؛ إذ يقوم بكل ذلك بشكل مباشر وواضح أمام العيان والملأ، أفعاله مباشرة وفضة في آن واحد.
تعتبر عائلة دونالد ترامب أن الأموال التي يتم اقتطاعها من المعاملات الاقتصادية ليست إلا «سياسة ذكية»، وأن ما تتحصل عليه من ذلك هو مقابل سعي ترامب الدائم وإدارته إلى عقد اتفاقيات السلام العالمية، واتفاقيات التجارة، واتفاقيات التعدين، وعليه يحق لدونالد ترامب وعائلته المقربة بل وحاشيته التكسب المالي الكبير.
وهذا هو تفسير دونالد ترامب للحلم الأمريكي، إذ يرى ترامب أن الحماقة تكمن في ألا يستفيد الناس من مناصبهم، فجميع كبار رجال الأعمال جنوا ثرواتهم بداية من السكك الحديدية وليست انتهاء بالذكاء الاصطناعي، لأنهم موجودون في المكان المناسب وفي الوقت المناسب وبقدر مناسب من الحزم.
لكن حالة ترامب تختلف مع حالة كبار رجال الأعمال، فهو يستخدم أموال دافعي الضرائب بهدف تغطية المخاطر، وهذا ما يدعيه، ولكن في الواقع فإن شروط الاتفاقيات تمنع تلك المخاطر بطبيعة الحال، وما يحدث أن دونالد ترامب يستغل سلطته، وهذا ما يعنيه بقوله «فن الصفقة».
ورغم أن صفقات ترامب لا تجري في الخفاء، فإن الحجم الحقيقي للأموال المتداولة يظل غامضا بسبب تشعب المعاملات المالية وتعقيدها. ومع ذلك، فإن تقارير الإفصاح المالي الإلزامية، إلى جانب عدد من المواقع المتخصصة في تتبع ثروة الرئيس الأمريكي، تكشف أن نصيب ترامب من الأموال والهدايا منذ توليه الرئاسة في يناير 2025 تجاوز 2.6 مليار دولار، جاء معظمها من استثمارات العملات المشفرة، وعلى رأسها عملة ترامب الرقمية، إلى جانب الفيلم الوثائقي الخاص بزوجته ميلانيا، وعدد من التسويات القانونية التي يرى كثيرون أنها أقرب إلى عمليات ابتزاز سياسي منها إلى تسويات قضائية.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن حجم تلك المكاسب بلغ نحو 2.2 مليار دولار، تتضمن وفرا ماليا يقدر بـ100 مليون دولار بعد الجهود التي بذلت لإيقاف عمليات التدقيق الضريبي التي كانت تجريها مصلحة الضرائب الأمريكية بحق الرئيس، وذلك رغم أن المحاكم عطلت صندوق تسويات بلغت قيمته 1.8 مليار دولار، في حين واصلت وزارة العدل دعم إعفاء ترامب من تلك المراجعات الضريبية.
ولم يعد تتبع هذه المكاسب أمرا معقدا، فقد ظهرت خلال الفترة الماضية منصات متخصصة ترصد بصورة مستمرة ثروة ترامب، وصفقات العملات المشفرة المرتبطة بعائلته، وعمليات التداول الداخلي، والعقود الحكومية، فضلا عن المشروعات الأجنبية التي تحمل اسمه، والتي ارتفع عددها خلال ولايته الثانية إلى 25 مشروعا.
وفي كثير من الأحيان تبدو السياسة الأمريكية مجرد واجهة لتحقيق الأرباح، تماما كما تستخدم الشركات الوهمية غطاء لإخفاء أنشطة أخرى.
ويظهر ذلك بوضوح في صفقات المعادن الاستراتيجية، إذ لم تكن صفقة كازاخستان سوى واحدة من سلسلة صفقات حققت من خلالها الإدارة الأمريكية مكاسب مالية في قطاع المعادن النادرة.
ويمتلك أبناء ترامب مصالح مالية في 14 شركة تتعاون مع الحكومة الأمريكية في مشروعات تعدين مدعومة بما يقارب 9 مليارات دولار من التمويل الفيدرالي، من بينها قرض بقيمة 620 مليون دولار منحته وزارة الدفاع الأمريكية لإحدى شركات المغناطيسات الأرضية النادرة في ولاية كارولاينا الشمالية، وهي شركة استثمرت فيها شركة رأس المال الاستثماري التابعة لدونالد ترامب الابن، كما ينتظر عدد من المقربين من ترامب تحقيق مكاسب إضافية من أي اتفاقيات مستقبلية تتعلق بالمعادن في جرينلاند.
ولم تتوقف هذه السياسة عند قطاع التعدين، بل امتدت إلى الرسوم الجمركية التي استخدمها ترامب وسيلة لانتزاع تنازلات من الدول الأخرى؛ وفي المقابل، لجأت بعض الحكومات إلى مخاطبة مصالحه الشخصية، فقد وافقت فيتنام على إنشاء ملعب جولف يحمل اسم ترامب، لتحصل بعد ذلك على تخفيض في الرسوم الجمركية، كما حظيت سويسرا بمعاملة مماثلة بعدما قدمت للرئيس الأمريكي ساعة مكتبية خاصة من علامة رولكس، وسبيكة ذهبية شخصية تزن كيلوجراما واحدا، إلى جانب كثير من عبارات المديح والإطراء.
والرسالة هنا واضحة، فسياسة التجارة الأمريكية أصبحت، بكل بساطة، معروضة للبيع.
جون فيفر مدير موقع «فورين بوليسي إن فوكس» ومؤلف العديد من الكتب.
الترجمة عن آسيا تايمز