أفكار وآراء

الوكيل الرقمي .. الوجه الجديد للذكاء الاصطناعي

قبل فترة، وصلني رسم كاريكاتيري يُظهر إنسانا يوظف وكيلا رقميا، ويظهر -في الصورة- الوكيل الرقمي على هيئة روبوت آلي، يمنحه إنسان وكالة للقيام ببعض الأعمال في مؤسسته، ثم يبدأ هذا الوكيل بتوظيف وكلاء رقميين آخرين، وبعد ذلك يُعيَّن مسؤولا عن التوظيف، ويتولى بدوره توظيف المزيد من الوكلاء الرقميين، إلى أن تصل القصة في الرسم الأخير إلى مشهد يُظهر الوكيل الرقمي وهو يطرد الإنسان من وظيفته لعدم الحاجة إليه.

يمكن أن نرى جانبا ساخرا لهذا الكاريكاتير، ولكنه في الواقع يتحقق بصورة جزئية ونسبية. صحيح أننا ما زلنا لا نلحظه بشكل واضح في مختلف جوانب حياتنا، ولكننا -فعلا- نقترب من تحقق هذا المشهد، وما قد يترتب عليها من آثار ومعاناة للبشر.

في مقال نشرته قبل فترة، تحدثت عن نماذج الذكاء الاصطناعي والمخاطر الناتجة من الاعتماد المفرط عليها، والتي يمكن أن تمتد إلى إضعاف العقل البشري، وزعزعة المعرفة، وإحلال الإبداع الرقمي محل الإبداع الإنساني الذي ألفناه وعرفناه عبر التاريخ. وأشرت آنذاك إلى أن هذه المخاطر لن تظهر بصورة فورية، ولكن آثارها تتراكم مع مرور الوقت؛ لنجد أنفسنا أمام جيل يعتمد اعتمادا شبه كامل على الذكاء الاصطناعي، ويعجز تدريجيا عن إعمال عقله واستقلاله الفكري. وذلك كله في إطار ما يمكن أن نطلق عليه المساعد الرقمي الذكي الذي تمثله اليوم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.

أما في هذا المقال، فإننا ننتقل إلى مرحلة أكثر تقدما، ونتحدث عن صورة جديدة من صور الذكاء الاصطناعي التي لم تعد تقتصر على المساعدة في تنفيذ المهام؛ فنرى أنها تحتل مساحة أوسع من الوظائف التي يؤديها الإنسان بنفسه، وهنا نقصد «الوكيل الرقمي» الذي يتمتع بصلاحيات أوسع بكثير من المساعد الرقمي. كون الوكيل الرقمي يمتلك قدرات متقدمة منها إمكانية الوصول -بإذن الإنسان- إلى البريد الإلكتروني، والحسابات الشخصية، والحسابات البنكية، فضلا عن امتلاكه صلاحيات لتنفيذ قرارات كان الإنسان هو من يتخذها بنفسه.

هذا يعني أننا قد نستغني تدريجيا عن عدد من الوظائف التقليدية مثل مديري المكاتب، والسكرتارية، وبعض الأعمال الإدارية والتنظيمية، وكذلك عن جزء من الجهد الذي كان الإنسان يبذله في اتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ؛ فمع قدرة الوكيل الرقمي على الوصول إلى حساباتك المختلفة، فإنه يستطيع قراءة الرسائل، وتحليلها، والرد عليها، كما يستطيع اتخاذ قرارات تتعلق بالشراء والبيع، وإدارة العمليات المالية وفق الصلاحيات التي تمنحها له. ويصبح بإمكانه إدارة صفقات تجارية، أو تنفيذ عمليات بيع وشراء في أسواق الأسهم، أو القيام بدور المحاسب الشخصي أو محاسب المؤسسة، ومتابعة المبيعات، وإدارة عمليات التسويق، والتواصل مع العملاء وخدمتهم.

والواقع أننا بدأنا بالفعل نعيش هذه المرحلة بصورة جزئية؛ إذ تجاوزنا مرحلة المساعد الرقمي التقليدي، وانتقلنا إلى مرحلة الوكلاء الرقميين، ويوجد اليوم بالفعل وكلاء رقميون متخصصون في مهام محددة؛ فتعتمد بعض المؤسسات عليهم في خدمة العملاء، أو التسويق، أو المشتريات، أو إدارة عدد من العمليات الداخلية، وأصبح بإمكان الأفراد أيضا الاستفادة منهم في إنجاز كثير من الأعمال الشخصية والمهنية.

لكن ما نتجه إليه في غضون الفترة القريبة هو ظهور الوكيل الرقمي الشامل الذي يمتلك صلاحيات واسعة، ويعمل وكيلا مفوضا عن الإنسان في كثير من شؤون حياته الذي ذكرنا بعضها آنفا.

يتضمن هذا الموضوع تفاصيل تقنية كثيرة لا يتسع المقام لشرحها في هذا المقال، ولذلك فإن ما يعنيني هنا ليس استعراض الجوانب التقنية، وإنما لفت الانتباه إلى أن هذه الطفرة الرقمية قد أصبحت أقرب إلينا مما يتصور كثيرون. فقد يدركها بعض الناس مبكرا، بينما لا يلتفت إليها آخرون إلا بعد أن تصبح جزءا من حياتهم اليومية.

ولهذا، فإننا بحاجة إلى توسيع دائرة وعينا الرقمي فيما يتعلق بكائننا الرقمي الجديد «الوكيل الرقمي» ومعرفة ما يستطيع فعله، والأهم من ذلك إدراك الثغرات والمخاطر التي قد تنشأ من منحه صلاحيات واسعة، ولنستطيع التعامل مع هذه المرحلة الجديدة بوعي رقمي يضمن الاستفادة من مزاياها، ويحد في الوقت نفسه من آثارها السلبية.

لا أريد أن يُفهم من هذا المقال أنني أنظر إلى الوكلاء الرقميين من زاوية سلبية، أو أنني أدعو إلى التخوف منهم بشكل مطلق؛ حيث كما أسلفتُ، فإن لهذه الطفرة الرقمية التي بدأت تتجسد اليوم في صورة الوكيل الرقمي فوائد كبيرة يمكن أن نجنيها -سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي-، وسيُحدث كثير منها تحولات إيجابية في الإنتاجية، وإدارة الوقت، واتخاذ القرار، وإنجاز الأعمال.

لكن ما يعنيني هو لفت انتباه القارئ، والمهتم، وصانع القرار، إلى أن هذه الطفرة الرقمية تمتلك قدرات لم نكن نستوعب وجودها قبل سنوات قليلة؛ إذ إنها قادرة -إذا مُنحت الصلاحيات اللازمة- على النفاذ إلى أدق تفاصيل حياتنا، ورغم أن القرار في نهاية المطاف يظل بأيدينا؛ فنحن من نقرر مقدار الثقة التي نمنحها لهذه الأنظمة، ونحن من يحدد حدود الصلاحيات التي نسمح لها بها.

وتبدأ هذه الثقة عندما نمنح الوكيل الرقمي القدرة على الولوج إلى عالم بياناتنا الخاصة، ورغم إدراكنا أن كثيرا من معلوماتنا الشخصية أصبحت مكشوفة على شبكة الإنترنت، وخصوصا لدى من يملكون حسابات مفتوحة على وسائل التواصل الاجتماعي بما تتضمنه من صور، ومعلومات شخصية، وبيانات متنوعة، ولكن الأمر مع الوكيل الرقمي يتجاوز ذلك بكثير؛ فتتسع دائرة البيانات التي يمكن الوصول إليها، لتشمل تفاصيل أكثر حساسية وخصوصية، الأمر الذي يجعل هذه البيانات أكثر عرضة لأن تتحول إلى مورد بالغ القيمة بالنسبة إلى جهات مختلفة قد تكون ذات مصالح اقتصادية، أو سياسية، أو أمنية، أو حتى عسكرية.

لا أتمنى أن تُفهم رسالتي بأنها مطلب للتراجع عن مواكبة التقدّم الرقمي، ولا التخلي عن الاستفادة من الوكلاء الرقميين، وإنما على العكس، للمضي قدما في تبني هذه التقنيات وتفعيلها، ولكن مع بناء وعي رقمي يسير بالتوازي مع سرعة تطورها، ولا يقتصر هذا الوعي على المعرفة التقنية؛ فيشمل أيضا فهم طبيعة هذا العالم الرقمي، وإدراك مخاطره، والقدرة على استعماله الاستعمال الأمثل دون إفراط أو تفريط.

تبدأ منظومة الوعي الرقمي بكيفية التعامل مع البيانات الرقمية، وطرق حمايتها، وآليات تخزينها، وتعزيز مفاهيم الأمن السيبراني، لأنها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة كثير من المخاطر المحتملة.

ولهذا، فمن حق الأفراد أن يستعينوا بوكيل رقمي يختصر عليهم كثيرا من الوقت والجهد، ويحقق لهم فوائد عملية كبيرة، ولكن ضمن حدود مدروسة، تحفظ لهم خصوصيتهم واستقلالية قراراتهم. وكذلك يحق لكثير من المؤسسات أن تستفيد من الوكلاء الرقميين في المهام التي تؤديها هذه الأنظمة بسرعة ودقة وكفاءة أعلى من الإنسان. أما المؤسسات ذات الطبيعة الحساسة، وتحديدا تلك المرتبطة بالجوانب الاقتصادية -الحساسة- أو الأمنية أو السياسية أو العسكرية، فإن التعامل مع هذه النماذج ينبغي أن يكون أكثر تحفظا، وأن يقتصر على نطاقات محددة ومحدودة إلى أن تتوافر بدائل أكثر استقلالية أو سيطرة على بنيتها التقنية.

نحن ندرك أننا لم نكن شركاء في تطوير معظم هذه النماذج المتقدمة، ولا في بناء خوارزمياتها، وندرك أنها تعود -تطويرا وملكية- إلى شركات تقنية عالمية كبرى تمتلك المعرفة العميقة ببنيتها وآليات عملها، ومع كل ما تعلنه هذه الشركات من التزامها بالخصوصية وأمن المعلومات، فإن هواجس حماية البيانات تظل قائمة، خاصة في ظل ما تفرضه بعض التشريعات الوطنية من التزامات قانونية على الشركات العاملة داخل حدودها.

رغم ما نجده من مخاطر، لكننا ينبغي أن نواصل مواكبة التقدّم الرقمي والتفاعل معه بالتوازي مع تنمية الوعي الرقمي بصورة مستمرة؛ ليكون تطورنا التقني مصحوبا بتطور مواز في وعينا بكيفية استعمال هذه الأدوات، وحدود الثقة التي نمنحها لها، وآليات حماية بياناتنا ومصالحنا. ولا أجد بُدًّا من المطالبة بوضع حوكمة خاصة بالوكلاء الرقميين، تُنظِّم آليات تفويضهم، وتحدد حدود صلاحياتهم، وتؤطر سبل توظيفهم، كذلك ينبغي نشر ثقافة الوعي الرقمي عبر الورش والمحاضرات والبرامج التدريبية، وأن تمتد هذه الجهود إلى طلبة المدارس عن طريق المعسكرات والهاكثونات الصيفية التي تعزز ثقافة التفاعل الرقمي بمختلف مستوياته، بدءا من اكتساب المهارات التقنية، ووصولا إلى أخلاقيات الاستعمال، وربطها بحماية الخصوصية، وتعزيز الأمن المجتمعي والوطني.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني