الحلم الأمريكي لممداني
الخميس / 23 / محرم / 1448 هـ - 21:46 - الخميس 9 يوليو 2026 21:46
كانت أطروحة فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ» في تسعينيات القرن الماضي آخر سردية كبرى وحّدت الغرب الليبرالي الديمقراطي. فقد رأى أن الرأسمالية الليبرالية الديمقراطية، القائمة على دولة الرفاه، تمثل أفضل نظام اجتماعي يمكن تصوره. ولم يبقَ، في نظره، سوى سؤال تجريبي واحد: متى، وعلى أي نحو تحديدًا، ستصل بقية أنحاء العالم إلى النموذج ذاته؟
غير أن هذه السردية أخذت تتفكك بعد عام 2001، ودخلنا تدريجيًا عصر البراغماتية الخشنة. وأصبحت السردية الوحيدة المتماسكة هي تلك التي قدّمها أتباع ترامب والقوميون العنصريون في أوروبا: فالغرب المسيحي المتقدم، بحسب تصورهم، استثناء تاريخي؛ حضارة ثرية محبة للحرية، يتهدد بقاءها على الدوام المهاجرون، و«الماركسيون الثقافيون»، وأنصار مجتمع الميم، والأوروبيون الذين لا يكفون عن جلد ذواتهم.
وبالطبع، فإن السردية «الاستيقاظية» (woke) التي يرفضها القوميون أضيق نطاقًا في قدرتها على استقطاب الناس حتى من سرديتهم هم. فهي تحصر اهتمامها في عدو واحد، هو العنصرية والتمييز على أساس الجنس، ولا تحاول أصلًا حشد الأغلبية، لأنها تنشغل برفع مكانة جماعات بعينها، مثل المتحولين جنسيًا، إلى مرتبة النموذج الأمثل للمضطهدين. ولأن معظم الناس ليسوا من المتحولين جنسيًا، فإن هذه السردية لا تقدم للأغلبية سوى الشعور بالذنب، بدلًا من أن تعرض عليها رؤية إيجابية واسعة الجاذبية.
لكن شيئًا جديدًا بدأ يلوح في الأفق مع صعود ما يُعرف بـ«الاشتراكيين الديمقراطيين» في الولايات المتحدة. ففي خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى المائتين والخمسين لإعلان الاستقلال، قدّم أحد أبرز ممثلي هذا التيار، عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، سردية مختلفة جذريًا عما كانت عليه الولايات المتحدة، وعما يمكن أن تصبح عليه. ولم يفز ممداني بمنصبه عبر الترويج للنقاء الأيديولوجي الذي تتبناه الأوساط الأكاديمية المنتمية إلى تيار «الووك»، بل من خلال التركيز على القضايا المحلية وأوضاع الفئات الأقل حظًا، داعيًا إلى توفير رعاية أطفال مجانية، وحافلات نقل مجانية، وضبط الإيجارات، وإتاحة الخدمات الصحية للجميع. وفي خطابه يوم الرابع من يوليو، ترجم توجهه السياسي إلى رؤية ذات أفق عالمي: «يقال لنا إن أمريكا استثنائية لأنها أغنى من الجميع، وأقوى من الجميع، وأكثرهم نفوذًا... لكن الحقيقة، يا أصدقائي، هي أن أمريكا استثنائية لأن لا شيء فيها محكوم بأن يبقى على حاله. قد تكون الحدود قد أُغلقت، وقد نكون قد وطئنا سطح القمر، لكن مهمة تحقيق القيم التي كُرِّست لأول مرة في إعلان الاستقلال ما تزال قائمة. تلك المهمة، يا أصدقائي، باقية، وهي مسؤوليتنا جميعًا.
وهي مسؤولية الأمريكيين الجدد أيضًا، أولئك الواقفين هنا معي اليوم، الذين حصلوا جميعًا على الجنسية الأمريكية حديثًا. قبل نحو عقد من الزمن، شعرتُ أنا أيضًا بما تشعرون به أنتم اليوم: بفرحة ألا أكون مجرد ابنٍ لمدينة نيويورك، بل أمريكيًا أيضًا. إن كل واحد منكم يحمل قوةً خاصة؛ قوة أن يحدد بنفسه ماذا تعني أمريكا».إن رؤية ممداني، بطبيعة الحال، رؤية أيديولوجية. فهي تقدم صورة مبسطة، لا الحقيقة العارية كما هي. لكن ما يكتسب الأهمية الكبرى هو أنها تواجه السردية الشعبوية مواجهة مباشرة، وهو ما تشهد عليه الهجمات الهستيرية التي شنها اليمين على ممداني. وفي خطابه هو أيضًا بمناسبة الرابع من يوليو، كان الرئيس دونالد ترامب يفكر، على ما يبدو، في عمدة نيويورك عندما قال -في حديثٍ شابه اضطراب واضح في استحضار التاريخ- إن: «الشيوعية تمثل تهديدًا وجوديًا للحرية الأمريكية. إنها أكبر تهديد واجهته بلادنا، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وبيرل هاربر، وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر».
لكن اللافت بالقدر نفسه أن ممداني تعرّض أيضًا لانتقادات من بعض اليساريين الراديكاليين. ففي معرض رده على إشادة ممداني بإعلان الاستقلال والدستور الأمريكي، نشر موقع Jacobin تعليقًا حمل عنوان: «أحرقوا الدستور مرة أخرى». وجاء في السطر التعريفي للمقال: «لم يوقف الدستور ترامب، بل هو الذي جعل حكمه ممكنًا».
ومن الواضح أن لهذه الحجج وجاهتها. فكما تُظهر الأوراق الفيدرالية، كان الهم الأكبر للآباء المؤسسين هو الحد من تأثير عامة الناس في الحكم. ولهذا السبب أنشأ الدستور المجمع الانتخابي، إلى جانب عوائق مؤسسية أخرى تحد من قدرة الأغلبية السياسية على فرض إرادتها.
لقد كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يمثلون النخبة الأوليغارشية في عصرهم. وكان جورج واشنطن واحدًا من أثرى الرجال في المستعمرات. وفي أول انتخابين أُجريا بعد تأسيس الدولة، لم يشارك في التصويت سوى نسبة ضئيلة من المواطنين. كما أن الدستور، وهو وثيقة ذات طابع بروتستانتي أنغلوسكسوني أبيض (WASP) واضح، وفّر الحماية لنظام الرق. وحتى الأمريكيون من أصول أيرلندية ظلوا، لفترة طويلة، مستبعدين من تولّي المناصب الحساسة في أجهزة الدولة.
غير أن ثمة تيارًا معينًا داخل اليسار يرى حتى في مدرسة فرانكفورت مؤامرةً رجعية. فبينما تُحمّل السردية الشعبوية اليمينية السائدة أيديولوجيا «الووك» مسؤولية أفكار أنطونيو غرامشي، ولا سيما هربرت ماركوزه وتيودور أدورنو، يذهب بعض اليساريين، مثل فيلسوف جامعة فيلانوفا غابرييل روكهيل، إلى اعتبار ما يُسمى بـ«الماركسية الثقافية» الغربية حركةً معادية للشيوعية دعمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بهدف تشويه سمعة «الاشتراكية القائمة فعلًا».
وفي كلتا الحالتين، يجدر بنا أن نستحضر ملاحظة جان بول سارتر التي مفادها أن النص الذي يتعرض للهجوم من الطرفين معًا -سواء كان الدستور الأمريكي أو كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد»- يكون، في الغالب، قد أصاب الطريق الصحيح.
في هذا السياق، شكّل خطاب ممداني مثالًا نموذجيًا على الأيديولوجيا بالمعنى الإيجابي لهذه الكلمة. فقد قلب رأسًا على عقب الرؤية اليمينية للولايات المتحدة بوصفها حصنًا للنخبة تتهدده الأخطار القادمة من الخارج، وطرح بدلًا منها تصورًا لأمريكا باعتبارها بلدًا يتمتع بما يكفي من القوة ليحتضن فقراء العالم ومستغَلِّيه ومضطهديه، ويمنحهم فرصة جديدة. ويرى ممداني أن السمة ذاتها التي يعدّها الشعبويون اليمينيون تهديدًا للهوية الأمريكية -أي الانفتاح على الوافدين من الخارج- هي في الحقيقة مصدر الاستثنائية الأمريكية. فالولايات المتحدة تمثل رمزًا غنيًا بالأمل لأنها منحت، جيلًا بعد جيل، المهاجرين فرصة لتحقيق النجاح.
وقد يزعم بعض اليساريين، بطبيعة الحال، أن هذا الحلم ليس سوى وهم، وأن اضطهاد الطبقات الدنيا، والأقليات العرقية، والوافدين الجدد، لم يتوقف يومًا. لكن إطلاق مثل هذا الاتهام يشبه إطلاق رصاصةٍ فارغة؛ فلا أثر له سوى تغذية نوع من النقد الذاتي الذي لا يفضي إلى شيء. وقد لا تعكس رؤية ممداني الحقيقة الكاملة المجردة من كل تجميل، لكنها أقرب إلى الحقيقة من البديل الترامبي، وتمتلك القدرة على تعبئة ملايين الناس، وهو ما بدأت بوادره تظهر بالفعل منذ انتخابه.
تلك هي عبقرية ممداني. فقد جعل من الوافدين الجدد الفقراء والمنهكين الفاعلين الحقيقيين الوحيدين للحلم الأمريكي. أما الشعبويون فليسوا سوى إقليميين بدائيين، وعبيدٍ راضين لهيمنة الشركات العملاقة. واليوم، بات الاشتراكيون الديمقراطيون هم الذين يجسدون الجوهر التحرري للحلم الأمريكي. إنهم الوطنيون الأمريكيون الحقيقيون.
سلافوي جيجك أستاذ الفلسفة في «المدرسة الأوروبية للدراسات العليا»، ومؤلف كتاب «الإلحاد المسيحي: كيف تكون ماديًا حقيقيًا».
خدمة بروجيكت سنديكيت.