ترجمة

أوروبا تسلك طريقها الخاص مبتعدة عن أمريكا

 

القارة تعيد تسليح نفسها وتنظيم صفوفها

  ترجمة: نهى مصطفى

يتعرض الأوروبيون للإذلال والازدراء والتهميش منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصبه عام 2025. وليس من المبالغة القول إن أوروبا أصبحت هدفًا سهلًا لهجمات الرئيس الأمريكي. فالقارة، وفقًا لإدارته، تعاني من ضعف عسكري، وتهميش اقتصادي، وعدم كفاءة سياسية، وحضارة آيلة إلى الزوال. وكانت محاولة ترامب إجبار الدنمارك على التنازل عن جرينلاند عام 2025 دليلًا واضحًا على استخفاف إدارته بأوروبا. 

تبدو واشنطن متمسكة بتصوراتها عن أوروبا إلى حد أنها أغفلت التحولات الجارية فيها. فللمرة الأولى منذ عقود، يدرك الأوروبيون حجم المخاطر التي تحيط بهم، وهم اليوم أكثر استعدادًا للاستثمار في القدرات العسكرية والخدمة في القوات المسلحة لبلدانهم. ومن رحم هذه التحولات، تتبلور ببطء استراتيجية كبرى جديدة، ترسم ملامح مسار جيوسياسي واستراتيجي أوروبي مختلف. أدركت أوروبا أن نموذجها القديم القائم على الثروة دون قوة عسكرية، والنفوذ دون تضحية، والحماية دون التزام، لم يعد قابلًا للاستمرار. 

لعقود، انحازت الدول الأوروبية تلقائيًا إلى أولويات واشنطن، وكانت على استعداد لإرسال جنودها للقتال في حروب تقودها الولايات المتحدة، رغم أن كثيرًا من شعوبها، وأحيانًا حكوماتها، كانت ترى تلك الحروب مضللة أو هامشية أو مكلفة استراتيجيًا. أما أوروبا التي تستثمر اليوم بجدية في تعزيز قدراتها الدفاعية، فلن تتصرف على هذا النحو بعد الآن، وعلى واشنطن أن تستعد لذلك. 

وبعد عقود من التراخي، أدرك الأوروبيون أنهم يعيشون في عالم محفوف بالمخاطر. ووفقًا لاستطلاع أجرته المفوضية الأوروبية، يرى 77% من الأوروبيين أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل تهديدًا مباشرًا لبقاء أوروبا. ويتركز هذا القلق بدرجة أكبر في شرق وشمال القارة، إلا أن 59% من المستطلعين في ألمانيا، و50% في فرنسا، و49% في المملكة المتحدة يرون أيضًا أن روسيا تمثل أكبر تهديد لأمنهم القومي. وهذه الدول هي الأكبر والأكثر نفوذًا في أوروبا. 

يتفاقم هذا الشعور بانعدام الأمن نتيجة إدراك العديد من الأوروبيين أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الولايات المتحدة. فحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة YouGov بتكليف من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو، اعتبر 11% فقط من الأوروبيين الولايات المتحدة حليفًا، وذلك في الدول الخمس عشرة التي شملها الاستطلاع (النمسا، بلغاريا، الدنمارك، إستونيا، فرنسا، ألمانيا، المجر، إيطاليا، هولندا، بولندا، البرتغال، إسبانيا، السويد، سويسرا، والمملكة المتحدة)، بانخفاض حاد من 16% قبل ستة أشهر، و22% في نوفمبر 2024. وبينما يتراجع مستوى الثقة بالولايات المتحدة باطراد في معظم الدول التي شملها الاستطلاع، إلا أن هذا التراجع يعد ظاهرة حديثة نسبيًا في المجر وبولندا. أعربت أغلبية المشاركين في الاستطلاع في جميع الدول عن شكوكهم في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عنهم في حال وقوع هجوم، في حين ينظر 25% من المستطلَعين إلى الولايات المتحدة الآن إما كمنافس أو خصم. 

نظرًا للتهديد الروسي وعدم الثقة بالولايات المتحدة، يؤيد العديد من الأوروبيين تعزيز القدرات العسكرية. وتؤيد أغلبية في الدنمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا وبولندا والبرتغال والمملكة المتحدة زيادة الإنفاق على الدفاع الوطني. وتعد إيطاليا الدولة الوحيدة التي لا تزال فيها أغلبية واضحة تعارض ذلك. 

باتت أغلبية سكان فرنسا وألمانيا وبولندا تؤيد إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، وهي مطبقة بالفعل في دول مثل الدنمارك وإستونيا وسويسرا. وكانت بولندا وألمانيا قد ألغتا التجنيد الإلزامي في عامي 2010 و2011 على التوالي، فيما تخلت فرنسا تدريجيًا عن الخدمة العسكرية الإلزامية في أواخر تسعينيات القرن الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، ظل تأييد التجنيد الإلزامي موقفًا تتبناه أقلية في العديد من الدول الأوروبية، لكنه بات اليوم يحظى بتأييد شعبي متزايد. 

وفي الوقت نفسه، شهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعًا ملحوظًا. ففي عام 2024، أنفقت الدول الأعضاء السبع والعشرون في الاتحاد الأوروبي نحو 402 مليار دولار على الدفاع، متجاوزةً بفارق كبير الإنفاق العسكري الروسي، الذي بلغ 160 مليار دولار. واضطلعت ألمانيا بدور ريادي في هذا التحول، إذ تستحوذ حاليًا على ما يقارب ربع إجمالي الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي، لتصبح رابع أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري. ومن المتوقع أن يرتفع إنفاقها إلى 172 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 3.6% من ناتجها المحلي الإجمالي، بحلول عام 2029، بزيادة تقارب 200% مقارنة بعام 2022. وفي معظم الدول الأوروبية، قوبلت هذه الزيادة بترحيب واسع باعتبارها خطوة ضرورية لتعزيز الردع في مواجهة روسيا. 

أعادت كرواتيا وليتوانيا ولاتفيا والسويد الخدمة العسكرية الإلزامية ردًا على العدوان الروسي. أما ألمانيا، التي علقت التجنيد الإجباري عام 2011، فقد قررت إعادة تفعيل الخدمة العسكرية. ونظرًا لاعتمادها مبدئيًا على التجنيد الطوعي، تساءل صانعو السياسات، بمن فيهم الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، عما إذا كان عدد كافٍ من الشباب سيلتحق بالجيش الألماني أو البوندسفير. لكن مخاوفهم تبددت. فبحلول نهاية مارس 2026، كان 12700 شخص يؤدون الخدمة العسكرية التطوعية في البوندسفير، بزيادة قدرها 13.5% عن العام السابق، بينما تقدم نحو 22700 شخص بطلبات للالتحاق بالخدمة العسكرية، بزيادة قدرها 20%. يضع هذا التطور القوات المسلحة الألمانية على المسار الصحيح لتحقيق هدف البلاد متوسط المدى المتمثل في تجنيد 260 ألف جندي عامل و200 ألف جندي احتياطي بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، مما يعزز هدف المستشار فريدريش ميرز المعلن بجعل الجيش الألماني مرة أخرى «أقوى جيش نظامي في أوروبا». أما في السويد، فالوضع أكثر إثارة للدهشة؛ إذ يفوق عدد المتقدمين المؤهلين والمتحمسين للخدمة في قواتها المسلحة قدرتها على استيعابهم، ولا تقبل سوى أقل من عشرة بالمائة من الشباب المؤهلين الذين يتقدمون بطلبات الالتحاق. 

بعد الحرب الباردة، جعلت معظم الدول الأوروبية الازدهار الاقتصادي، بدلًا من الأمن القومي، الركيزة الأساسية لاستراتيجيتها الكبرى. وتجسدت هذه الرؤية في إيمان راسخ بالتجارة العالمية، إذ اعتقد صانعو السياسات أن الترابط الاقتصادي من شأنه الحد من الصراعات السياسية وتقليل احتمالات اندلاع الحروب. لكن روسيا حطمت هذا التصور بغزوها أوكرانيا، لتبدأ أوروبا البحث عن تصميم استراتيجي جديد وشامل. فقد انهار النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد، ودخل العالم مرحلةً تحكمها ممارسة القوة المجردة. 

يلاحظ في جميع أنحاء القارة الأوروبية توجه متجدد نحو التعاون الأوروبي. أظهر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التكاليف الاقتصادية المترتبة على مغادرة السوق الأوروبية الموحدة، حيث أشارت دراسة أجراها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني في عام 2025 كان أقل بنسبة تتراوح بين 6 و8% مما كان عليه لو لم تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي. في المقابل، كشفت مفاوضات سويسرا مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية، وضغوط ترامب على الدنمارك بشأن جرينلاند، حدود قدرة الدول الصغيرة على مواجهة القوى الكبرى منفردة. وعزز ذلك قناعة أوروبا المتزايدة بأن العمل الجماعي والتحالفات هما السبيل الأكثر فاعلية لحماية المصالح المشتركة، وهو ما انعكس في إعادة أيسلندا النظر في موقفها من عضوية الاتحاد الأوروبي، وتزايد التأييد في بريطانيا للانضمام إليه مجددًا. 

ورغم هذا الزخم، لا تزال الانقسامات الوطنية والأحزاب المتشككة في الاتحاد الأوروبي تهدد تماسك القارة. ففي فرنسا، قد يؤدي صعود حزب التجمع الوطني إلى إضعاف دعم باريس لتعميق التكامل الأوروبي، بينما يحد تنامي نفوذ حزب البديل من أجل ألمانيا من التزام برلين بمبادرات إعادة التسلح والتعاون الأمني الأوروبي. 

لذلك، من غير المرجح أن يتمكن الاتحاد الأوروبي، في ظل تباين مواقف أعضائه السبعة والعشرين، من تبني إطار استراتيجي شامل جديد، فضلًا عن إجراء التعديلات المؤسسية اللازمة لتنفيذه. فالتحول إلى تكتل دفاعي حقيقي يقتضي اعتماد آلية التصويت بالأغلبية في القضايا الأمنية، وهو ما يستلزم نقل جزء من السيادة الوطنية إلى بروكسل. وحتى في أكثر الدول تأييدًا للاتحاد الأوروبي، لا يحظى هذا الخيار بدعم سياسي واسع. ومن ثم، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو نشوء شبكة من المؤسسات والترتيبات الأمنية الأوروبية المتداخلة، بدلًا من بناء منظومة دفاعية موحدة. 

وإلى جانب حلف الناتو، بدأت بالفعل تتشكل تكتلات أوروبية تسعى إلى تعميق التكامل الدفاعي. ومن أبرز الأمثلة قوة التدخل السريع المشتركة، وهي إطار عسكري تقوده المملكة المتحدة ويضم عشر دول من شمال أوروبا، ويستهدف الاستجابة السريعة للأزمات، ولا سيما في القطب الشمالي وشمال الأطلسي وبحر البلطيق. كما تقود فرنسا مبادرة «الردع المتقدم»، التي انضمت إليها تسع دول أوروبية، وتهدف إلى دمج القدرات النووية والتقليدية الأوروبية من خلال تدريبات مشتركة، واستضافة بنية تحتية قادرة على دعم القوات النووية الفرنسية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والقدرات بعيدة المدى. وتستهدف المبادرة بناء قدرة أوروبية مستقلة على مواجهة الابتزاز النووي الروسي، في ظل تزايد الشكوك بشأن استعداد الولايات المتحدة للتدخل في مثل هذا السيناريو. 

وسيكون من الخطأ أن تراهن أوروبا على انتهاء ولاية ترامب وعودة رئيس أمريكي أكثر التزامًا بالشراكة عبر الأطلسي. فقد تحسم الحرب في أوكرانيا قبل نهاية ولايته، بما قد يعيد رسم ميزان القوى في القارة لعقود مقبلة. كما أن رحيله لن يعني بالضرورة عودة النظام القديم، إذ يتزايد اقتناع الأوروبيين بأن أي إدارة أمريكية مقبلة، بما فيها الإدارات الديمقراطية، ستواصل توجيه اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعد الصين التحدي الرئيسي للولايات المتحدة. وإلى جانب ذلك، أثارت هجمات ترامب على المؤسسات الديمقراطية، وما رافقها من تراجع في فاعلية مؤسسات الحكم الأمريكية، تساؤلات متزايدة حول قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في أوقات الأزمات. وإذا خلصت موسكو أو بكين أو أي خصم آخر إلى أن الولايات المتحدة منشغلة أو منهكة أو غير قادرة على الرد السريع، فلن يكون أمام أوروبا سوى امتلاك خياراتها الدفاعية الخاصة. 

ورغم أن إدارة ترامب قد ترحب بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، فإن العلاقات عبر الأطلسي لم تعد كما كانت. فقد رفضت إسبانيا السماح للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام مجالها الجوي خلال عملية «إبيك فيوري»، كما رفضت المملكة المتحدة استخدام القوات الأمريكية لقاعدة دييجو جارسيا، قبل أن يوجه المستشار الألماني ميرز انتقادات علنية للعملية، مما أثار غضب ترامب. وتكشف هذه التطورات عن بروز توازنات سياسية واقتصادية واستراتيجية جديدة تجعل العودة إلى نمط العلاقات التقليدي بين أوروبا والولايات المتحدة أكثر صعوبة. 

 مارينا هينكه أستاذة العلاقات الدولية في كلية هيرتي ومديرة مركز الأمن الدولي التابع لها. 

 إيرين مارينوفا باحثة في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. 

 تيل نوبلوخ باحث في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. 

 الترجمة عن Foreign Affairs.