بريد القراء

أيهما أشد أذية للقلب.. بكاء الحزن أم الأسف ؟

 

يمر الإنسان بمراحل عمرية ثلاث، الأولى عندما يبدأ طفلا، ثم شابا، ثم كهلا، بهذه المراحل يكتمل البناء الجسدي والعقلي لدى البشر منذ الخليقة الأولى.
من الناس من يمضي في طريقة مجتازا المراحل الثلاث بكافة ظروفها ومتغيراتها وأحداثها المختلفة، ومنهم من يتوقف فجأة عن المسير حيث يتوفاه الله في مرحلة معينة لا يصل إلى ما وصل إليه الأخرون من قبله أو بعده، فالموت هو الحقيقية التي لا جدال فيها ومآل البشر نحو الفناء.
بعض البشر يبكون في حياتهم من خلال وجعين، الأول يسمى اصطلاحا 'ببكاء الحزن' هو الوجع الذي يستمر مع الشخص حتى النهاية، رفيق لا ينصهر مع الزمن، بل يبقى ذلك الحاضر الغائب في حجرات القلب، وهذا يأتي من فقدان اعز الناس إلينا واقربهم منزلة ولعل أبرز ذلك هو موت ' الأب أو الأم '، فحزن فراق الأب يكسر الظهر، ويصبح الجسد مكشوفا لا يغطيه غيره، لذلك يكتشف الإنسان في وقت الفقد، مدى الضعف الذي يشعر به بعد فراق الأب، وما أدراك ما الأب، بعض الذين فقدوا آبائهم اخبرونا بأنهم يعانون كثيرا من الفراق، فالأب هو ذلك السياج الذي يحمي الأبناء من سهام الزمن، وبرحيله يصبح الفقد عظيما وربما يتآلف الألم ليصبح جزء من المعاناة اليومية، بعض الفاقدين لابائهم يتحدثون عن عدم قدرتهم على استيعاب رحيل الاب عنهم، ويسردون قصص الوجع الذي يغزو صدورهم، وكيف تبدلت احوالهم بعد رحيل الاب.
ثم يأتي الفرع الثاني من ' بكاء حزن' وهو الذي ينمو سريعا بعد موت الأم..وما أدراك أيضا ما الأم، فالابن أو الابنة يتخيل كل واحد منهم بأنه يصبح أو يمسي على صوتها، ترافقه دعواتها، يتذكر كل تفاصيل حياته الصغيرة منها والكبيرة، وكيف كانت تسهر على راحة أبنائها ؟، وكيف كانت ذلك الجندي المجهول الذي يضحي بحياته من أجل أن يعيش هو وإخوانه بخير؟.
اما النوع الثاني من البكاء فهو ' بكاء الأسف '، حيث يتأسف الانسان على عمره الذي انقضى، فعندما ينظر الى المرآة، يرى كيف تغيرت ملامح وجه، وكيف أن الشيب قد غزاه، يشعر بأن هذه العلامات ما هي الا نذير بقدوم مرحلة أخرى بعد أن اجتاز الانسان 'راس الهرم' في عمره، وآن له أن يبدأ مرحلة الانحدار التدريجي.
يتأسف الانسان الان على الماضي الذي لن يعود، ولذا فهو مطالب بأن يتعايش مع مراحل الضعف والمرض والصمود لاكبر وقت ممكن.
وأيضا الانسان يبكي بكاء الأسف من الفرع الثاني وهو عندما يدخل الى المسجد فيتسابق الأطفال في تقريب كرسي ليجلس عليه، بكاء متصل آخر عندما تبدأ خطواته بالتهادي، ويصبح غير قادر على الوقوف للصلاة واقفا مثلما كان في مرحلة سابقة، عندها يشعر الانسان بـ'الأسف' على عمره الذي قد مضى بدون ان يتوقع.
وافضل مثال على هذا الحزن ما قرأته في حديث د. أحمد خالد توفيق -رحمة الله عليه- وفيه يقول:' فجأة وجدتُ أنني في الأربعين.. الخامسة والأربعين.. ثم سن الخمسين.. هذه أرقام لم أسمع عنها قط ولم أتخيل أنها ممكنة،بدأتُ أشعر بالذعر عندما لاحظتُ أن الباعة يقولون لي يا 'حاج' والمراهقون يقولون لي يا 'عمو'.. ثم ازداد الأمر سوءًا عندما صار الأولاد المهذبون يقفون لي في وسائل المواصلات كي أجلس مكانهم'..
اذن الانسان يمر بتجربة بكاء الحزن والاسف من خلال ما ذكرناه، ولعل القاسم المشترك ما بين بكاء الحزن والاسى أن كلاهما يستنزفان من قوة الانسان الشيء الكثير، فحزن فقد الاحبة، وحزن فقد العمر كلاهما وجعه اشد من الاخر.