بريد القراء

المقاهي القديمة.. رحلة مع الزمن ووجه آخر للتغير

 

في زمن غابر، كانت المقاهي في دولنا العربية ليست مجرد مكان يقدم فيه المشروبات الساخنة، كالقهوة وأخواتها، أو يلتف الناس حول طاولاتها لسماع الحكايات أو تبادل الأفكار، وإنما كانت، بمعنى أشمل من ذلك بكثير، فبعض المقاهي، حرفيًا، كانت عبارة عن صالون ثقافي، أو ملتقى للأدباء والمفكرين والناشرين والمهتمين، لذلك كانت المقاهي تؤدي أدوار البطولة في حياة الناس، فهي المتنفس الذي يخرجهم من زحام الحياة والمسؤوليات اليومية إلى فسحة يتذوقون فيها أصنافًا متعددة من الإبداع الأدبي.
تغيرت الحياة، وظهرت نماذج وسلوكيات جديدة أفقدت المقاهي القديمة رونقها وحضورها وأهميتها لدى المتلقي، فاليوم لم تعد المقاهي تؤدي دورها بذلك المفهوم القديم الذي عرفه القدماء من الناس، وإنما خرج هذا المكان من هدفه الثقافي ليكون مكانًا يرتاده الناس، ليس طمعًا في استرداد ما سلبه الزمن من خصوصية المكان والزمان، أو الدور الذي لعبته تلك المقاهي وسط الأحياء السكنية في حياة الناس، إنما يرتادونه لأنه يفصلهم عن عالمهم بطابع عصري وتقني يواكب رتم الحياة.
يقول الشاعر الراحل محمود درويش: 'إن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق؟'.
في الوقت الراهن أصبحت المقاهي تستهدفها بكثرة فئة الشباب من الجنسين، وأيضًا بعض المتقاعدين الذين يحبذون الجلوس لساعات طويلة في أماكن محددة، خاصة في بعض المراكز التجارية التي تعج بالناس، وكأن هذا المكان ما هو إلا استذكار لأدوات العمل التي خرجوا منها عندما كان لديهم زملاء في المكتب ومراجعون واقفون في شبابيك إنجاز المعاملات في بعض القطاعات الخدمية، أو للالتقاء بزملائهم من المتقاعدين من قطاعات مختلفة.
لم تعد المقاهي القديمة في المدن العتيقة بذلك الحضور، وأصبحت شاشات التلفاز تقدم المباريات كنوع من التحفيز للشباب على الحضور إلى هذا المكان، وترويج صريح للعمل التجاري بعيدًا عن القيمة الثقافية أو الفنية التي تقدمها المقاهي، سواء في شكلها التراثي أو دورها الريادي.
ليس خطأ أن نواكب التقدم، ولكننا نجد أنفسنا نعقد مقارنة غير عادلة ما بين الماضي والحاضر، فالماضي كان الناس يعتبرون المقاهي فسحتهم التي تبعدهم عن العمل والحياة معًا، أما اليوم فالمقاهي القديمة لم تعد كما كانت، فقد تحولت من مساحات هادئة وادعة مع صوت المذياع وتبادل الأحاديث والأدب إلى مساحات رقمية صاخبة تقدم القهوة السريعة بأنواعها المختلفة دون الخوض في تفاصيل المكان وأهمية وجوده، إضافة إلى ذلك أن بعض الناس أصبحوا يمارسون أعمالهم في المقاهي من خلال الجلوس على أجهزة الحاسوب لساعات طويلة، وأيضًا عقد بعض لقاءات العمل في بعض المقاهي الكبيرة.
والمقاهي الشعبية في بعض العواصم العربية لم تعد كما كانت في حقبة زمنية ماضية، وعندما تسأل عن السبب، يجتمع الناس على جواب واحد، وهو: 'المقاهي القديمة فقدت أهلها فصارت أثرًا بعد عين'، فالجيل القديم الذي كان له حضوره وتفضيله لهذا المكان قد رحل، والجيل الحالي لا يريد أن يعيش أجواء ليست أجواءه، بل يريد أن يعيش الحاضر كما يراه بعينه.
في العراق ومصر ولبنان، وحتى في بعض دول الخليج، كانت المقاهي القديمة ملتقى الأدباء والشعراء وغيرهم، وأجواء المقاهي لم تكن تخلو من لمِّ الشمل، فكان الصغير والكبير يرتادان المقاهي، أما اليوم فأغلب الحضور هم من فئة الشباب.
وبحسب ما هو وارد في آراء النقاد والكتاب، فإن ردهات المقاهي القديمة لم تكن يومًا مجرد جدران أسمنتية، أو أماكن يشرب فيها الناس القهوة المُرّة، بل كانت عبارة عن مساحات دافئة تعج بالذكريات التي لا تُنسى، والبعض ذهب إلى أبعد من ذلك، على اعتبارها وطنًا يجتمع فيه الرفاق، يتبادلون أحاديثهم الطيبة ويقضون أوقاتًا لا تُنسى.