مفتاح "الصحوة" الذهبي
هوامش.. ومتون
الأربعاء / 22 / محرم / 1448 هـ - 19:50 - الأربعاء 8 يوليو 2026 19:50
في مهرجان المسرح العُماني الأول الذي أُقيم عام 2004م كان أول عرض رسمي قُدِّم في المهرجان بعد حفل الافتتاح الذي احتضنه قصر البستان هو عرض مسرحية (الجفاف) التي كتبها د. صالح الفهدي، وأخرجها خالد الراشدي. وكان العرض بداية موفقة لعروض أظهرت طاقات الشباب ومواهبهم، فتعرفت على الفرقة التي تُعد أول فرقة أهلية تأسست في السلطنة عام 1987م، وتوثقت علاقتي بها بعد اختيارها نص (ضجة في منزل باردي) للمخرج السوري سعيد عامر، لتمثيل المسرح العُماني في مهرجان جلجامش المسرحي لعروض الديودراما الذي أُقيم في المنامة خلال الفترة (22-31 مايو 2015م)، وكان من أداء: درويش المبسلي ونادية عقيل.
وصرتُ كلما استرجعت تاريخ الحركة المسرحية العُمانية تستوقفني روح الحماس التي ملأت قلوب الفنانين الشباب من أعضاء الفرقة، ورافقتهم منذ تأسيسها عام 1987م باعتبارها أول فرقة مسرحية أهلية عُمانية. ولفتت نظري خطوة رائدة أقدمت عليها الفرقة عندما أخرج الفنان خليفة بن عثمان البلوشي مسرحية (المفتاح) في مارس 1990م، وجعلت الدخول لمشاهدة العرض يمر عبر شباك التذاكر، فكان أول عمل مسرحي عُماني يُعرض للجمهور بتذاكر، ومثلت خطوة جريئة جاءت في وقت مبكر؛ فالجمهور كان قد اعتاد الدخول إلى المسرح بالمجان. لذا واجهت الفرقة صعوبات في إقناع الجمهور، وتقبله فكرة دفع مبلغ مقابل حضور عرض مسرحي، لكنها أصرت على ذلك، وغامرت بعرض توقعت أنه سيُقدَّم للكراسي الفارغة، لكن النتيجة كانت مختلفة تمامًا؛ إذ تجمهر الجمهور أمام شباك التذاكر، ودفع ثمن التذاكر، ومع فتح الستار وتصفيق الجمهور تعبيرًا عن استمتاعهم بالعرض نجحت الخطوة خصوصًا أن مسرحية (المفتاح) -التي كتبها الفنان العراقي يوسف العاني (1927-2016م)- راعت الجانب الفرجوي؛ فالنص قام بتحويل الموروثات الشعبية إلى فرجة مسرحية ضمن بناء درامي محكم غني بالدلالات، ويدور بطلا العرض (حيران) و(حيرى) في حلقة مفرغة، وكل باب يؤدي إلى آخر ضمن سلسلة من المتاهات، والدوران في فراغ لا يؤدي إلى نتيجة: الثور يريد حشيشًا، والحشيش في البستان، والبستان يريد مطرًا، والمطر عند الله، وتستمر السلسلة: «الصندوق يريد المفتاح، والمفتاح عند الحداد، والحداد يريد الفلوس، والفلوس عند العروس، والعروس بالحمام، والحمام يريد القنديل، والبئر يريد الحبل، والحبل بقرون الثور، والثور يريد الحشيش، والحشيش بالبستان»، ليكتمل دوران الحلقة، ونعود إلى الخطوة الأولى دون الحصول على نتيجة تُذكر. وتأتي هذه السلسلة في إطار درامي يقوم على حكاية بطلي المسرحية اللذين يكتشفان في النهاية أنهما يطاردان الأوهام عبر مشاهد مليئة بالمفارقات الكوميدية، فأسهم النص في صنع هذه الفرجة، ونجح في استقطاب الجمهور، فليس كل عرض ينجح في ذلك، ويجعل الجمهور يقطع مسافة للوصول إلى المسرح، ثم يدفع ثمن تذكرة لقاء مشاهدة عرض مسرحي، إن لم تتوافر في العرض عناصر الفرجة.
وقد أسست تلك الخطوة ثقافة جديدة رسخت مفهوم شباك التذاكر، ومنحت المسرحيين العُمانيين الثقة بأنهم قادرون على تحويل المسرح إلى نشاط يدر على العاملين به مردودًا يغنيهم عن البحث عن مصادر دعم وتمويل، ففتحت الباب أمام الفرق الأخرى لخوض هذه التجربة، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية والأجنبية فيما يُسمى بـ(المسرح الجماهيري)، خصوصًا أن حضور العروض مقابل ثمن آلية عرفها العالم في عصر المسرح الإليزابيثي في أواخر القرن السادس عشر، وتحديدًا في عام 1586م، وقد بدأ بجمع الرسوم في صندوق مثبت على عصا طويلة، وحين ازداد مرتادو المسرح ظهرت الحاجة إلى جمع المبالغ قبل دخول القاعة، فظهر شباك التذاكر، ومن يومها دخل المسرح مجال الاستثمار الثقافي.
ونجحت الفرق المسرحية في محافظة ظفار بتقديمها عروضًا جماهيرية في مهرجان ظفار السياحي، فوفرت دخلًا للعاملين بها، ودعمت ميزانياتها، فأعطى عرض (المفتاح) للمسرحيين العُمانيين مفتاحًا لحل مشكلات الدعم، وكان الأمر يحتاج إلى الاستمرارية، وكما هو معروف؛ فإن الاستمرارية تصنع تحولات كبيرة تظهر نتائجها لاحقًا، لكن هذا لم يحصل إلا ضمن نطاق ضيق ومحدود باستثناء الفرق المسرحية الظفارية، كما أشرنا. ومن بين الاستثناءات التي شهدتها في عام 2016م العرض الجماهيري «صلبوخ، وعائلته الكريمة» الذي قدمته فرقة مسرح عُمان على قاعة نادي المصنعة الرياضي، وكان من إخراج وبطولة الفنان فيصل طلال العامري، وعرض (ولد البلد) الذي جرى تقديمه في أكتوبر 2019م على قاعة المسرح الكبير (مسرح العرفان)، وكان من بطولة: صالح زعل، وفخرية خميس، وجمعة هيكل، وعبدالغفور البلوشي. وفي افتتاح أيام تواصل المسرحية 2022م رفعت فرقة (تواصل) شعار: (احجز تذكرتك الآن) لمشاهدة مسرحية (المهاجر)، التي كتبها بدر الحمداني، وأخرجها سامي البوصافي، ومثلها الفنان عبدالحكيم الصالحي.
وتتعدد التجارب والمحاولات، لكنها لم تشكل ظاهرة تواصل خطوة فرقة (الصحوة) عندما أمسكت بـ(المفتاح) الذهبي.