قل «لا» للعمل عن بُعد
الثلاثاء / 21 / محرم / 1448 هـ - 19:53 - الثلاثاء 7 يوليو 2026 19:53
نصيحتي إلى المليوني شاب وشابة الذين تخرجوا بدرجة البكالوريوس خلال الأشهر القليلة الماضية ويخطون الآن أولى خطواتهم في حياتهم المهنية هي: اذهبوا إلى العمل - وليس بالمعنى المجازي فحسب، بل بالمعنى الحرفي أيضًا. فإذا كانت وظيفتك تتيح نظام العمل الهجين، فلا تستفد منه. ولكن احرص على أن تكون خلف مكتبك خمسة أيام في الأسبوع (أو ستة حتى!). أما إذا كانت وظيفتك تُؤدَّى عن بُعد بالكامل، فابدأ بالبحث عن وظيفة جديدة.
كنتُ أقدّم النصيحة نفسها في عام 2021، عندما قرر ملايين العاملين في الوظائف المكتبية أن العمل عن بُعد هو أحد الجوانب التي فرضتها إغلاقات جائحة كوفيد-19 ويرغبون في الاحتفاظ بها. في ذلك الوقت، لم تكن لدينا أدلة كثيرة بشأن آثار العمل من المنزل في سوق العمل. أما اليوم، فأصبحت لدينا تلك الأدلة.
في دراسة جديدة، توصّل الاقتصاديتان ناتاليا إيمانويل وإيما هارينغتون، مؤلفتا كتاب «وجهًا لوجه: كيف يعزز العمل المشترك الإبداع والإنتاجية والنمو» In Person: How Working Together Fuels Creativity, Productivity, and Growth ، إلى جانب الاقتصادية في جامعة هارفارد أماندا باليس، إلى أن معدل البطالة بين خريجي الجامعات الذين تقل أعمارهم عن 29 عامًا كان أعلى في عام 2025 بمقدار 1.3 نقطة مئوية مقارنة بعام 2019 (أي قبيل الجائحة والزيادة التي بلغت أربعة أضعاف في عدد العاملين عن بُعد). أما بين خريجي الجامعات الأكبر سنًا، فقد ارتفع معدل البطالة بمقدار 0.4 نقطة مئوية فقط خلال الفترة نفسها.
ولتفسير هذا التباين، قارن الباحثون معدلات البطالة بين العاملين في الوظائف التي يسهل أداؤها عن بُعد (مثل مهندسي البرمجيات) والعاملين في الوظائف التي يصعب أداؤها عن بُعد (مثل المهندسين الميكانيكيين). وخلصوا إلى أن العمل عن بُعد مسؤول عن نحو ثلثي فجوة البطالة بين خريجي الجامعات الذين تقل أعمارهم عن 29 عامًا ونظرائهم الأكبر سنًا. والأهم من ذلك، أن هذه النتائج ظلّت متماسكة حتى بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان مدى تعرّض كل مهنة لأتمتة المهام باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتتوافق هذه النتائج مع ما خلصت إليه دراسة جديدة ثانية. فقد درس الاقتصاديان بيتر جون لامبرت ويانيك شيندلر أربع دول ناطقة بالإنجليزية، من بينها الولايات المتحدة، ووجدا أن انتشار العمل عن بُعد بعد الجائحة أدى إلى تحول في كلٍّ من التوظيف والوظائف الشاغرة، بما منح الأفضلية للعاملين الأكثر خبرة على حساب أولئك الذين لا يملكون سوى بضع سنوات من الخبرة العملية. كما يبيّنان أن ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي وتزايد استخدامها لم يكن له أي أثر في تراجع الطلب على الكفاءات المهنية المبتدئة.
وآمل أن تشكل هذه النتائج مصدرًا للدافع بالنسبة إلى الشباب من خريجي الجامعات. فمن مصلحتهم، إلى حدٍّ كبير، أن يذهبوا إلى العمل — حضورًا، لا عن بُعد. فأصحاب العمل يبتعدون على نحو متزايد عن توظيف العاملين قليلي الخبرة في الوظائف التي تُؤدَّى عن بُعد، لأن مثل هذه الترتيبات تتطلب قدرًا أكبر من الإشراف، وجهدًا أكبر لبناء المعارف والمهارات الجديدة. وتلبية هذه الاحتياجات تصبح أصعب بكثير - وبالتالي أكثر كلفة - عندما يكون الموظف الجديد جالسًا في منزله على الأريكة، ويتواصل مع زملائه عبر منصة «زوم».
وعلى النقيض من ذلك، فإن بيئة العمل الحضورية تتيح للخريجين الجدد أن يطوّروا ذكاءهم العاطفي بوتيرة أسرع، وهو عنصر بالغ الأهمية للنجاح في كثير من المهن. فقراءة لغة الجسد، والتقاط التغيرات في تعابير الوجه ونبرات الصوت، مهارات أساسية لا يمكن اكتسابها بسهولة عبر «زوم». كما أن روح الزمالة والتماسك بين أفراد الفريق تتكوّن على أفضل وجه من خلال التفاعل المباشر والمتكرر. وبالنسبة إلى العاملين قليلي الخبرة الذين يسعون إلى بناء شبكاتهم المهنية والتعرّف إلى فرص جديدة للتقدم الوظيفي، فإن اللقاءات العفوية عند آلة إعداد القهوة أو في موقف السيارات قد تكون ذات قيمة لا تُقدَّر بثمن.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من الأشخاص في بدايات حياتهم المهنية يحرمون أنفسهم من هذه المزايا. فبعضهم يفعل ذلك سعيًا إلى تعظيم وقت الفراغ، أو بدافع شعور مبالغ فيه بقيمة ما يقدّمونه لأصحاب العمل. لكنني أرجّح أن هذا الاتجاه يمكن تفسيره، إلى حدٍّ كبير، بسبب أكثر بساطة: فأصحاب العمل كثيرًا ما يقدّمون نظام العمل الهجين بوصفه ميزة وظيفية، فيقبل عليه العاملون الشباب. غير أنهم ينبغي أن يقاوموا هذا الإغراء. فمجرد إتاحة العمل عن بُعد لا يعني أنه يجب الاستفادة منه.
وماذا عن العاملين الذين يمتلكون أكثر من بضع سنوات من الخبرة؟ هنا، قد لا يكون الحل الأمثل لمعظمهم هو العودة الكاملة إلى عالم عام 2019. ففي تقديري، يمكن الحد بدرجة كبيرة من التكاليف التي يفرضها نظام العمل الهجين على العاملين إذا كانوا يتمتعون أصلًا بعلاقات راسخة في بيئة العمل، بُنيت عبر تفاعلات حضورية مستمرة على مدى فترة طويلة. وعلى خلاف العاملين في أوائل العشرينيات من العمر، فإن العاملين الأكثر خبرة غالبًا ما تقع على عاتقهم مسؤوليات حقيقية في حياتهم الشخصية مثل رعاية الأطفال أو الوالدين المتقدمين في السن يتعين عليهم الموازنة بينها وبين مسؤولياتهم المهنية. وهذا، في جانب منه، يفسر السبب الذي يجعل الناس يقدّرون العمل عن بُعد من الأساس.
ومن منظور أصحاب العمل، يبدو أن نظام العمل الهجين يضر بالإنتاجية بدرجة أقل من العمل عن بُعد الكامل؛ بل إنه قد يسهم، في بعض الظروف، في تعزيز الإنتاجية. كذلك، كان العمل عن بُعد ذا فائدة كبيرة للأشخاص ذوي الإعاقة. فقد أصبحت معدلات التوظيف بين هذه الفئة أعلى بكثير مما كانت عليه في السنوات التي سبقت الجائحة. ويخلص الاقتصاديون نيكولاس بلوم، وغوردون ب. دال، ودان-أولوف روث إلى أن الزيادة في العمل من المنزل بعد الجائحة تفسر أكثر من ثلثي الزيادة في معدلات التوظيف بدوام كامل بين الأشخاص ذوي الإعاقة. ويمكن تشبيه انتشار العمل عن بُعد باعتماد تقنية جديدة تتيح للشركات الاستفادة بصورة أكمل من إبداع الأشخاص ذوي الإعاقة وجهودهم ومهاراتهم.
ومع ذلك، وحتى بالنسبة إلى المهنيين الأكثر خبرة، فقد بلغ العمل عن بُعد حدًّا مبالغًا فيه. ومن المرجح أن يميل الميزان مجددًا نحو ترتيبات العمل الحضوري إذا فقد سوق العمل بعضًا من زخمه وبدأ معدل البطالة في الارتفاع.
ونظرًا إلى كثرة المخاطر والسلبيات، فإن الرسالة التي ينبغي أن يسمعها العاملون الشباب لا تحتمل كثيرًا من التفصيل أو التحفظ: احضر إلى مكان العمل بنفسك. اعمل بجد. اطرق الأبواب. احرص على الوصول إلى المكتب قبل وصول مديرك، ولا تغادره قبل أن يغادر هو أو هي.
فالانطباعات الأولى لها أهميتها، وكما يمكن أن تبدو خلفية مكالمة عبر «زوم» ضبابية ومشوَّهة، فإن الانطباع الذي تتركه عن نفسك قد يصبح هو الآخر باهتًا ومشوَّهًا ما لم تكن واقفًا وجهًا لوجه أمام الآخرين.
مايكل ر. سترين مدير دراسات السياسة الاقتصادية في «معهد أميركان إنتربرايز»، وهو مؤلف كتاب «الحلم الأمريكي لم يمت (لكن الشعبوية قد تقتله).
خدمة بروجيكت سنديكيت