جلسة نقاشية تفتح أسئلة الوعي والهوية وتمثلات الآخر في الأدب والثقافة
الثلاثاء / 21 / محرم / 1448 هـ - 19:11 - الثلاثاء 7 يوليو 2026 19:11
كتب ـ فيصل بن سعيد العلوي
نظّم المنتدى الأدبي بوزارة الثقافة والرياضة والشباب الجلسة الحوارية الثانية ضمن برنامجه الثقافي 'آفاق حضارية' وحملت الجلسة عنوان 'الصورة بين الآخر المتخيل وعصر الخوارزميات'، بمشاركة الأستاذ الدكتور محروس محمود القللي، والدكتور ياسر إبراهيم منجي، وأدارتها الدكتورة نجلاء بنت سالم السعدي.
تناولت الجلسة تحولات مفهوم الصورة في الأدب والثقافة المعاصرة، من تمثلات الآخر في الرواية العُمانية إلى سلطة الصورة في العصر الرقمي، وكيف أسهمت الخوارزميات والوسائط البصرية في إعادة تشكيل الوعي الثقافي وإنتاج الصور الذهنية وتداولها.
سلطة الصورة
واستعرض الدكتور ياسر إبراهيم منجي في ورقته 'سُلطة الصورة في العصر الخوارزمي: كيف تصوغ الوسائط البصرية وعينا الثقافي المعاصر؟' التحولات التي شهدها مفهوم الصورة عبر التاريخ، مبينا أن تأثيرها لم يعد يقتصر على كونها وسيلة للتعبير أو التوثيق لكنها في الوقت نفسه أصبحت قوة ثقافية واقتصادية قادرة على تشكيل الوعي وتوجيه السلوك وصناعة النفوذ، كما إن الحضارات القديمة أدركت مبكرا سلطة الصورة، ثم تطور حضورها مع الفلسفة والأدب والفن التشكيلي والسينما، حتى دخلت اليوم مرحلة جديدة في العصر الخوارزمي حيث باتت الصورة تنتج وتروج وتستهلك ضمن منظومات رقمية معقدة تتجاوز حدود الإنسان الفرد، وإن الفلسفة والأدب العالميين قدما نماذج مبكرة تكشف هذه السلطة؛ فرواية 'صورة دوريان غراي' جعلت الصورة تتحمل آثار الزمن بدل صاحبها وبعدد من الأعمال الفنية التي أعادت إنتاج الرواية بصريا، ليؤكد أن الصورة إضافة إلى أنه تصنع الانطباعات فإنها يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية تفرض الهيمنة وتبني الشهرة وتصوغ المكانة العامة، وقراءة تاريخ الثقافة تكشف شواهد كثيرة تؤكد أن الصورة كانت دائما أداة لتشكيل الوعي وإعادة إنتاج الواقع.
ورأى 'منجي' أن سلطة الصورة لا تنشأ من العمل الفني وحده، إنما من الجهات التي تتحكم في تداوله ورواجه وحجبه، مستلهما أفكار ميشيل فوكو حول سلطة الخطاب وقال: إن المؤسسات الكبرى قادرة على صناعة حضور صورة معينة أو إقصائها، وهو ما يفسر اختلاف مستويات الشهرة بين الفنانين والمبدعين رغم تقارب مواهبهم؛ لأن الرواج الإعلامي أصبح جزءا من صناعة القيمة الثقافية، واستشهد بلوحة 'لاس مينيناس' لفيلاسكيز، مبينا كيف يمكن للصورة أن تعيد توزيع مراكز السلطة داخل العمل الفني، فتجعل المهمش في مركز المشهد وتدفع صاحب السلطة إلى الهامش.
وأضاف الدكتور ياسر إبراهيم 'أن دراسات علم الأعصاب وعلم النفس التجريبي أثبتت أن بعض الأعمال الفنية تمتلك قدرة استثنائية على جذب المتلقي وإبقائه أسيرًا لتأثيرها، فمثلا تجارب أجريت على لوحات عالمية وبالحضور المتجدد للوحة 'الموناليزا' رغم بساطتها، فالحديث عن 'اقتصاد الصورة' في عصر منصات التواصل الاجتماعي يؤكد أن الصور الأكثر تداولا تمنح أصحابها سلطة رمزية وشهرة قد تتجاوز ما كانت تمنحه وسائل الإعلام التقليدية؛ فالصورة تحولت اليوم إلى رأسمال ثقافي واقتصادي يعيد تشكيل موازين القوة في المجتمع.
الآخر في المتخيل
بعدها قدّم الأستاذ الدكتور محروس محمود القللي ورقته حول 'الآخر المتخيل في الرواية العُمانية المعاصرة'، وقال فيها: إن اهتمامي بعلم الصورة (Imagology) جاء امتدادا لعملي في الأدب المقارن وإشرافي على عدد من البحوث الأكاديمية، وأعمل حاليا على مشروع علمي يتناول صورة الآخر في الرواية العربية والعالمية؛ لأن الصورة التي يصنعها الأدب لا تقل أهمية عن الصورة التي تنتجها وسائل الإعلام أو الفنون الأخرى، وهذه الدراسة انطلقت من سؤال أساسي: كيف تقدم الرواية صورة الآخر؟ وهل يمكن التعامل مع هذه الصورة باعتبارها حقيقة أو وثيقة تاريخية؟ وأرى أن الرواية لا تقدم وثائق بقدر ما تقدم رؤى فنية وثقافية، لذلك لا يجوز عزل النص عن سياقه ولا عن زمنه ولا عن الظروف التي كُتب فيها، كما لا يمكن محاسبة الرواية باعتبارها تسجيلا حرفيا للواقع.
وأضاف 'القللي' أن علم الصورة لم يعد يقتصر على تتبع صورة الآخر، إنما أصبح يدرس كذلك صورة الذات وتحولاتها داخل المجتمع نفسه، ويبحث في الكيفية التي تتشكل بها صور المدن والشعوب والهويات والثقافات داخل النصوص الأدبية، وهي صور تتبدل بتبدل السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية، كما أن هذا المجال يمثل اليوم أحد الفروع المهمة في الأدب المقارن، ويسهم في قراءة الأعمال الأدبية كونها نصوصا تحمل رؤى ثقافية أكثر من كونها تقدم حقائق نهائية.
وقال 'القللي': إن قراءتي للرواية العُمانية انطلقت من محاولة إدراجها ضمن فضاء الأدب المقارن، لا باعتبارها تجربة محلية معزولة، بل جزءٌ من المنجز الإنساني القابل للمقارنة مع الآداب العالمية، ولذلك عملت على تطبيق مناهج الأدب المقارن على عشرات الروايات العُمانية، متتبعا صورة المدن والشخصيات والآخر والهوية، إلى جانب الإفادة من مدارس الأدب المقارن، ولا سيما المدرسة الأمريكية التي تتيح المقارنة بين النصوص انطلاقا من تشابه الأفكار والبنى الثقافية، لا من شرط التأثير المباشر وحده.
واستعرض الدكتور محروس محمود عددا من النماذج الروائية العُمانية التي تناولها في دراساته، مبينا أن صورة الآخر ليست ثابتة داخل الرواية إنما تتغير تبعا لتحولات المجتمع والسياق التاريخي ورؤية الكاتب، كما أن الأدب يتيح قراءة التاريخ من زاوية مختلفة؛ لأنه لا ينافس الوثيقة التاريخية، بل يقدم معالجة فنية تكشف ما تعجز الوثائق عن إظهاره من أبعاد إنسانية وثقافية. ورأى أن فهم صورة الآخر يقتضي قراءة النص في ضوء ظروف إنتاجه؛ لأن الشخصية والمكان والحدث تتشكل جميعها داخل منظومة سردية تعكس رؤية المؤلف والعصر الذي ينتمي إليه.
وختم الأستاذ الدكتور محروس محمود القللي بالتأكيد على أن صورة الآخر في الأدب الأوروبي، ولا سيما صورة الإسلام والمسلمين، مرت بتحولات كبيرة عبر التاريخ وتأثرت بالظروف السياسية والدينية والثقافية، وهو ما يجعل دراسات علم الصورة أداة مهمة لفهم الكيفية التي تتكون بها الصور الذهنية وتتغير عبر الأزمنة، سواء في الأدب العربي أم في الآداب العالمية.
مداخلات ونقاشات
واختُتمت الجلسة بمداخلات وأسئلة الحضور تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور المضللة واستمرار توظيف الصورة في تشكيل الوعي العام قديما وحديثا، ومدى تأثير الصور المتداولة في تغطية الحروب والصراعات على تشكيل مواقف الشعوب، إلى جانب دور الرواية العُمانية في استعادة التاريخ وتقديم صور مختلفة للذات والآخر، وكيفية تشكل الصور النمطية في الأدب والمجتمع.
وفي معرض ردودهما، أكد الباحثان أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تُنشئ ظاهرة التزييف البصري، بل طورت أدواتها؛ فالتاريخ عرف أشكالا متعددة من صناعة الصورة وتوجيهها عبر اللوحة الفنية والكتابة ووسائل الإعلام، وهو ما يجعل تنمية الوعي النقدي لدى المتلقي ضرورة لفهم ما يستهلكه من صور ومضامين، وأن الرواية لا تُقرأ باعتبارها وثيقة تاريخية؛ إنما معالجة فنية تتيح إعادة التفكير في الأحداث والشخصيات وسياقاتها، وأن العودة إلى التاريخ في العمل الأدبي تنطلق غالبا من أسئلة الحاضر أكثر من انشغالها بالماضي نفسه.
وتوقفت المناقشات عند الصور النمطية التي تكرسها بعض الأعمال الأدبية والخطابات الاجتماعية تجاه فئات أو مجتمعات بعينها، مؤكدين أن الأدب الحقيقي لا يرسخ هذه الصور ولا يعيد إنتاجها، إنما يفككها، ويخضعها للمساءلة النقدية، ويكشف السياقات التاريخية والاجتماعية التي أفرزتها، بما يتيح قراءات أكثر عمقًا وانفتاحًا للذات والآخر.