جنوب لبنان.. ماذا بعد «اليونيفيل»: فراغ أمني أم قوة بديلة ؟
الاثنين / 20 / محرم / 1448 هـ - 22:12 - الاثنين 6 يوليو 2026 22:12
بيروت- وفاء عواد
على مدى نحو خمسة أشهر، وتحديدًا منذ 2 مارس الفائت، كان جنوب لبنان مسرحًا للتفاوض بالنار. ورغم وقف إطلاق النار المنصوص عليه في مذكّرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية أولًا، وفي «اتفاق الإطار» الذي وقّعته بيروت وتلّ أبيب، برعاية واشنطن، ثانيًا إلا أن ما كُتب على الورق لم يطابق حتى تاريخه مواصفات الميدان جنوبًا، حيث إسرائيل لا تزال تثبت مواقعها في «المنطقة الصفراء» وتعزلها تدريجيًا بالحواجز، ومنها حاجز مستحدث عند محلّة «إسكندرونا» على المدخل الشمالي لبلدة الناقورة الحدودية، والتي يوجد على أرضها المقر العام للقوات الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل».. أمّا النتيجة، فتدمير أكثر من 60 مدينة وبلدة وقرية جنوبية، بمعالمها التي أصبحت أثرًا بعد عين، ومساحة جغرافية محتلّة تُقدّر بأكثر من 450 كيلومترًا مربّعًا، وهي في غالبيتها تتشكّل من التلال والهضاب والمرتفعات الحاكمة، فيما الحصيلة التراكميّة للحرب، منذ 2 مارس الفائت حتى يوم أمس، بلغت 4319 شهيدًا و12203 جريحًا، وفق بيانات وزارة الصحّة العامّة.
ووسط هذه المشهدية، حيث تبدو الحرب وكأنّها لم تتوقف يومًا، وحيث أن كلّ يوم يكشف عن مآسٍ وتجريف وتدمير، وتأجيل عودة الأهالي، حتى الى القرى غير المشمولة بـ«الخط الأصفر» أو ما تسمّيه إسرائيل بـ«المنطقة الأمنيّة» التي لن تنسحب منها قبل نزع سلاح «حزب الله»، وفي عزّ الحراك الديبلوماسي الذي ترعاه واشنطن حول «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل، تتّجه الأنظار إلى مستقبل الوجود الأممي في جنوب لبنان، مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفيل» في 31 ديسمبر من العام الجاري. وذلك، في ظلّ ظروف معقّدة يشهدها الجنوب، مع استمرار احتلال إسرائيل أجزاءً من الأراضي اللبنانية، وفرض ما يُعرف بــ«الخطّ الأصفر» كحدود أمنية بالنار، كما في ظلّ مسار تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب متغيّرات إقليمية ودولية، ليس أقلّها الاتفاق الأمريكي- الإيراني وما يندرج في إطاره من تفاهمات.
حركة «مقيّدة»
وفيما المهام الرئيسية لهذه القوّات المنتشرة جنوب الليطاني، وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني شمالًا و«الخطّ الأزرق» جنوبًا على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، لم تتغيّر حتى تاريخه، على الرغم من الحرب الممتدّة منذ أشهر، والتي طاولتها بشكل مباشر، فإن جنودها، البالغ عددهم نحو 7500 قادمين من 47 دولة، الذين لا يزالون في كافة مواقعهم، ويواصلون مراقبة الوضع ورفع التقارير عن الانتهاكات التي يرصدونها، يواجهون أحيانًا «قيودًا تحدّ من حرية حركتهم داخل المناطق المحتلّة، بما في ذلك إغلاق الطرق بسبب الحواجز والأنقاض وعوائق أخرى»، على حدّ تعبير الناطق الرسمي باسمها داني غفري.
وبهذا المعنى، فإن الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي في «المنطقة الأمنية» التي أقامها على الحدود مع لبنان، والممتدّة لأكثر من 10 كلم داخل العمق اللبناني، قلّصت حركة هذه القوات، وخصوصًا بعدما قام يوم الأربعاء الفائت بنقل البوّابات التي كانت قائمة عند السياج الحدودي إلى داخل الأراضي اللبنانية، وتحديدًا إلى نقاط متقدّمة من «المنطقة الأمنية»، وذلك في أول إجراء عمليّ منذ عام 2000.
أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فكلامٌ عن أن معركة «اليونيفيل» بدأت، وإسرائيل تضغط لإخراج هذه القوّات الدولية من لبنان.. فماذا بعد «اليونيفيل»، التي تعمل تحت راية الأمم المتحدة وبتفويض من مجلس الأمن، في إطار مهمّة بدأت في العام 1978، والتي تعيش اليوم عامها الأخير؟
سيناريوهات مطروحة
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، تشير مصادر سياسية إلى أن البحث في وجود أممي على الحدود اللبنانية الجنوبية قد بات على الطاولة. ففي تطوّر لافت، كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره، الذي أعدّه أخيرًا وتمّ توزيعه على أعضاء مجلس الأمن، أنّه يدرس خيارات عدّة لما بعد انتهاء مهمّة «اليونيفيل». وإذ أشار إلى أنّ الحدود تبقى همًّا أمميًّا، فإنه قدّم 3 خيارات أمام مجلس الأمن لمرحلة ما بعد «اليونيفيل»، الأوّل يقوم على نشر قوّة من المراقبين العسكريين غير المسلّحين، قوامها 350 عنصرًا نظاميًا، على أن تؤمّن حمايتها قوّة مسلّحة تابعة للأمم المتحدة، ليبلغ العدد الإجمالي نحو 5525 عنصرًا، والثاني يقضي بخفض عديد القوّة، مع الحفاظ على تركيبة مشابهة للخيار الأوّل، بما يؤدّي إلى تقليص التكاليف، فيما الخيار الثالث يتمثل بخفض إضافي للعديد بهدف تقليل النفقات.
وفي وقت تشتدّ فيه الحاجة إلى هذا الدور، في ظلّ المتغيّرات والمعطيات الجديدة، والمفتوحة على احتمالات متعدّدة خلال هذه المرحلة الانتقالية، التي لا يستطيع أحد تحديد مداها الزمني أو استشراف انعكاساتها على «المسرح الإستراتيجي»، الذي يتجاوز لبنان بطبيعة الحال، أعلنت فرنسا وإيطاليا أنهما ستقودان تحرّكًا لتشكيل تحالف دولي لدعم لبنان بعد انتهاء مهمّة «اليونيفيل»، بهدف استكمال الوجود الدولي في الجنوب ومنع أيّ فراغ أمني. كما أشارت تقارير دولية إلى نقاشات حول دور أوسع قد تضطلع به دول، مثل فرنسا وبريطانيا وقطر، ضمن ترتيبات أمنية جديدة لمرحلة ما بعد الحرب. أمّا لبنانيًا، فإن ثمّة إجماعًا على أن مصلحة لبنان المطلقة تكمن في التجديد لهذه القوات، التي هي قوات حفظ سلام وليست قوات اشتباك، وذلك منعًا للفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء التفويض مع نهاية العام الجاري.
وفي السياق، تردّدت معلومات مفادها أن الطروحات بإنشاء قوة أوروبية مشتركة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لخلافات دولية سابقة، لا سيّما بعدما باتت «اليونيفيل» ضحية لضغوط متقابلة، حدّت من قدراتها على تنفيذ مهامها. وعليه، فإن ثمّة من يرى أن «اليونيفيل» اليوم أصبحت جزءًا مكمّلًا لمسار الحلّ، لا جوهره، في ظلّ إجماع دولي على ضرورة بقاء المنطقة تحت الرقابة الدولية لمنع الانزلاق نحو الفوضى.
وعن مستقبل هذا الوجود، فإن ثمّة 3 سيناريوهات مطروحة على بساط البحث، وذلك بدءًا من تمديد ولاية «اليونيفيل» الحالية، رغم كونه احتمالًا ضعيفًا، مرورًا بتشكيل قوّة أمميّة أوروبية جديدة، بصلاحيات أوسع، لكن من دون قيادة فرنسية، وذلك بسبب فقدان إسرائيل الثقة بدور باريس، مع إمكانية ربط هذه القوّة بـ«حلف الناتو»، ووصولًا إلى طرح تشكيل قوّة دولية، تضمّ إلى جانب الأوروبيين وحدات من جيوش عربية، الأمر الذي يمنحها شرعية المظلّة الدولية لإدارة المرحلة الانتقالية في جنوب لبنان.
3 خيارات
وفيما لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان لبنان بحاجة إلى الإبقاء على وجود عسكري أممي عند حدوده الجنوبيّة، بعد انتهاء مهمّة قوّات «اليونيفيل»، بل ما هو الشكل والدور اللذان يجب أن يتخذهما هذا الوجود، فإن بعض الخبراء يطرحون نقل «اليونيفيل» إلى الفصل السابع، كخيار أوّل يتيح لهذه القوّات التصدّي لأيّ مجموعة مسلّحة، شرعية كانت أم غير شرعية. أمّا الخيار الثاني، الذي يطرحه الخبير العسكري والإستراتيجي العميد سعيد القزح، فمرهون بوجود اتفاقيات أمنيّة بين لبنان وإسرائيل، ويتمثل بتحويل «اليونيفيل» إلى قوّات فصل بين الجانبين، بالمعنى النظري وليس العملي العسكري، ومراقبة الخروقات ووقف إطلاق النار من أيّ جهة، والإفادة لا أكثر ولا أقلّ، وربّما التنسيق بين الجانبين، على أن تكون هذه القوّات قليلة العدد، ومنتشرة على الحدود بمواقع أبراج مراقبة. مع الإشارة هنا إلى أن الخيارين الأول والثاني يحتاجان إلى قرار من مجلس الأمن الدولي.
وما بين حدّي هذين الخياريْن، يطرح الخبراء خيارًا ثالثًا لبقاء قوات أجنبية على الأراضي اللبنانية، يكون مبنيًّا على اتفاقيات ثنائية بين الدولة اللبنانية والدول الراغبة في إبقاء جنود لها في لبنان، على أن تُختصر مهام هذه القوّات بدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، تدريبًا وتعزيزًا وتجهيزًا، وذلك بعيدًا من تواجدها على الحدود مباشرة، إلا في حال موافقة إسرائيل على وجودها. وهذا الخيار يتطلّب، بالدرجة الأولى، موافقة الحكومة اللبنانية.
وفي المحصلة، فإنه لا شيء محسوم بعد، ولا يزال هناك متّسع من الوقت، فيما تبقى واشنطن صاحبة التأثير الأكبر في تحديد مصير «اليونيفيل»، في ظلّ قدرتها على ترجيح الكفّة داخل مجلس الأمن. وعليه، وبانتظار حلول «الساعة الصفر» للدخول في استحقاق نهاية العام الجاري، يبقى الملفّ برمّته رهن اتضاح نتائج المسارات التفاوضية المختلفة.