أفكار وآراء

إسرائيل ليست بلدًا لا يقهر

ترجمة: أحمد شافعي 

بعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، حينما كانت إسرائيل في أضعف حالاتها وتستهلكها محاولة إعادة فرض قوتها، جعل قادتها لأنفسهم معيارا شبه مستحيل للنجاح هو المنعة التامة.

فتكلم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن «النصر الكامل» ومضى فأطلق حملة دمرت غزة. ثم انتقل إلى حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وأجزاء من سوريا وجمهورية إيران الإسلامية. وأصبح الاستمرار في خوض الحرب دونما كوابح، من الداخل أو من الخارج، هو في حد ذاته هدف حكومته.

وفي حين أصبحت الحرب هي وضع البلد الأساسي، باتت موالاة إسرائيل تعني دعم هذه العقيدة الأمنية، أو عدم مساءلتها على أقل تقدير.

ولذلك من المفهوم أن يكون الإسرائيليون قد تابعوا وهم مصدومون وغاضبون تلك المسافة التي بدأت تفصل بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية.

فسمعنا بكل طريقة، سواء من خلال تسريبات ما قاله الرئيس ترامب لنتنياهو في أول يونيو بشأن تصعيد إسرائيل في لبنان، إذ يتردد أنه وصفه بـ«المجنون» وقال له إن «كل الناس تكرهك»، وحتى جهود نائب الرئيس جيه دي فانس الأخيرة لوضع إسرائيل في مكانها.

وبرغم أن رئيس الوزراء نتنياهو يظل حتى الآن حريصا على عدم إظهار أي استياء، لم يحجم عن ذلك أنصاره في الإعلام الإسرائيلي. إذ رأينا ينون ماجال ـ وهو مقدم برامج يميني متطرف ـ يصف نائب الرئيس فانس بـ«الحثالة» ويستعمل كلمة ازدراء في وصف اليهوديين اللذين يعملان مبعوثين للرئيس ترامب وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. فضلا عن شخص إسرائيلي مرموق وحليف من حلفاء نتنياهو إذ قال لمجلة ذي نيويوركر إنه «مصدوم» من الاتفاقية التي أبرمها الرئيس ترامب مع إيران، وإن الأرجح أن نتنياهو أيضا مصدوم.

ويظهر استطلاع رأي أجري في إسرائيل بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية انخفاضا هائلا في شعبية الرئيس ترامب وسط الإسرائيليين.

وفي حين أنه من السابق لأوانه الإعلان عن قطيعة تامة في التحالف الأمريكي الإسرائيلي أو في العلاقة بين قائدي البلدين، ولكن من المؤكد أنهما في طور حاسم.

فثمة حالة سيولة الآن تعتري دور إسرائيل المغالى فيه في السياسة الأمريكية، وهيمنتها العسكرية والاقتصادية في المنطقة بدعم وتمكين من الولايات المتحدة منذ أمد بعيد، ونجاح جماعة الضغط الموالية لإسرائيل.

لقد راهنت إسرائيل برأسمالها كله في هذه الجولة الأخيرة من الحرب على إيران ولم تكسب الرهان.

وأوضح موضع يظهر فيه شرخ هذه العلاقة هو تصريحات نائب الرئيس فانس؛ فقد قال أخيرا لروث داوثات ـ كاتب صفحة الرأي بنيويورك تايمز ـ إنه يود أن يقول لوزراء إسرائيل اليمينيين المتطرفين الذين انتقدوا الاتفاقية المبرمة مع إيران: «لا يمكن أن يكون القتل مخرجكم وحلكم لكل مشكلة أمن وطنية تواجهونها».

ثم إن نائب الرئيس جيه دي فانس واصل على المنوال نفسه في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض فقال «لو كنت عضوا في مجلس الوزراء الإسرائيلي، فلعلي ما كنت لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله.

والحق أنه بدا في بعض الأوقات وكأن نائب الرئيس جيه دي فانس يطرح عقيدة إسرائيلية جديدة لإدارته.

فقد قال في بودكاست مسيحي محافظ الشهر الماضي إنه في حين أن نقد إسرائيل يتحول في بعض الأحيان إلى كراهية لليهود»، فإن الأصوات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة تخطئ حينما «تخلط بين نقد حكومة معينة وبين كراهية اليهود؛ لأنه لو كان كل شيء هو كراهية لليهود، فما من وجود لشيء اسمه كراهية لليهود».

وأشار أيضا إلى أن الظن بالتطابق الدائم بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية خطأ.

لا نعرف بعد هل سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل سوف تتغير فعليا ـ في ما يتعلق بالمساعدة العسكرية أو الغطاء الدبلوماسي أو رفض كبح الإجراءات الإسرائيلية لمنع قيام دولة فلسطينية من خلال عنف المستوطنين وضم الضفة الغربية؛ لكن نائب الرئيس فانس ألقى الضوء على قضية حقيقية ينبه إليها اليهود في اليسار الأمريكي منذ أمد بعيد، وهي أنه: لو أن كل شيء يهدد اليهود، يصبح من المستحيل عمليا تمييز التهديدات الحقيقية لليهود.

ووفقا للمنطق نفسه، لو أن إسرائيل في حرب طيلة الوقت ومع الجميع، يصبح من المستحيل التمييز بين التهديدات الحقيقية والمفتعلة أو بين أن تكون القوة العسكرية الإسرائيلية ضرورية وفعالة ومبررة وأن تكون محض رد فعل تلقائي ووسيلة لاجتناب الاتفاق بناء على تفاوض.

وهذا عيب جسيم في أسلوب عمل إسرائيل الحالي سوف يكون لزاما على من يفوز في الانتخابات البرلمانية هذا العام ـ سواء أكان نتنياهو أم غيره ـ أن يواجهه.

ولا يقتصر الأمر فقط على أن إسرائيل ليست بالبلد الذي لا يقهر، ولكنها بلد لا بد أن يفكر في تغيير استراتيجيته. فما من حل عسكري لكل مشكلة. والفهم الصفري لمعنى الموالاة لإسرائيل تجاوز الحدود حتى بات الآن سببا في إبعاد أشد داعمي إسرائيل. وتبني إسرائيل للحرب الشاملة والقوة العسكرية الدائمة، دونما نهاية ممكنة للعبة، يؤتي ثمارا عكسية، ويقوض فعاليتها وجدواها.

وليس هذا أوضح في الوقت الراهن منه في لبنان؛ ففي حين أن إسرائيل اضطرت إلى وقف آخر لإطلاق النار بوساطة من الولايات المتحدة، فإنها تواصل إبقاء قوات ضخمة في أجزاء من جنوبي لبنان ولا تزال تقوم بضربات تعدها دفاعية. وهذه وصفة مضمونة للعداوة طويلة الأجل. وقد أصر رئيس الوزراء نتنياهو ووزير دفاعه مرارا في الأيام الأخيرة على أن الجيش الإسرائيلي سوف يبقى في «منطقة أمنية» إلى أن يكتمل نزع سلاح حزب الله وهو ما يعني عمليا أجلا غير مسمى.

لقد أنشأ رئيس الوزراء نتنياهو وضعا يعد فيه أي انسحاب أو تنازل ذي شأن ضعفًا واستسلامًا في نظر الإسرائيليين والأمريكيين على السواء.

ولو أن الرئيس ترامب ونائبه فانس جادان في ما يتعلق بتوطيد العلاقات بين لبنان وإسرائيل، فلا بد أن إيجاد الطريقة المثلى لتحقيق انسحاب إسرائيلي كامل سوف يكون على رأس الأولويات. ومن مصلحة إسرائيل أن تعثر بنفسها على سبل للبدء والتنفيذ لتلك العملية، بدلا من أن تجد نفسها مرغمة عليها.

لقد طرأ التحول الخطابي فقط، حتى الآن، على الولايات المتحدة لكنها لم ترغم نتنياهو بعد إرغاما كاملا. وعلى القدر نفسه من الأهمية أنه من غير الواضح بعد إن كان الإسرائيليون أنفسهم سوف يبدأون في مساءلة وتحدي منطق إسرائيل الصفري. والإسرائيليون اليوم يواجهون نقطة تحول كبرى إذ يتهيأون للتصويت وإذ يسعون إلى تبين كيفية المضي قدما بعد قرابة ثلاثة أعوام من حرب مفتوحة وعزلة دولية متزايدة وندرة مأساوية في القادة القادرين على طرح بدائل.

ميراف زونسزين كبيرة محللي الشؤون الإسرائيلية في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية مكرسة لمنع النزاعات.

الترجمة عن نيويورك تايمز