محللان سياسيان: أوروبا والناتو لا يزالان حجر الزاوية في أمن أمريكا القومي ومستقبلها
الاثنين / 20 / محرم / 1448 هـ - 18:39 - الاثنين 6 يوليو 2026 18:39
واشنطن 'د.ب.أ': في خضم احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 ليوم الاستقلال، يتعين التذكير بأنه لما يقرب من ثلث عمر الدولة، ارتبطت واشنطن رسميا بحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتزمت بموجب المعاهدة بالدفاع عنهم، والتزموا هم بالدفاع عنها. ويضم الناتو 32 دولة عضو، 30 منها في أوروبا، إلى جانب أمريكا وكندا.
وعلى مدار 77 عاما شكل هذا التحالف عبر شمال الأطلسي أحد الركائز القليلة التي لا غنى عنها لازدهار أمريكا وأمنها، فضلا عن كونه مصدرا رئيسيا لنفوذ واشنطن وقوتها على مستوى العالم.
وفي ظل التحديات الضخمة أمام أمريكا من جانب الكتلة السلطوية بقيادة الصين، يتساءل البعض عما إذا كانت واشنطن تملك ما يكفي من الاهتمام والموارد لمواصلة انخراطها الفاعل في أوروبا.
وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، يؤكد الباحثان والمحللان السياسيان، لوك كوفي، وهو زميل أول في معهد هدسون، و دانيال كوتشيس، وهو زميل أول في مركز أوروبا وأوراسيا التابع لمعهد هدسون، أن واشنطن لا تستطيع أن تفعل غير ذلك، 'فما زالت أوروبا تمثل أهمية حيوية للمصالح الأمريكية في عام 2026، تماما كما كانت في ذروة الحرب الباردة. وسوف يكون وجود تحالف قوي عبر الأطلسي عاملا أساسيا لضمان أن يرث أبناؤنا وأحفادنا عالما تقوده الدول الغربية، لا عالما قاتما تقوده أنظمة سلطوية'.
ويقول كوفي وكوتشيس، إن هيكل تحالفات أمريكا، وفي مقدمته الناتو، ميزة استراتيجية بالغة الأهمية لا ينبغي التساهل معها أو التفريط فيها، 'فالولايات المتحدة تمتلك حلفاء مقربين، بينما تمتلك الصين دولا تدور في فلكها'. ويؤكد الباحثان أنه يتعين الحفاظ على الناتو، وتعزيزه، كما لا تزال أوروبا تحتفظ بأهميتها لواشنطن.
وبحسب كوفي وكوتشيس، 'تتمتع أوروبا بأهمية اقتصادية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، بما لا يسمح لواشنطن أن تتجاهلها، وفي حين قد يتجه المستقبل الاقتصادي الأمريكي بصورة متزايدة نحو آسيا، لا تزال أمريكا الشمالية وأوروبا معا تمثلان نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تعد أوروبا واحدة من أهم أسواق الصادرات الأمريكية'.
وبحسب بيانات غرفة التجارة الأمريكية، تصدر 48 ولاية أمريكية، من أصل 50، لأوروبا أكثر مما تصدره إلى الصين. وبوجه عام، تبلغ صادرات الولايات المتحدة من السلع إلى أوروبا أربعة أمثال صادراتها للصين. وأيضا، تعد أوروبا أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية في أمريكا، وبحسب غرفة التجارة الأمريكية، تمثل الشركات الأوروبية 56% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، بقيمة تتجاوز 3.5 تريليون دولار.
كما تمتلك الدول الأوروبية من سندات الخزانة الأمريكية أكثر بكثير من الصين، إذ تمتلك بريطانيا وحدها أكثر من 44% مما تمتلكه بكين. وإضافة إلى ذلك، يقول كوفي وكوتشيس، إن تحالفات الولايات المتحدة وشراكاتها في أوروبا تمنح صناع القرار الأمريكيين خيارات أوسع في عالم يتسم بتزايد المخاطر، 'فالقوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، إلى جانب شبكة الحلفاء والشركاء التي ترتبط بها، تمنح الولايات المتحدة ميزة استراتيجية تفتقر إليها كل من روسيا والصين'.
ويرى الباحثان أن 'انتشار عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين يسهم في حماية أوروبا، ولكن ذلك يعد نتيجة للوجود العسكري الأمريكي، وليس السبب الأساسي وراءه' كما 'تتيح شبكة الحلفاء والقواعد الأمريكية المنتشرة في أوروبا لواشنطن القدرة على إنزال قوتها العسكرية في أنحاء العالم بطريقة كان من المستحيل تحقيقها لولا هذه الشبكة'.
والمثال الأحدث على ذلك كان العمليات الأمريكية ضد إيران. وبالطبع، كانت هناك حالات رفضت فيها دول أوروبية السماح لواشنطن باستخدام أجوائها أو قواعدها في تنفيذ الضربات الأخيرة ضد إيران، وكانت إسبانيا المثال الأبرز على ذلك. إلا أن هذه الحالات ظلت استثناء لا القاعدة. وفي مارس الماضي، اضطرت ثلاث قاذفات أمريكية 'بي 1 بي لانسر' كانت عائدة من مهام فوق إيران إلى تحويل مسارها والهبوط في قاعدة رامشتاين الجوية بألمانيا، بعدما حال الضباب وضعف الرؤية دون هبوطها في قاعدتها ببريطانيا.
وأبرزت الواقعة المرونة العملياتية التي توفرها شبكة القواعد الأمريكية في أوروبا. كما استخدمت أمريكا، بصورة مكثفة، قاعدة لاجيس فيلد في البرتغال، بينما تعمل بهدوء على تعزيز وجودها هناك في مجال الحرب المضادة للغواصات. ويشير المحللان كوفي وكوتشيس إلى الأهمية الخاصة التي تكتسبها أوروبا بالنسبة لأمريكا، فيما يتعلق بأوكرانيا، التي تتصدى لحرب روسيا الشاملة في أراضيها منذ فبراير 2022 حيث إنها 'جزء مهم من مستقبل الأمن الأوروبي. فالقوات المسلحة الأوكرانية تعد اليوم من بين أكثر الجيوش خبرة في القتال على مستوى العالم، ومن المرجح أن تؤدي دورا محوريا في منظومة الأمن الأوروبية خلال السنوات المقبلة'. كما تتمتع أوكرانيا بقدرات إبداعية وابتكارية في مجال الصناعات الدفاعية.
وبدأت شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية بالفعل في إقامة شراكات وعلاقات تعاون مع نظيراتها الأوكرانية. ولا يقتصر الدور الجيوسياسي المتوقع لأوكرانيا على أوروبا وحدها، بل يمتد إلى مناطق أخرى تتقاطع مع المصالح الأمنية الأمريكية، كما 'أظهرت التطورات الأخيرة قدرة أوكرانيا على الإسهام في تعزيز الأمن بمناطق مثل الشرق الأوسط، من خلال مساعدة دول الخليج والقوات الأمريكية على تطوير قدراتها في مواجهة تهديدات المسيرات الإيرانية... ويصعب تصور أن تتمكن الولايات المتحدة من صياغة استراتيجية جادة للأمن القومي تهدف إلى ردع خصومها، أو هزيمتهم إذا اقتضت الضرورة، من دون أن يكون لأوكرانيا دور في هذه الاستراتيجية مستقبلا'.
وأخيرا سوف تظل أوروبا، إلى جانب شبكة القواعد العسكرية الأمريكية بها، ذات أهمية حاسمة حال اندلاع أي أزمة عسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، 'فإذا اندلعت حرب في بحر الصين الجنوبي، من السذاجة الاعتقاد بأن خصوم الولايات المتحدة في شرق آسيا سيسمحون لها باستخدام خطوط الاتصال وطرق الإمداد عبر المحيط الهادئ دون عوائق. وفي مثل هذا السيناريو، ستتيح المنشآت العسكرية الأمريكية في أوروبا لواشنطن تنويع خياراتها اللوجستية ومسارات إعادة الإمداد لدعم عملياتها العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبحسب التحليل، يتعين النظر إلى التوسع السريع في القدرات الصناعية الدفاعية الأوروبية باعتباره عاملا يعزز مرونة سلاسل إمداد الصناعات الدفاعية الأمريكية، ويوفر خيارا إضافيا لزيادة الإنتاج بوتيرة أسرع مما تستطيع الولايات المتحدة تحقيقه بمفردها.
ويخلص المحللان كوفي وكوتشيس، إلى أن 'الأمن عبر الأطلسي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي. فباعتبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية، لا تزال أوروبا تمثل أهمية كبيرة للولايات المتحدة. ومن ثم، فإن إحياء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعزيز قدراته لا يعد تعبيرا عن الحنين إلى الماضي، بل استثمارا في الميزة الاستراتيجية التي دعمت ازدهار وقوة الأمريكيين على مدى أجيال'.