أفكار وآراء

ثلاثة عناصر أساسية لنظام عالمي أكثر إنصافًا

في كلمته أمام الاجتماع الأول للتعبئة التقدمية العالمية في أبريل، سَلَّطَ الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا الضوء على الصلة بين الديمقراطية والكرامة المادية. فإذا لم يؤمن المواطنون بأن حياتهم ستتحسن، فسوف تظل الديمقراطية تواجه التحديات من قِـبَـل الشعبويين وغيرهم من الاستبداديين الذين يَـعِدون كذبا بأنهم وحدهم القادرون على تحسين أحوال الناس العاديين.

على نحو مماثل، نشهد وعيًا متناميا بأوجه الظلم والتفاوت المتأصلة في النظام الدولي. ما لم يتمكن الأشخاص الذين يتحملون التكاليف المترتبة على قرارات وأفعال آخرين من التأثير على النظام المتعدد الأطراف ومحاسبة الأطراف الفاعلة القوية، فسوف يُنظر إلى النظام الدولي على أنه غير عادل وغير شرعي.

ما يدعو إلى التفاؤل أن الزخم يتنامى نحو عملية إعادة ترتيب عالمية. في مايو، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش تقريرا بعنوان «حساب ما يهم»، الذي يتناول نقطة عمياء طال أمد بقائها في قياس التقدم. في حين أقر جوتيريش أن الناتج المحلي الإجمالي لا يزال مقياسا مهما، فقد شدد على الحاجة إلى نظام محاسبة أكثر تطورا وإنسانية «يوائم بشكل واعٍ بين المقاييس وأهدافنا الفعلية - وليس مؤشرات قياس بديلة تحجب أو تخفي التحديات التي يواجهها عالمنا».

لكن بعض المراقبين يخشون أن تنتهي الحال بالجهود الرامية إلى تصميم نظام متعدد الأطراف يراعي مصالح الأغلبية العالمية إلى الحفاظ على البنية الحالية، ولكن في ظل قادة صوريين جدد.

لتجنب هذه النتيجة، يجب على المجتمع الدولي أن يركز على بناء آليات قابلة للتنفيذ وقادرة على تزويد البلدان بقدر أعظم من الاستقلالية المالية.

ولكن كيف قد يبدو هذا في الممارسة العملية؟

بادئ ذي بدء، من شأن إطار عمل ملزم تابع للأمم المتحدة لإعادة هيكلة الديون السيادية أن ينقل عملية وضع القواعد واتخاذ القرار من وراء الأبواب المغلقة إلى قاعات يجلس فيها الجميع حول الطاولة. الواقع أن بنية الديون الحالية تجبر بلدانا مثل ملاوي على إنفاق 43% من إيراداتها على سداد الفوائد، وسوف يتغير هذا الوضع إذا حصل المدينون على مقعد على طاولة المفاوضات.

على عكس نادي باريس للدائنين السياديين، الذي لم تنضم إليه الصين، أو الإطار المشترك لمعالجة الديون التابع لمجموعة العشرين، الذي تعثر بسبب الطابع الطوعي لمشاركة حاملي السندات من القطاع الخاص، بوسع آلية تابعة للأمم المتحدة أن تفرض شروطا تلزم كل الدائنين فعليا بعملية واحدة، وقد تشمل هذه الشروط وقفا تلقائيا للسداد بمجرد بدء مفاوضات إعادة الهيكلة، وخسائر متساوية بين الدائنين من القطاعين العام والخاص، وتقييما مستقلا لقدرة البلد على تحمل الديون يَـعتبر إنفاق المقترضين على الصحة والعمل المناخي مطلبا ذا أولوية، وليس مطلبا ثانويا.

أما عن مسألة الضرائب، فإن المفاوضات بشأن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التعاون الضريبي الدولي تشكل فرصة مهمة لوضع قواعد عالمية. (في حين أحرز إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين الشامل بشأن تآكل القاعدة الضريبية ونقل الأرباح تقدما في اعتماد حد أدنى عالمي لضريبة الشركات، فقد أُعفيت الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات منذ ذلك الحين).

ومن شأن اتفاقية طموحة أن تفرض ضريبة حد أدنى فَعّـالة على الشركات تتصدى لنقل الأرباح، وتُلزم كل الدول بتبادل المعلومات المالية تلقائيا.

ينبغي لهذه الاتفاقية أن تنص أيضا على فرض ضريبة منسقة على الثروات الفاحشة من النوع الذي اقترحته البرازيل كجزء من رئاستها لمجموعة العشرين في عام 2024. إن فرض ضريبة سنوية بنسبة 2% على أصحاب المليارات في العالم كفيل بأن يدر مئات المليارات من الدولارات لتمويل الاستثمار العام. الأدوات موجودة؛ والمشكلة تكمن في تحديد من سيتولى التحكم فيها.

أخيرا، يحتاج المجتمع الدولي إلى آلية دائمة للتحقق من شرعية المطالبات السيادية قبل أن يُجبر السكان على سدادها. فعندما تُـنهَب مليارات الدولارات من صندوق مثل صندوق 1MDB في ماليزيا بمساعدة بنوك كبرى تتقاضى رسوما باهظة مقابل إدارة إصدارات السندات دون أن تكترث لذلك، تقع الخسارة على عاتق المواطنين.

إن عملية تقودها الأمم المتحدة لتحديد وإبطال الديون التي جرى التعاقد عليها عن طريق الاحتيال أو بما يتعارض مع المصلحة العامة من شأنها أن تعيد المخاطر إلى من يتحملها أصلا: المقرضون المتهورون، وليس الأشخاص الذين سُرِقوا.

لن يتسنى بناء أي من هذا من أعلى إلى أسفل؛ ذلك أن الحكومات ذاتها التي تدعو إلى فرض ضرائب على الثروة على الساحة العالمية تفرض غالبا تدابير تقشفية أو تتجنب فرض ضرائب على الأغنياء في بلدانها، مثل الهند، والبرازيل، وفرنسا.

يجب أن يستند النظام الدولي الجديد إلى الجهود الرامية إلى سد هذه الفجوة، وهو ما يتطلب حكومات تقود بمبادئها، ومواطنين يصوغون تلك الوعود ويحاسبون قادتهم على الوفاء بها.

الحركات المحلية أيضا تجبر الحكومات على التصرف على نحو مختلف على الساحة العالمية، وتظل الالتزامات التي تُقطع هناك حبيسة الورق إلى أن تظهر قواعد جماهيرية في الداخل لفرض تنفيذها.

لذا، يجب على المواطنين أن ينظموا أنفسهم في العواصم وقاعات المؤتمرات في ذات الوقت، لأن النظام الذي يستجيب لهم لا يمكن الفوز به إلا على الجبهتين معا.

إن عاملة النظافة التي تدفع أكثر من نصف راتبها للوصول إلى محل عملها، والمزارع الذي لا يستطيع شراء الأسمدة، والعامل في مجال الرعاية الذي لا ينعكس عمله أبدا في الحسابات الوطنية، يدركون الآن أن مشكلاتهم التي تبدو متباينة هي في حقيقة الأمر أعراض لخلل بنيوي.

لقد تحول النظام الدولي إلى نظام يطلب من الأغلبية العالمية أن تدفع ثمن مجموعة من القواعد التي لم تدونها. وتصميم نظام جديد يستلزم تسليم القلم إليهم.

الاختيار ليس بين النظام القديم والفوضى، بل بين نظام جديد مبني حول الأغلبية العالمية ونظام يكتفي باستبدال مجموعة مختلفة قليلا من الشخصيات الرمزية. والحركات المدنية ليست هامشية في هذا النظام الأكثر إنصافا؛ بل هي القوة الدافعة له. هذه المجموعات تدرك ديناميكيات الاقتصاد العالمي الحقيقية. ويكمن التحدي الآن في ضمان إدراك من يصممون المؤسسات الدولية الجديدة أيضا لهذه الديناميكيات.

جيني ريكس الأمينة العامة لتحالف «مكافحة عدم المساواة»

خدمة بروجيكت سنديكيت