أعمدة

لماذا لا تدوم سعادة الزيادة في الدخل؟

كم مرة قلت لنفسك: «لو زاد دخلي قليلًا فسأشعر أخيرًا بالراحة»؟ وربما حدث ذلك فعلًا. حصلت على ترقية، أو نجح مشروعك، أو سددت ديونًا أثقلت كاهلك لسنوات. شعرت بارتياح كبير، وربما بشيء من الانتصار. لكن بعد فترة بدأ هذا الشعور يخفت، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد، وكأن التحسن لم يكن بالحجم الذي شعرت به في البداية.

هذا ليس جحودًا، بل هي ظاهرة نفسية معروفة تُسمى التكيف مع اللذة، أي ميل الإنسان إلى الاعتياد سريعًا على التحسن في ظروفه المالية. فما كان يومًا مصدرًا لفرحة كبيرة يتحول مع الوقت إلى أمر اعتيادي. يصبح الراتب الأعلى رقمًا مألوفًا، والبيت الجديد جزءًا من الروتين، وحتى الرفاهيات التي كانت تبدو بعيدة المنال تصبح توقعات أساسية.

وهذا لا يعني أن زيادة الدخل لا تحسن جودة الحياة، بل يعني أن الأثر العاطفي لهذا التحسن يتراجع مع مرور الوقت. فما يمنحنا شعورًا قويًا بالسعادة اليوم يصبح غدًا هو الوضع الطبيعي الذي نتوقعه. لهذا يعتقد كثير من الناس أن الوصول إلى مستوى معين من الدخل سيجعلهم أكثر سعادة، لكن بعد الوصول إليه تتغير المعايير؛ فترتفع التوقعات، وتتوسع أنماط الإنفاق، وتظهر «احتياجات» جديدة لم تكن موجودة من قبل.

ويُعرف هذا أحيانًا بـ«تضخم نمط الحياة»؛ فكلما تحسن الدخل توسعت الحياة لتستهلك هذا التحسن. فيجد الإنسان نفسه يعمل أكثر، ويكسب أكثر، لكنه لا يشعر بزيادة مماثلة في الراحة أو الطمأنينة المالية.

كما أن الأمر يرتبط بطريقة إدراكنا للقيمة؛ فعندما يكون الشيء نادرًا نشعر بقيمته أكثر، لكن عندما يصبح متاحًا باستمرار يبدأ العقل في اعتباره أمرًا بديهيًا. وهذا ما يحدث مع المال أيضًا؛ فما كان يمثل شعورًا كبيرًا بالأمان في مرحلة معينة قد يتحول لاحقًا إلى الحد الأدنى الذي لا نلتفت إليه.

بالتالي؛ فإن فهم التكيف مع اللذة يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نحدد بها أهدافنا المالية. فبدلًا من ربط الرضا دائمًا بمستوى الدخل القادم يصبح من المفيد أن نسأل أنفسنا: كيف نستخدم المال؟ ولماذا نريده؟ وما الدور الذي نريده أن يؤديه في حياتنا؟

عندما نفهم التكيف مع اللذة ندرك أن المال ليس مصدرًا دائمًا للسعادة، بل مورد يمنحنا خيارات أوسع واستقرارًا أكبر. أما الرضا فلا ينشأ من كل زيادة في الدخل، بل من وضوح ما نريده من المال، والحد الذي يكفينا، والطريقة التي نستخدم بها ما نملك لبناء حياة ذات معنى.

وربما لهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم أحتاج أن أكسب؟ بل: كم أحتاج لأعيش الحياة التي أريدها؟

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية