غزة تعيد ابتكار يومها الألف في غياب الوجود
الاحد / 19 / محرم / 1448 هـ - 19:20 - الاحد 5 يوليو 2026 19:20
غزة - بهاء طباسي
تجلس مريم أمام ما تبقى من جدار منزلها الخرسانيّ في مدينة غزة، ممسكةً بإبرة صدئة وخيط غليظ استخرجته من بقايا ملابس قديمة، تحاول جاهدةً رتق قطعة القماش المهترئة التي تشكل السقف الخامس لعائلتها منذ ثلاث سنوات. أصابعها الخشنة، التي صبغها رماد الحطب بلون داكن لا يزول، تتحرك بدقة متناهية تفوق طاقتها الجسدية. في واقع، لا يمثل الرقم 1000 مجرد إحصائية تُبث عبر شاشات التلفزة أو تُناقش في أروقة المحافل الدولية، بل هو عدد المرات التي توجب عليها فيها إيجاد معنى جديد لكلمة «مأوى» لأطفالها الأربعة، تحت سماء لم تكف عن إمطار الموت والخراب منذ مطلع أكتوبر 2023.
على بعد كيلومترات قليلة، وسط بيئة تحولت بالكامل إلى أنقاض، يسير الطفل طارق حاملًا عبوة بلاستيكية فارغة بحثًا عن قطرات ماء صالحة للشرب. أمضى طارق ما يقارب نصف حياته القصيرة في التنقل بين نقاط التوزيع التي غالبًا ما تجف منابعها قبل أن يصل دورُه في الطابور الطويل. لا يتذكر الصغير لون مقعده الدراسيّ ولا شكل سبورة فصله، لكنه بات خبيرًا في قراءة وهج الشمس الحارقة فوق سقف خيمته القماشية، محاولًا التنبؤ بما إذا كانت لترات الماء الشحيحة التي جمعها ستكفي لإطفاء عطش إخوته الصغار، أم أن حرارة الصيف اللاهب ستجبرهم على تجرع المياه المالحة الملوثة.
تجسد قصة طارق ومريم واقعًا جماعيًّا أوسع، حيث تلاشت المؤسسات الحيوية تمامًا، وتفكك النسيج الخدميّ والأمنيّ في قطاع غزة، ليجد السكان أنفسهم مجبرين على هندسة بقائهم اليوميّ معتمدين على إرادتهم المحضة للحفاظ على الكرامة الإنسانية.
أطلال الشفاء.. منصة الحقيقة العارية
أمام الركام المتآكل لمجمع الشفاء الطبيّ بمدينة غزة، حيث تحول الصرح الطبيّ الأكبر إلى هياكل خرسانية متآكلة وأسقف منهارة تتدلى منها قضبان الحديد الصدئة، اجتمع ممثلو وزارات ومؤسسات حكومية لتوثيق هذه المأساة المستمرة. في قلب هذا الحطام، وقف المتحدثون خلف منصة خشبية متواضعة تحمل مجموعة من الميكروفونات لوسائل إعلام محلية ودولية، وتحت شمس يوليو الحارقة التي كانت تسلط ضوءها القاسي على المكان، لتبرز التباين الحاد بين صمود الكادر البشريّ وانهيار البنية التحتية المحيطة بهم.
أمسك المشاركون، الذين ارتدوا ملابس مدنية بسيطة ظهرت عليها علامات الإجهاد الشديد والتركيز، لافتة قماشية بيضاء عريضة. كُتب على اليافطة بخط عريض يتدرج بين الأسود والأحمر القاتم: «1000 يوم على الإبادة محددة التاريخ الافتراضيّ لمرور هذه المدة الطويلة في تموز من عام 2026. حملت اليافطة شعارات الهيئة العالمية «أطباء ضد الإبادة» وشعار وزارة الصحة الفلسطينية، بينما التقطت عدسات الكاميرا تفاصيل الخراب المحيط بالمتحدثين، كاشفةً عن عمق الجرح الذي أصاب المنظومة الخدمية بالكامل.
دفاتر التنمية.. عائلات ممسوحة وأرقام تنزف
تحدثت عزيزة الكحلوت، المتحدث الرسميّ باسم وزارة التنمية الاجتماعية، بنبرة مثقلة بالمسؤولية والأسى عن الواقع الميدانيّ للأسر النازحة. وأوضحت أن الوزارة تواجه كارثة كبرى غير مسبوقة بسبب الشح الشديد في المساعدات الإنسانية التي تدخل قطاع غزة، نتيجة الإغلاق المستمر للمعابر والإجراءات التعسفية الممنهجة التي يمارسها الاحتلال منذ 1000 يوم.
وتقول الكحلوت: «اليوم، لدى وزارة التنمية الاجتماعية 58 ألف يتيم مسجل بسبب الممارسات الإجرامية التي انتهجها الاحتلال في قطاع غزة. كما سُجل لدينا 47 ألف أرملة بحاجة ماسة إلى برامج دعم وإغاثة عاجلة، و45 ألف شخص من ذوي الإعاقة باتوا يفتقرون إلى الكراسي المتحركة والأدوات المساعدة الأساسية. إننا نواجه كارثة إنسانية حقيقية جراء نقص المساعدات مقابل الحاجة الهائلة للأسر المتضررة بفعل الحصار وحرب الاستنزاف الشاملة».
الجسد الطبي.. المعركة الأخيرة خلف الجدران المنهارة
من جانبه، استعرض الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة، حصاد 1000 يوم على الصعيد الصحيّ، مؤكدًا أن الاستهداف الممنهج للمستشفيات والطواقم الطبية لم يتوقف لحظة واحدة. وأشار إلى أن هذا الاستهداف أدى إلى تدمير البنية الطبية التحتية بشكل كامل، مما جعل إنقاذ الأرواح عملية شبه مستحيلة في ظل غياب المستلزمات البدائية.
ويشرح الدكتور البرش أبعاد الأزمة قائلًا: «1000 يوم مضت، ولا يزال الاستهداف مستمرًّا. لقد أخرج الاحتلال 38 مستشفى عن الخدمة تمامًا، والآن تعمل معظم المشافي المتبقية بشكل جزئيّ وضمن ظروف كارثية. كما فقدنا أكثر من 1700 من طواقمنا الطبية الذين قتلوا أثناء تأدية واجبهم، واعتُقل أكثر من 320 كادرًا طبيًّا، لا يزال 83 منهم مغيبين في السجون».
ويستدرك: «ورغم هذا النزيف، استقبلت طواقمنا أكثر من 173 ألف جريح، وأكثر من 73 ألف شهيد، جلهم من الأطفال والنساء وكبار السن. لدينا حاليًّا أكثر من 20 ألف مريض ومصاب بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج خارج القطاع، لكن التعنت يمنع إجلاءهم».
رماد الجغرافيا.. تلاشي مقومات الوجود
وفي ختام المؤتمر، قدم إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكوميّ في غزة، قراءة شاملة لأبعاد التدمير الذي طال القطاعات الحيوية، موضحًا أن الحرب تجاوزت استهداف الأفراد إلى محو الوجود الفلسطينيّ وهويته المجتمعية من الدفاتر الرسمية.
ويفصل الثوابتة حجم الدمار بالقول: «نتحدث اليوم عن جريمة بشعة وتاريخية؛ حيث تم شطب عائلات فلسطينية بأكملها من السجل المدنيّ، بقتل الأب والأم وجميع الأطفال بواقع أكثر من 9000 شهيد ينتمون لتلك العائلات الممحوة. هناك 73 ألف شهيد ممن وصلوا للمستشفيات، ووجود أكثر من 9500 مفقود تحت الأنقاض وفي الطرقات يمنع الاحتلال الوصول إليهم».
ويستكمل: «لقد دُمر 15 قطاعًا حيويًّا بالكامل، وأُخرج 96 مركزًا طبيًّا عن الخدمة، واستُهدفت المؤسسات التعليمية بنسبة 100٪. كما هُدم 1047 مسجدًا و3 كنائس، وقُضي على الأمن الغذائيّ بتدمير 87٪ من الأراضي الزراعية. غزة مقبلة على كارثة لن يستطيع أحد إيقافها إن لم يتدخل العالم فورًا لوقف التهجير وفتح المعابر».
صراع اليقين ضد بيئة من حطام
مع مغادرة الصحفيين لساحة مجمع الشفاء، تظل الأرقام معلقة في الهواء الثقيل لمدينة غزة، لكن الحقيقة الأكثر عمقًا تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية خارج حدود المنصة. فبينما يعيش أكثر من مليون إنسان متكدسين داخل 135 ألف خيمة ممزقة تنتشر على الشواطئ والأراضي الصفراء الجافة، تستمر محاولات البقاء البسيطة كفعل مقاومة يوميّ.
الطهي على نار الحطب المستعر، ومشاركة رغيف الخبز الشحيح بين الجيران، وتحويل الفصول المدمرة إلى مساحات لتعليم الأطفال الحروف الأبجدية؛ كلها شواهد يومية على أن الكرامة الإنسانية في غزة لم تسقط تحت وطأة الأنقاض، بل أصبحت العقيدة الوحيدة المتبقية لمليون ونصف المليون نازح يرفضون التلاشي بعد 1000 يوم من الاستنزاف الشامل.