ثقافة

هل من حق الناشرين اقتسام الجوائز مع الكتّاب؟

 

تحقيق ـ حسن عبد الموجود 

بمجرد إعلان فوز الكاتب العربي بجائزة يفرح طبعًا، لكن الكدر سرعان ما يملأه، فقد تذكَّر الآن أنه وقَّع على عقد يقضي بمقاسمة ناشره قيمتها المادية أو في أفضل الأحوال 25 بالمائة منها. كان غالباً يستبعد حصوله على الجائزة والآن صارت واقعًا لكن العقد شريعة المتعاقدين. عليه أن يدفع وعلى وجهه ابتسامة، وليحتفظ بالكآبة بين ضلوعه فلم يضربه أحد على يده حين رضي بالمحاصصة!

في هذا التحقيق نسأل كتَّاباً عن ظاهرة اقتسام الجائزة مع دور النشر، كما نسأل ناشرين أيضًا ماذا يدفعهم للتغول على حقوق المؤلفين وماذا فعلوا حتى يحصلوا على حقوق ليست لهم؟

يعتقد الكاتب المصري إبراهيم فرغلي أن فكرة اقتسام الجائزة بين الطرفين مجحفة في حق المؤلف، ونوع من الاجتراء على حقوقه، وفي ظنه أن دور النشر التي تمارس هذا السلوك تتصور أنها شريك في الجائزة بما أنها جهة إصداره، لكن الحقيقة أن جوائز الكتّاب تُمنح لهم بشكل خاص وعن كتب محددة، بينما في المقابل، هناك جوائز تُمنَح فقط للناشرين فلا يقتسمونها مع المؤلفين، كما أن هناك جوائز تتوزع قيمتها بين الكاتب والناشر رسمياً، أي بموجب شروط وقوانين تلك الجوائز.

يستدرك فرغلي: «مع ذلك، وبسبب رغبة الكتَّاب في المشاركة في بعض الجوائز يرون أن قبول الفكرة ييسِّر لهم فرصة ترشيح أعمالهم للجوائز التي تقتضي تقديم النصوص بواسطة الناشر فقط».

يؤكد فرغلي: «قبلتُ مرة واحدة بهذا الشرط مع إحدى دور النشر، بموجب اتفاق إضافي ملحق بالعقد، ربما لأننا كنا اتفقنا على نشر الكتاب بالفعل، وتأكدت أن الدار تعمِّم هذا البند. وبصراحة أيضاً لأنني مرة رفضت هذا الشرط مع أحد الناشرين فتقاعس عن تقديم روايتي لجائزة تقتضي تقديمها بواسطة الناشر».

يعتقد فرغلي أن ظروفاً عديدة أفرزت هذه المشكلة، منها المناخ الجديد الذي فرضته الجوائز على القارئ العربي، حيث تحقق الكتب الحائزة على جوائز رواجاً أكبر من الكتب الأخرى، مهما كان مستواها، ومن المؤكد أن هذه الظروف تضطر بعض المؤلفين إلى القبول بالممارسات الخاطئة.

يرى فرغلي أخيراً أن المؤسسات الحكومية مطالبة بدعم الناشرين وتوسيع قواعد توزيع وتسويق الكتاب، من جهة، ومن جهة أخرى ضرورة تدخُّل الجهات المنظمة لعقود النشر باقتراح السبل التي تضمن القضاء على هذه الظاهرة المعيبة.

مرجعية أساسية

الكاتب المصري أحمد عبد اللطيف يؤكد أنه ينبغي لنا النظر إلى المعايير العالمية المعمول بها كمرجعية أساسية لحقوق المؤلف والناشر. ففي الدول المتقدمة لا وجود لمفهوم اقتطاع الناشر لنسبة من جائزة مالية يربحها المؤلف، الموضوع هناك محسوم تماماً، حيث تذهب جائزة الناشر للناشر، وتؤول جائزة المؤلف للمؤلف عن عمله الإبداعي.

الدور الأساسي لدار النشر، بحسب عبد اللطيف، يتلخص في التدقيق اللغوي، وتصميم الغلاف، وتنسيق الكتاب، ثم توزيعه وتسويقه لتحقيق الأرباح المادية. وفي المقابل، يقتصر دور المؤلف على عملية التأليف والإبداع الأدبي، وفي حال فوز النص بجائزة، فهي مكافأة موجهة للنص ذاته، ولذلك يبدو مستغرباً وغير مفهوم سلوك بعض دور النشر التي تسعى لمقاسمة الكاتب في جائزته، وهي ممارسة تبدو كبدعة مصرية في السنوات الأخيرة.

يرى عبد اللطيف أن الناشر مطالبٌ بالتركيز على مهامه الأساسية المتمثلة في التوزيع والترويج الجيد للكتاب، إذ إن فوزه الحقيقي من وراء الجوائز الأدبية لا يقتصر على العائد المادي غير المباشر الناتج عن زيادة المبيعات فحسب، بل يمنحه تميزاً معنوياً ومكانة أفضل مقارنة بالناشرين الآخرين.

ويؤكد أن المبدأ الأكثر عدالة هو أن تذهب جائزة كل طرف إليه بالكامل، سواء كان مؤلفاً، أو مترجماً، أو ناشراً، أو صحفياً. كما أن الجهة المانحة للجائزة هي مَن تحدد مستحِق الجائزة بناءً على لائحتها، فإذا نصَّت على المناصفة بين الناشر والمؤلف فلا مشكلة، أما إذا كانت الجائزة موجهة بالأساس للمؤلف فهي حق خالص له، والالتزام بهذا المبدأ يُعدُّ شكلاً من أشكال احترام الجائزة والجهة القائمة عليها.

تجربة ذاتية

الكاتبة الكويتية إستبرق أحمد تحكي : «أثناء عملي منذ سنوات بعيدة كناشرة في دار صغيرة مع شركاء آخرين، اطَّلعت على دهاليز عالم النشر، وأخبرك بأن دور النشر الصغيرة تخضع لاشتراطات ومفاوضات قاسية من قِبَل نقاط البيع تجعلها مضطرة أحياناً كثيرة بأن ترجع بتكاليف الطباعة على الكاتب. بالرغم من ذلك أصدقك القول، يفترض على دور النشر أن تكتفي بالقيام بواجباتها وحقوقها ولا تمتد يد مطالباتها إلى التكاليف، ودون شك عليها أيضاً لا تقترب لا من جائزة الكاتب ولا من نسبة أرباحه».

تلفت إستبرق إلى أن عالم النشر بحرٌ فيه إشكاليات كثيفة وفيه جوانب عديدة غير منطقية وغير مفهومة أبرزها إملاءات الربح المادي والجو الثقافي العام بأمراضه وفساده، بشكل يجعلنا في مواجهة دور نشر كثيرة لا تعي دورها المؤثر ولا أهميتها وبالتالي لا تقوم باستقطاب أو انتقاء الكتب المغايرة والمهمة، الكتب التي لها دور في تشكيل أو استفزاز أو الإضافة لوعي القارئ، فتتخلي عنها في سبيل كتب باهتة أو ذات صبغة تجارية ومجزية مادياً. تعلِّق: «هذا لا يعني مطالبتنا باقتصار الدار على نوعية معينة دون غيرها، فهي تتوجه لقراء مختلفين ومن واجبها التنويع لكن ليس من حقها إغفال الأهم بل أن توازن بدقة وأن تميل كفتها دائماً للكتب القيِّمة».

تتخاذل بعض دور النشر، بحسب إستبرق، عن الاعتناء بمهام التوزيع، أو تقديم خطة تسويقية متكاملة للكتاب عبر اقتراحات دافعة للتعريف بالتجربة ومطلوبة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر عمل جلسات أو حفل إطلاق للكتاب أو ربطه بشبكة نوادي القراءة أو حفلات التوقيع وغيرها من خطط مجدية تستهدف الإصدار. تستدرك: «لكن كما ذكرنا فإن مَن يقوم بهذه المهام الكاملة قلَّة، ولذلك من المنطقي أن لا يفضل الكاتب أي عقود تخفض من حقوقه بشروط مجحفة أبرزها تقاسم قيمة الجائزة مناصفة مع الناشر».

وتضيف: «أدعي أنني لم أوقِّع أي عقد يحمل هذا الشرط، على ما أذكر، وبكل صدق أيضاً أعترف أنني تعاونتُ مع دور نشر ظلمت كتباً لي وأحجمتُ عن أخرى بسبب شروطها، ولكنني أيضاً تعاونت مع دور نشر احترمتْ أعمالي وقدمت الأكثر، كما أنني من الممكن أن أتغاضي أو أتخلَّى عن بعض الشروط، إزاء معرفتي وتقديري لمدى نشاط الدار في عالم النشر واسمها الراسخ أو جهدها الواضح في التوزيع وحيويتها في التسويق الذي ينعكس إيجابياً في التعريف بالإصدار وبث الثقة أكثر فيها هي ذاتها حيث تعتني بإصداراتها». وتقول أخيراً: «المساهمات المهمة للناشر في الترويج للعمل وخلافه يخفف من ألم تنازل الكاتب عن بعض الشروط أما غير ذلك فهو غبن هائل له».

أمر شرير

«من الغريب أنني كنت أناقش الموضوع نفسه منذ عدة أيام مع صديقة كاتبة. كنا في الشارقة وبطريقة ما قادنا الكلام إلى الناشرين وشروط العقد».

بهذه الكلمات تبدأ الكاتبة العمانية ليلى عبد الله حديثها وتضيف: «لم أوقع مع أغلب الناشرين الذين تعاملتُ معهم أي عقود. كنت دائماً أتساءل عن جدوى هذه العقود وأعتبرها حبراً على ورق، وهذا حقيقي تماماً، فأنا لم أتلقَ منهم أي مقابل مالي باستثناء دور النشر الخليجية، وكانت إحداها إماراتية والأخرى كويتية. هاتان الداران كانتا حريصتين على مسألة توقيع العقود، وأظن أن النسب التي تُمنح تعتمد عادة على مدى شهرة الكاتب في عوالم الكتب والقراءة والسوشيال ميديا، ويبدو أنني كنت محظوظة بطريقة ما».

وتستدرك: «ما يجعلني شخصيا أتجاوز مسألة عدم حصولي على مقابل مادي هو تكاليف الطباعة والشحن والنشر التي يتحملها الناشر وفي المقابل وبما أنه لا عقود موقعة فقد نشأت بيننا علاقة ضمنية من نوع ما، فطالما أنت ناشري واستحوذت على حقوق كتبي فأنا لست مضطرة لأن أشاطرك أرباح كتبي من الجوائز».

وتحكي واقعة طريفة: «ثمة ناشر أعرف أن كتبي تبيع بشكل جيد عنده، كلما أطالبه بحقي المالي يؤجل الموضوع بحجج كثيرة، ويقول لي : الدار دارك، خذي أي كتاب يعجبك، خذي كل كتب الدار، وبناء على عبارته هذه ظللتُ لسنوات أستحوذ على أعمال الدار كهبة، دون أي اعتراض منه»!

وتقول: «أما تلك الدور التي تطالب بنسبة من الجائزة، فهذا أمر شرير، شرير تماماً! الكاتب العربي خاسر في كل الظروف للأسف، حقوقه الفكرية منتهكة من الجميع وعلى رأسهم الناشرون، إنهم لا يكتفون بأرباحهم الهائلة من مبيعات الكتب، خاصة الحائزة على جوائز، فلماذا الجشع؟!».

رأي الناشرين

الناشرة المصرية الدكتورة فاطمة البودي تؤكد إيمانها - منذ بداية عملها في مهنة النشر - بأن الجائزة حق خالص للمؤلف وحده، فحين تفوز الرواية بجائزة ما، فإن مبيعاتها تزداد تلقائياً، وبالتالي يحصل المؤلف على مكافأته المالية من خلال تلك المبيعات المرتفعة، وفي المقابل تنال دار النشر مكسباً أدبياً وإضافة لاسمها.

تضيف: «لذلك، لا تتضمَّن عقودي المبرمة مع المؤلفين أبداً أي بند ينص على مشاركة الدار للمؤلف في جائزته بأي نسبة كانت، وهذا الموقف معروف عني تماماً ومحلُّ قناعة شخصية راسخة، وأنا لا أقبل بأي مبررات يسوقها زملاء ناشرون لمقاسمة الكاتب جائزته، لا سيما وأن هناك جوائز مخصصة للناشرين أنفسهم ننالها في محافلنا».

وتتابع: «بالرغم من قيامنا بدور التحرير، إلا أننا لا نصنع العمل من بدايته إلى نهايته، فالرواية الجيدة يكون تحريرها يسيراً. وصحيح أننا نتحمَّل تكاليف التدقيق اللغوي والتحرير، ولكن هذا هو صلب عملنا وواجبنا كدار نشر، ولا يصح أن نتخذ من قيامنا بعملنا بكفاءة ذريعة لمقاسمة المؤلف مكافأته أو اقتطاع أي نسبة منها».

بدون خلط

من جهته يؤكد الناشر اللبناني سليمان بختي أن الدار لا يجب أن تأخذ نسبة مادية من جوائز المؤلفين، فهي تستفيد من المبيعات التي يسجلها الكتاب بعد الفوز، وهي في النهاية جائزة للكاتب وإبداعه وجهوده، كما أن هناك جوائز مستقلة تُعطى لدور النشر. ويقول: «في رأيي يجب أن لا يتم تنبيه الكاتب إلى ذلك لدى توقيعه العقد، وإلا يكون ذلك نوعاً من التواطؤ لا يستقيم البناء عليه في عملية النشر والإبداع. هل سمعتم مثلاً أن حائز نوبل للآداب يسدد من قيمة جائزته لدار النشر؟ علينا أن نحترم حقوق بعضنا بشفافية وبلا خلطٍ أو افتئات أو صفقات».

خلاصة

قد تبدو وجهة النظر الثالثة غائبة عن هذا التحقيق، أعني الناشرين الذين يشترطون مقاسمة الكتَّاب قيمة جوائزهم، وهذا حقيقي، فقد رفض كثير منهم المشاركة فيه، وربما يبدو رفضهم الظهور منطقياً، فكل الحجج على ما يبدو تبدو ضعيفة إذا ارتضى أحدهم بالإجابة عن هذا السؤال: هل شاركت في تأليف الكتاب حتى تسبق المؤلف إلى البنك؟!