ثقافة

بيوت الفقهاء والأدباء والأطباء نواة لمتاحف أهلية

منزل الشيخ خلفان بن جميِّل السيابي من الداخل
 
منزل الشيخ خلفان بن جميِّل السيابي من الداخل

محمد بن سليمان الحضرمي

في زيارة للقاهرة، يناير 1997م، لم أتوانَ عن زيارة بيت عميد الأدب د. طه حسين (ت: 1973م)، المعروف باسم «رامتان»، قريبًا من الأهرامات في الجيزة، فقد عشت فيه ساعات ضحوية رائعة، ووقفت أمام مكتبته الفخمة، وسرحت في تأملي، وأنا أرى بعين خيالي أفواج الأدباء والزوار يفدون إلى بيت العميد، وينصتون إلى أحاديثه في صالون منزله، وسلكت الدرج الذي يقود إلى منامه، ورأيت الهدايا الرمزية التي حصل عليها الأديب، كما رأيت بعضًا من مقتنياته الخاصة، وتلك الساعات التي عشتها في بيت العميد نقلتني إليه، وكأنني زرته حيًا.
وبحثت عن بيت أمير الشعراء أحمد شوقي (ت: 1932م)، حتى بلغت «كرمة ابن هانئ»، حيث سمى الأمير قصره بهذا الاسم، محبةً في الشاعر العباسي الحسن بن هانئ «أبو نواس»، وتجولت داخل حديقة الأمير، ودخلت الفيلا الفخمة التي سكنها، ومكثت في مكتبه الذي كتب فيه قصائده، ووقفت على مكتبته التي تضم نفائس الكتب الأدبية والشعرية، وصعدت إلى الدور الثاني، ودخلت غرفة نوم أمير الشعراء، ووقفت عند بعض مقتنياته، وتلك الزيارة نقلتني إلى أيام الأمير الأخيرة، وكأنني التقيت به حيًا.
وفي زيارة إلى موسكو بروسيا بين (2 - 8 سبتمبر 2014م)، أخذنا المنظمون إلى زيارة فيلا الروائي الروسي تولستوي (ت: 1910م)، وحينما وصلنا المكان، بدا وكأننا داخل قصر كبير، تحيط به حدائق التفاح وبحيرة صغيرة، ودخلنا البيت القصر داخل الحديقة الظليلة، وتعرفنا على تفاصيل البيت، حيث كان يستقبل الضيوف، ومكتبته الكبيرة، ودخلنا المكان الذي كتب فيه مأساته الروائية «آنا كارنينا»، ورائعته «الحرب والسلام»، ووقفنا على خزانة ملابسه، وثوبه الذي يظهر به في الصور الضوئية التي التقطت له، وأخذتني تلك الزيارة إلى عالمه الروائي المدهش، وكأنني جالسته وصافحته حيًا.
وفي كل مدن العالم التي تقدِّر مبدعيها، تتحول بيوت المبدعين في العلوم الإنسانية إلى متاحف يتردد عليها الزوار، فتكسب تلك الشخصية حضورًا اجتماعيًا وشهرة بين الزوار، وفي عُمان لدينا تجربة شبيهة بهذه التجارب، فقد تحولت بعض بيوت التجار والبحارة إلى متاحف، وفي مدينتي مسقط ومطرح أكثر من متحف شخصي، ففي الرستاق حوَّل أحفاد الشيخ السلوكي راشد بن سيف اللمكي (ت: 1333هـ)، بيته المعروف باسم «البيت الغربي» في حارة «قصرى» الأثرية إلى متحف يجمع مقتنيات تعود إلى تلك الفترة الزمنية.
وكم رجوت في حارة «قصرى» بالرستاق، أن يحوَّل منزل الشيخ خميس بن سعيد الشقصي (ق: 11هـ/17م)، عرَّاب دولة اليعاربة، ومؤلف كتاب «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين»، إلى متحف يعرض فيه ما يمكن الحصول عليه من أدوات تعود إلى عصر الشيخ، ونسخًا من مؤلفه الفقهي الكبير، ووثائق بخط يده، والحوض الذي كان يصنع فيه حبر الكتابة، إن كان باقيًا.
ويزور الناس منابع «عين الثوارة» بولاية نخل، وأكثرهم لا يعرفون أن هذه المدينة منبع العين الثوارة بالتاريخ والأدب والشعر، وهو الشاعر والمؤرخ حميد بن محمد بن رزيق النخلي (ت: 1874م)، صاحب المؤلفات التاريخية المهمة، كـ«الصحيفة القحطانية» و«الصحيفة العدنانية»، وغيرها من كتب الأدب ودواوين الشعر. كرَّمته اليونسكو في شهر نوفمبر 2023م، بمناسبة مرور 150 عامًا على وفاته، ونحن لم نكرمه بمتحف صغير يتحدث عنه في مدينته، ويعرض سيرته العلمية.
وإلى فترة قريبة كانت أطلال بيت الطبيب راشد بن عميرة بن ثاني الهاشمي (ق: 10-11هـ)، باقية في قرية «العيني» بالرستاق، وهو صاحب كتاب «فاكهة ابن السبيل»، و«منهاج المتعلمين»، ومنظومات وقصائد علمية كثيرة، في تشريح العين وطبقاتها ووظائفها، فماذا لو أقيم متحف باسمه، قريبًا من موقع عين الكسفة، ليتعرَّف الزائر على هذه الشخصية الطبية الفذة، وقد اختارته «اليونسكو» ضمن الشخصيات العُمانية المؤثرة عالميًا عام 2013م.
وكم جدير بالكثير من الشخصيات الأدبية والشعرية والفقهية الكبيرة أن تتحول بيوتها إلى نواة لمتاحف، وما المانع من ذلك؟ بقليل من التعديل والإضافات، تصبح تلك البيوت متاحف. ففي سمائل زرت البيت الذي كان يسكنه الشيخ الأديب خلفان بن جميل السيابي (ت: 1972م)، ورجوت تحويل بيته في ضاحيته «المشجوعية» إلى متحف يجمع مخطوطات الشيخ، ونسخًا من ديوانه الشعري «بهجة المجالس»، أو كتابه النظمي الرائع «سلك الدرر»، أو فتاواه الفقهية في «فصل الخطاب»، ومؤلفاته الأخرى، وكتبه التي كان يقرأ فيها، تُرى أين ذهبت تلك الكتب النوادر؟
ومجاور له بيت الشيخ المؤرخ سالم بن حمود السيابي (توفي: 31 ديسمبر 1993م)، باقٍ ببنيانه وضاحيته، وهو من أغزر المؤلفين العُمانيين إنتاجًا، وصاحب الكثير من الكتب التأريخية والفقهية والمناظيم العلمية والشعرية، من بينها «عُمان عبر التاريخ»، فماذا لو يُحوَّل بيته إلى مزار ثقافي لمن يزور سمائل؟
وزرت البيت الذي كان يسكنه الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي، ويعرف باسم «بيت الجبل»، بإطلالته الجميلة على وادي سمائل، وما يزال البيت قائمًا، فكم جميل لو يتم تحويله إلى متحف يضم مقتنيات الأسرة الخصيبية، خاصة وأن ابنه الشيخ محمد بن راشد من الشخصيات الأدبية المعروفة، وله مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب «شقائق النعمان»، والأسرة الخصيبية في سمائل اشتهرت بالعمل في السلك القضائي، والاشتغال بعلوم الأدب.
ورجوت أن تحوِّل أسرة أمير البيان عبدالله بن علي الخليلي (ت: 2000م) ما تبقى من مكتبته إلى مكتبة أهلية، أو تخصص جانبًا من بيت «السبحية» متحفًا للأسرة الخليلية. وقد أقام «مركز ذاكرة عُمان» (ربيع الآخر 1445هـ/ نوفمبر 2023م) معرضًا وثائقيًا خاصًا بجده الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت: 1287هـ)، وكانت زيارة المعرض تضيف معرفة ثقافية، وتأخذ الزائر إلى الحضرة الأدبية للشيخ سعيد، وكأنه لقاء به حيًا.
ومن ولاية الحمراء، خرجت الكثير من الشخصيات الفقهية والأدبية، والزعامات السياسية، كالعلامة إبراهيم بن سعيد العبري (ت: 1975م)، تلميذ الإمام نور الدين السالمي، عاش حياته مفتيًا، وله كتاب «تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين»، وقصائد شعرية، وفتاوى فقهية كثيرة، جمعت بعض آثاره العلمية في كتاب موسوعي، صدر عن مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس عام 2015م، فكم جميل أن نزور بيته في الحمراء، بوصفه متحفًا يجمع مقتنياته ومؤلفاته وسيرة حياته.
وفي نزوى، الكثير من بيوت العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء يمكن أن تكون نواة لمتاحف أهلية، إذ يمكن تحويل الغرفة التي كان يسكنها الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت: 1954م) في قلعة نزوى إلى متحف يجمع شيئًا من مقتنياته، إن وجدت، وبعض الأدوات التي كان يستخدمها، بدلًا من أن تتفرق في أيدي من يجمعون التحف القديمة، فتلك الغرفة الصغيرة صورة للتواضع الكبير الذي كان عليه الإمام، وفيها كان يستقبل ضيوفه، ويصنع لهم القهوة، ويلتقي بهم في مجلس البرزة، أو المسجد المقابل للغرفة، وتلك الأنحاء المتقاربة كانت هي المكان والميدان الذي تحرك فيه الإمام خلال فترة حكمه الممتدة إلى ثلاثة عقود، خلال النصف الأول من القرن العشرين، فماذا لو تحولت غرفته إلى متحف خاص به، علَّنا نعود بخيالنا إلى تلك الأيام، وكأننا نلتقي به حيًا؟
وما تزال بعض بيوت الأدباء والفقهاء في نزوى باقية بأطلالها إلى اليوم، في حارات العقر وسمد وسعال بنزوى، والكثير من تلك البيوت يمكن تحويلها إلى متاحف أهلية، ليس لزامًا أن يكون متحفًا شخصيًا، وإنما متحفًا ثقافيًا أهليًا، يعرض نوادر المخطوطات والوثائق، والمقتنيات الخاصة بذلك الرعيل من حملة العلم، ويخفف من غلواء التجارة الحديثة التي تسود المكان.
ومن مدينة صور الجميلة، خرج منها المؤلف البحار ناصر بن علي الخضوري (ت: 1968م)، صاحب كتاب «معدن الأسرار في علم البحار»، اختارته منظمة اليونسكو عام 2017م، في برنامج سجل ذاكرة العالم، بوصفه من أهم المخطوطات العالمية في علم البحار، فهل يوجد في صور متحف يعرِّف بتاريخ المؤلف البحار؟
وفي قرية «السيح» بوادي بني رواحة، يمكن تحويل مكتبة الشاعر الغريد موسى بن سالم الرواحي (ت: 2025م) إلى نواة لمكتبة أهلية صغيرة تحفظ التاريخ الشعري للشاعر، فقد كان مجلسه يضم مكتبة فيها بعض من مخطوطاته وأوراقه ومقتنياته، وتسجيلاته الصوتية، وهو أحد قراء الشعر بالطريقة العُمانية، فكم جميل أن تُخصَّص له زاوية من زوايا المجلس العام في قرية «السيح»، ليكون مزارًا للمثقفين والأدباء، وتذكارًا لبلبل عُماني عاش في تلك الأنحاء يومًا ما، من أجل أن نستعيد ذكراه ونعيد أيامه، وكأننا نلتقي به من جديد حيًا.