أعمدة

الغربال..

نتعرض نحن البشر لامتحانات قاسية طوال سنين العمر، ويندر أن تمر فترة زمنية دون أن يكون هناك امتحان نتلقى أسئلته الصادمة، ونكون في أغلب هذه الامتحان بين خيارات محدودة، ومع ذلك نخرج بنتائج ربما قد لا تكون مرضية في كثير من الأحيان، ولكنها تعبّر عن شيء مما نحن عليه من قدرات: الحكمة، والخبرة، والتوازن بين الأخذ والعطاء، وتبقى النتائج في عموميتها معبرة عن هذه القدرات، وهي ما تنضوي تحت مفهوم الـ«الغربال»، والغربال في مفهومه الدارج: هي الأداة التي تنقى من خلاله الشوائب المختلطة بكثير من المواد، سواء المواد الغذائية أو المواد الأخرى التي تحتاج إلى تنقية دائمة لفصلها عن الشوائب التي تؤثر على جودتها، ومقاربة للمعنى فإن كل واحد منا غرباله الذي يستطيع من خلاله أن ينقّي مجموعة الشوائب والأكدار التي تختلط بمختلف ممارساته اليومية، فينقيها ويتجاوز بذلك مجموعة الأكدار التي قد تنغّص عليه مشاريعه اليومية في الحياة. 

يستعان بـ«الغربال» هنا بصفته مفهوما فلسفيا؛ لأنه واحد من الأدوات التي تنقي الشوائب من الاختلاط بما هو أجود، والأجود في كثير من المواقف هو الصورة الإيجابية المحمودة التي يستحسنها الناس، وهي الفعل الإيجابي الذي لا يأتي إلا بالخير والعدالة وإحقاق الحق، وهذه الصورة تحتاج إلى كثير من الـ«غربلة» حتى يتضح نقاؤها، وهذا يستلزم أنفسا قادرة على الصبر، وعلى الحكمة، وعلى الروية، وعدم الشطط، ولذلك فكثير من الناس تتصيدهم الحيرة عن القدرة على فك الاشتباك في حالات الاختلاط فلا يدري الصالح من الطالح، ولا الجيد من الرديء، ولا الصديق من العدو، ولا الأمين من الخائن، ولا العادل من الظالم، وهذه الحيرة في حالة توغلها في النفس تفقد الإنسان صوابه، وتضيع حقوقه، فيتماهى في الضياع أكثر وأكثر، وهذه الآلية المعنوية «غربلة الأشياء» ليس من اليسير تحققها هكذا بالمصادفة الفجة، فهي تحتاج إلى كثير من الرويّة والتمعّن والتفكّر، مع أن هذه الأمور هي الأخرى ليست متاحة للكل، حيث تتلبس العشوائية والفوضوية حياة كثير من الناس «إلا من رحم الله» ومع ذلك تنبري الفطن؛ ويعاد تقييم ما خفي، ليس لأن ما يقع مغلف بألغاز معتمة، أو صادم يثير الدهشة، إطلاقا، ولكن في مثل هذه اللحظات الفارقة في حياة الإنسان تتداخل مجموعة من الصور: منها الصالح والطالح، والجيد والرديء، فيبقى الإنسان في حالة من الحيرة، الحيرة في الاختيار، والحيرة في الانتماء، والحيرة في الاصطفاف، ويبقى الارتهان في الخروج من ذلك كله هي الفطنة؛ فهي المقياس لفرز الكثير من الأقوال والأفعال، سواء من مظانّ النفس تجاه الآخر، أو الأقوال والأفعال الميكانيكية المباشرة التي تصطدم بالواقع في اللحظة الآنية، وهذه الفطنة إن تيسرت عند فلان من الناس، فليس من اليسير أيضا أن تتيسر عند آخرين، فهي واحدة من المواهب التي يتميز بها الأشخاص دون الآخرين، كما هو الحال لدى مواهب كثيرة يتميز بها آخرون دون غيرهم، وهذه من النعم التي ينعم بها الله سبحانه وتعالى على عباده؛ ليهب الضعيف الخروج من مأزق تسلط القوي عليه، ويوقف القوي عند حد معين من الاسترسال في ظلم الضعيف والجور عليه. 

يحضر الـ«غربال» لينقي أشعة الحقيقة من حجب مظان النفس الكثيرة، ومن مخادعة الأعين المغمضة على أنصاف الحقائق، ومن تداخل المصالح، والاتفاقات الجانبية، ومما خفي عن الأنظار، وابتعد عن الأسماع، ومن تعظيم التجارب الحياتية المستمرة «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، الغربال هنا مصفٍّ لكثير من الشوائب، والأفعال الملوثة بضعف الأنفس، ومن يعتمده في كثير من ممارساته اليومية يقينا فلن يضار في نتائج ما يتحصل من هذه الممارسات والأفعال والسلوكيات، وسيكون الرابح بلا جدال، فالغربال ليس وهما يباع على الأرصفة، بل هو مجموعة من القدرات المعنوية التي إن أراد أحدنا توظيفها في ممارساته اليومية -فبلا شك- يكسب رهان استحقاق الأفعال الحسنة والطيبة، المعبرة عن رسالته الإنسانية في الحياة. 

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني