الأذرع التجارية لشركات النفط الكبرى تحقق أرباحا غير عادية
الجمعة / 17 / محرم / 1448 هـ - 15:29 - الجمعة 3 يوليو 2026 15:29
لدى شركات النفط الكبرى طريقتان لكسب أموال وفيرة أثناء صدمات الطاقة. إحداهما بيع المواد الهيدروكربونية التي تضخها وتكررها بنفسها. والطريقة الثانية شراء البراميل التي ينتجها آخرون والمسارعة إلى بيعها لمن هم أكثر احتياجا لها.
أوضحت حرب الخليج الثالثة عمليا إلى أي حد صارت الطريقة الثانية مهمة كمصدر ربح لصناعة النفط وخصوصا في أوروبا.
كان تداول النفط في الماضي 'سرا صغيرا مدسوسا' تضيف به شركات النفط الكبرى المزيد إلى عائداتها. لكنه لم يعد 'صغيرا'. فحجم المواد الهيدروكربونية التي يتم تداولها بواسطة بريتيش بتروليوم (بي بي) وشل وتوتال إنيرجيز والذي يكافئ حوالي 40 مليون الى 50 مليون برميل من النفط في اليوم يساوي ما بين خمسة الى عشرة أضعاف ما تنتجه هذه الشركات. كما أن مساهمة هذا التداول في أرباحها ليست ضئيلة.
تشير تقديراتنا في الإيكونومست الى أن الأذرع التجارية لهذه الشركات الثلاث يمكن أن تكون في سبيلها إلى تعزيز متوسط عائدها على رأس المال بما يقارب الثلث أو أكثر هذا العام. مع ذلك تظل هذه الأنشطة (المتعلقة بتجارة وتداول المواد الهيدروكربونية) طي الكتمان. تكشف الشركات الكبرى الكثير عن أنشطتها الإنتاجية والتوزيعية. لكن المعلومات عن أذرعها (مكاتبها) التجارية في الواقع تعتبرها أسرارا. يساعد هذا الحجب في حماية ميزتها التنافسية.
إوّزة تبيض ذهبا
تفسر أرباح التداول وحدها تفوّق الشركات الأوروبية الكبرى، التي تخلفت تقييماتها منذ فترة طويلة عن نظيراتها الأمريكية، على شركتي اكسون وشيفرون منذ نهاية فبراير. لفهم الكيفية التي حصلت بها على هذا القدر الكبير من الأرباح وهل سيستمر ذلك تحدثت الإيكونومست الى مجموعة متنوعة من العليمين ببواطن صناعة النفط والغاز. وتشير ما حصلت عليه من معلومات الى أن 'الإوزة' التي تبيض ذهبا لا يزال لديها الكثير منه. لكن 'ثعالب' المنافسين تدور حولها.
حنكة أوروبا (شطارتها في التجارة) نتاج للتاريخ والجيولوجيا. كانت لرجال النفط الأمريكيين دائما موارد وفيرة وسوق داخلية واسعة. هذا فيما فقد نظراؤهم الأوروبيون الذين يفتقرون إليهما كليهما حصصَ ملكيتهم في النفط الشرق أوسطي خلال عمليات التأميم في سبعينيات القرن الماضي.
أجبرتهم تلك الصدمة على شراء براميل الغير وليس فقط بيع نفطهم. كانت بريتيش بتروليوم 'بي بي' الشركة الرائدة في تجارة (تداول) النفط في الثمانينيات عندما انهارت قبضة أوبك على الأسعار. ففي وسط تخمة النفط الرخيص بدأت الشركة شراء براميل لم تكن بحاجة اليها وراهنت على أنها سيكون بمقدورها بيعها مقابل ربح. كما أنشأت شركتا شل وتوتال ذراعيها التجاريين خلال التسعينيات عندما قلصت الأسعار المنخفضة الهوامش الربحية لعمليات الشق الأعلى (الاستكشاف والإنتاج) واضطرت شركات النفط الكبرى الى البحث عن عوائد في مجال آخر. هكذا تمثَّل الحل في تداول النفط الذي يحقق أرباحا من تقلب الأسعار والفوارق بينها وليس فقط من مستوياتها.
يمكن لمتداولي كبرى شركات النفط الاستفادة من تقلب الأسعار جزئيا لأنهم يملكون معلومات لا تُضاهي عن الإمداد والطلب واتجاه الأسعار بفضل العمليات الكبيرة لشركاتهم والتي تشمل حقول النفط والغاز والمصافي ومنصات التحميل ومنشآت التخزين وغير ذلك.
خلال الخمسة عشر سنة الماضية اتسعت الفرصة. فالبنوك التي شلَّتها الإجراءات التنظيمية تراجعت عن تداول السلع. كما تحولت تجارة الغاز الطبيعي المسال إلى سوق عالمية مزدهرة بفضل ثورة النفط والغاز الصخريين في أمريكا وتخلي اليابان عن كهرباء الطاقة النووية وأزمة الغاز الروسي.
صار من المنتظر أن يساعد المتداولون في تسويق وبيع حصص شركاتهم من براميل انتاجها. لكن تعاظم مساهمتهم في أرباح الشركات حقق لهم المزيد من الاستقلال (كقطاع تجاري عن قطاع الإنتاج.) فحوالي تسعة أعشار ما يتداولونه من نفط يأتي من خارج الشركة التي يتبعون لها (يشترونه من السوق ويعيدون بيعه بفائدة ربحية – المترجم.) ويبدو أن حرب إيران وضائقة الطاقة التي سببتها ستجعل هذا العام سنة رخاء لتداول النفط حتى إذا عادت الأسعار الى طبيعتها.
أرباح وفيرة ومخفية
تخفي شركات النفط الكبرى أرباح التداول بضَمِّها الى أرباح وحداتها الأخرى. لكن التقديرات التي جمعناها في الإيكونومست تشير الى أن شركات بي بي وشل وتوتال ربما تحصل على أرباح قبل خصم الضرائب تتراوح بين 15 بليون الى 20 بليون دولار من تداول النفط في عام 2026.
وإذا أخذنا الرقم الأقل وافترضنا أن هذا العام يشبه عام 2023 عندما بلغ متوسط نفط برنت 83 دولارا للبرميل، وهو ما يوافق تقريبا التوقعات الحالية، يمكن أن يشكل التداول ما بين 15% الى 20% من إجمالي أرباح الشركات الثلاثة.
لأن التداول لا يتعلق بأصول الشركة الإنتاجية فإن مساهمته في العائد على رأس المال أكبر. ووفقا لتقدير ميشيل ديلا فينيا الخبير ببنك الاستثمار 'جولدمان ساكس' يضيف التداول في النفط الآن نقطتين مئويتين إلى العائد على رأس مال كبرى شركات النفط الأوروبية في أية سنة من السنوات، وربما ثلاثة نقاط مئوية هذا العام مقارنة بحوالي نقطة مئوية واحدة تقريبا قبل عقود.
ما هو أكثر لفتا للانتباه من حجم الأرباح مرونة هذه الشركات. ففي أي نشاط تجاري آخر ينفد الحظ في النهاية ويسجل المضاربون خسائر. لكن الأذرع التجارية لشركات النفط الكبرى 'نادرا ما تخسر أموالا'، كما يقول ديلا فيينا. بل هي فقط تربح أقل في السنوات الأسوأ. تفسر ذلك ثلاث مكوّنات هي هيكلها الرشيق ومهارة متداوليها والقدرة المالية الكافية للقيام برهانات ضخمة عندما يكون التداول مربحا.
ماذا عن المنافسة؟
تعثرت الجهود السابقة لشركات النفط الأمريكية العملاقة (في منافسة الشركات الأوروبية) بسبب الافتقار الى (تخصيص) رأس المال والاستقلال الذاتي لأذرع تجارتها. كما حاولت بعض الدول البترولية منافستها أيضا وكانت النتائج 'متباينة.' فالدخول في صفقة خاسرة تستنزف الثروة الوطنية سرعان ما تقود الى ضغوط سياسية لوقفها.
مع ذلك شركات النفط الأمريكية الكبرى والتي تشعر بالغيرة من منافساتها الأوروبية أكثر إصرارا من أي وقت مضى على اللحاق بها. وشركات النفط الوطنية التي تعبت من استئجار الوسطاء وتتلهف لتنويع الإيرادات جددت اهتمامها بتجارة وتداول النفط.
مؤخرا كانت شركة 'أدنوك' الإماراتية العملاقة وأيضا إكسون وشركة نفط أمريكية أخرى هي 'فيليبس 66' من بين أكبر الشركات التي وظفت متداولين على نطاق العالم، بحسب يقول انوش كفاياتي الخبير بمجموعة 'اتش سي.'
فأدنوك والتي لديها استثمار مشترك مع شركتي 'ايتي' الإيطالية و 'أو إم في' النمساوية أسست مكاتب تداول في سنغافورة وجنيف وتخطط لإنشاء مكتب آخر في هيوستن. واستحوذت أرامكو السعودية على شركة 'موتيفا للتجارة' التي تتخذ مقرها في تكساس عام 2023.
مع ذلك قد يستغرق سد الفجوة مع الأوروبيين في مجال تداول النفط عدة سنوات. يقول كيفياتي 'ذلك مثل فريق سباق السيارات فورمُوَلا 1. أنت تخوض السباق. ثم تعود. تدرس بياناتك. تتخذ قرارات صعبة. وتخوض سباقا آخر. أنت تحتاج الى القيام بسباقات عديدة لتعرف الطريقة الصحيحة للفوز.'
التهديد الأكبر والفوري يأتي من شركات التداول المستقلة الكبيرة. فبعد جمعها مبالغ ضخمة من الأموال النقدية في 2022- 2023 اشترت أصولا ببلايين الدولارات تتراوح من منصات تحميل الغاز الطبيعي المسال والى شبكات بيع الوقود بالتجزئة (محطات الوقود).
في الأثناء تخلصت الشركات الأوروبية الكبرى من أصول بقيمة 77 بليون دولار منذ عام 2019 تحت ضغط تقليص محفظة الاستثمارات وخفض الانبعاثات، حسب شركة 'ريستاد' الاستشارية. نتيجة لذلك تضعف ميزة معلوماتها.
كما يمكن للمتداولين الذين يعملون لحسابهم الخاص أيضا تعقب الفرص التي رغم مشروعيتها قد تعتبرها شركات النفط المدرجة عالية المخاطر، مثل تلك التي تتعلق ببلدان تشملها العقوبات جزئيا أو شملتها في الماضي.
عندما أراد دونالد ترامب نقل النفط الفنزويلي في يناير استعان بشركتي ترافيجورا وفيتول. يقول مموِّل مقرَّب 'كان ذلك نفطا فائق اللزوجة مكث لسنوات على متن سفن صدئة. وهما فقط (أي ترافيجورا وفيتول) تستطيعان نقله وتصريفه.'
من بين مبررات انشاء مكاتب التداول الداخلية للشركات الاستخدامُ الأفضل للمعلومات الميدانية التي تحصل عليها. لقد استثمرت مبالغ ضخمة في البرمجيات التي تقترح التداولات القائمة على البيانات المتاحة لها.
هنالك مبرر آخر وهو إعداد صفقات يتم بموجبها تمويل المنتجين مقابل اتفاقيات توريد طويلة الأجل تضمن حصول هذه المكاتب على نفط 'محجوز أو محتكَر' الى جانب معلومات ميدانية عن السوق. في يناير أبرمت شركة توتال صفقة مع البحرين حول مشروع مشترك لتجارة وتداول منتجات المصفاة الوحيدة في البحرين دون امتلاكها.
ستتيح الاضطرابات الجيوسياسية وظواهر الطقس المتطرف في السنوات القادمة مجالا واسعا للمتداولين في شركات بي بي وشل وتوتال لتحقيق أرباح ضخمة.
حاليا، سيساعد ذلك شركات النفط الأوروبية الكبرى على الحفاظ على تنافسيتها. لكن بمرور الوقت قد يؤدي احتدام المنافسة في تداول النفط الى تقلص تلك الأرباح. وقد يجد مهندسو النفط، لا صانعو صفقاتِه، أن شأنهم يعلُو مرة أخرى.