منوعات

شمع سيما حقيقي البحرانيّة وشموعها: النّار والنّور

 

أُخذت الطفلة بسحر الإضاءة بعد توقّف الكهرباء فجأة. كان الضوء الصادر من 'الشمعة' الصغيرة التي بدت كالقلم في نحولها، ساحرا؛ فقد بدّد سواد الليل الحالك. تقترب الطفلة، ترى ذلك اللهب المنير، حارق ومضيء، تبعد يديها، وتقرّب بصرها لترى في اللهب سحرا. تطيل التأمل، فتنصدم ربما الصدمة الأولى في حياتها، فهذا اللهب الجميل المضيء يسيل بياضا.
لماذا؟
....
سؤال بلا إجابات، دفعها في كل تجربة للشموع أن تتأمل لا اللهب فقط؛ فقد خفّ سحر الضوء، لكن دهشتها تجاه ما يسيل بقيت وازدادت. تتساءل الطفلة الصغيرة، يبدو هذا الذي يسيل كالدمع، لكنه في النهار يصير جمادا أبيض.
ستجد نفسها في 'المقام' القديم تتابع انشغالها بهذا السائل الساحر، الذي يذوب ليضيء، كانت جدتها تدعو ببركة الأولياء، فيما كانت تتساءل عن هذا الشمع، ثمة شيء ما يدعو للتأمل، لذلك لم تُصب بالدهشة حين قرأت يوما في حصّة العلوم: تحترق الشموع لتضيء، ثم لتقرأ في حصّة اللغة: بعض الناس مثل هذه الشمعة، تحترق لتضيء للآخرين! هي استعارة بلاغية رمزية تعبر عن التضحية والعطاء المطلق، حيث تستهلك الشمعة نفسها (تذوب) من أجل أداء وظيفتها في نشر الضوء للآخرين. تُستخدم هذه العبارة لتمثيل الأشخاص المعطاءين، بناة الأجيال، أو النفوس التي تحترق في صمت لإسعاد من حولها دون انتظار مقابل.

فهمت ذلك مبكّرا، لكنها لم تستطع التعبير عن هذا المعنى والتشابه البلاغي، لكنه ظل لذلك الملمس والبصر والرائحة أمكنة في الروح.
ستعود 'سيما' الى الشمع بعد سنوات، لتشكّل به منحوتاتها التشكيلية، ولعلّ ذلك ما دفعها للتعلم عن هذا الفن. تقول' يذكّرني الرسم بالشمع أن بعض الأشياء رغم هشاشتها الظاهرة تملك قدرة مدهشة على البقاء؛ فالشمع يذوب لكنّ أثره يبقى، والنّار تمرّ فوق اللوحة لكنها لا تحرقها، بل تمنحها روحا أخرى، ربما يشبه هذا الفن الإنسان أكثر مما نظُنّ، فنحن أيضا تعبر فوق أرواحنا حرائق كثيرة، أما ما يبقى في النهاية فهو ليس ما احترق، بل ذلك الضوء الذي تعلم كيف يعيش داخلنا'. أو لعله 'حوار طويل بين النار والضوء، بين الهشاشة والقوة، وبين شيءٍ يذوب... وشيءٍ يبقى'.
المضمون يستدعي الشكل، هو مفتاح الفنانة سيما حقيقي، من البحرين، التي شكّلت ذاكرتها، وما اختلط بها من معان فلسفية، دافعا لها كي ترسم به أفكارها الفنية.
هي متخصصة في فن سكب الألوان وصناعة الشموع. كانت البداية في معرضها الفردي لسكب الألوان في عام 2024 بعنوان 'همسات متحركة، عبر استخدام أكوابٍ وفناجين تحوي نقوشاً تراثيةً، بالإضافة إلى مجسماتٍ للفخار والجِدر، والذي كما يبدو شجعها لتدريب آخرين على الإبداع بهذه الخامة.
إنه الإنكوستيك (الرسم بالشمع)، الذي يشكل بالشمع من خلال التسخين، بإضافة الألوان، كأنها تذكّرنا وتذكّر نفسها بتلك الطفلة، وبدوات النساء وخشوعهن.
فن التشكيل بالشمع هو تقنية فنية قديمة ومتجددة تعتمد على استخدام الشمع (غالباً شمع النحل) الممزوج بالألوان (الأصباغ) وتطبيقها وهي ساخنة، لتشكيل لوحات فنية أو مجسمات، ويُعرف هذا الفن عالمياً باسم Encaustic Art. تاريخياً، يُعدّ هذا الفن من أقدم الفنون، حيث استخدمه اليونانيون والرومان في اللوحات الجنائزية، وقد شهد في العصر الحديث عودة قوية بفضل توفر أدوات التسخين الكهربائية. ولعل من أبرز جوانبه الرسم بالشمع الساخن، حيث يتم تسخين الشمع ليصبح سائلاً، ثم يمزج بالألوان ويُطبق على أسطح صلبة مثل الخشب أو الورق المقوى، حيث يتجمد بسرعة عند ملامسته للسطح، ما يسمح ببناء طبقات متعددة وملمس غنيّ.
تختلف الخامة في إبداع البحرانية سيما حقيقيّ، ويعود السبب إلى مناخ المكان الحارّ، ما دفعها لاختيار خامة أخرى من الشمع؛ فأجواء الخليج يلائمها شمع البرافين حتى لا يذوب. كذلك فإن له لمعانا خاصا.
أما تقنية العمل به، فتقوم على إذابة الشمع، ثم تضاف له الألوان الخاصة بالشمع، ثم يسكب على سطح اللوحة، حيث تكون عملية السكب بدرجات حرارة مختلفة للحصول على ملمس مختلف في كل لوحة.
وحتى نتفهّم الإبداع بالشمع، فيمكننا تذكر طفولتنا أيضا، حين كنا نقوم 'بتنقيط' سائل الشمعة المذاب، لاكتساب أشكال طفولية قد لا نسيطر تماما عليها، لكن أحد الأطفال استطاع تكوين قطعة من السائل الشمعيّ الذي تكاثف على شكل 'منفضة سجائر'. كان ذلك الطفل فنانا.
ويبد أنها حالة إبداعية وطفولية لدى سيما حقيقيّ، تجاه الشعور بالتشكلات، ولكن ثمة مفارقة غريبة؛ ففي الوقت الذي نحسب أنه بالإمكان التحكم به، نفاجأ أن الأمور نسبية. هل ثمة رمزية هنا حين يتمرد الشمع المتجمد ليستقر بالشكل الذي يريده؟ يبدو أنه يمكن تطويعه لكن ليس الى آخر مدى.
سينتقل التذوق والوعي ممزوجا بالدهشة لدى المتلقي، من حيث الملمس واللون، كذلك من خلال فكرة التكوين الفني؛ فالشمع طاقة إيجابية يمنح الإحساس بالراحة، أكان في عملية الإبداع من خلال التذويب والتحريك والصبّ في قوالب معينة. ثمة إحساس بالتوازن والراحة، في التحكم من جهة، وفي الخيال لما يمكن أن ينتهي له.
كذلك ثمة أمر آخر يخصّ الكتلة، فزنة اللوحات بالكيلو غرامات، والتي تصل الى 30 كيلو، كلوحتها المشاركة في معرض 'فرشاة عربية' في زيورخ بسويسرا، بمشاركة 50 فنانا.
كان معرض سيما حقيقي هو الأول من نوعه ليس في البحرين، بل في المنطقة، اشتركت فيه من خلال 22 لوحة، من ضمنهم لوحتان ثنائيتان مكونتان كل واحدة منهما من قطعتين، ولوحتان ثلاثيتان، كل واحدة مكونة من ثلاث قطع.
مضامين حياة
تتمحور إبداعاتها حول العبور والتطور الإنسانيّ والتحوّلات، بريط الماضي والحاضر بالمستقبل؛ فتعبّر إحدى اللوحات تعبر عن أسطورة طائر الفينيق الفلسطيني، أبدعتها خلال الحرب على غزة. في حين عبرت في لوحة أخرى عن الحالة الذاتية؛ فلوحة 'أحلام'، ترمز خلفية الرقمية إلى الذكريات التي تظل محفورة، لا تنسى، فيما يرمز الخشب الى أحلام لم تتحقق، أما المربع فيعبّر عن الحاضر. أما ثلاثيتها المنشورة هنا، فهي رحلة الكلمة في القلب والعقل والروح، حيث تتحرك الكلمة بخفة انسياب الموجات.
وعبّرت منحوتة أخرى، عن الطبيعة من خلال إضافة رمز الصول الموسيقي، ليضفي على طبيعة البحر والهواء حركة حيوية.
حصلت حقيقي مؤخرًا على المستوى الذهبي (المركز الأول) ضمن فئة الأفراد المتميزين في مجال الإبداع البصري والفني، في الدورة الثانية من جائزة الذكاء والإبداع العربي (AICA) لعام 2025،
قبل 8 سنوات، أسست الفنانة حقيقي 'شمعة أمل' قامت على فكرة تجميع الشموع غير المرغوب بها، وإعادة تدويرها، وصنع شموع جديدة منها، تباع بمبالغ رمزية والتبرع بالعائد للسمعيات الخيرية في البحرين لدعم مشاريع الأيتام.
الفنانة في سطور:
كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية بحرينية. تكتب المقالة الأدبية التأملية بلغة تمزج بين البعد الفلسفي والحسّ الإنساني، إلى جانب اهتمامها بالكتابة في الفن، وسيكولوجيا الألوان، والعلاج بالفن لديها حاليًا كتابان قيد النشر؛ الأول يتناول رحلتها الفنية والإنسانية وتجربتها مع الفن والشغف والتحوّل، بينما يضمّ الثاني مجموعة من مقالاتها الأدبية التأملية ذات الطابع الفكري والإنساني.