العرب والعالم

من الحقيبة إلى الكفن.. كيف اغتالت الحرب أحلام طلبة غزة؟

التعليم ليس ضحية جانبية للحرب بل في قلب الاستهداف

 

في ذلك المساء، وبعد أن انفضّ المعزون وغادر كلٌّ إلى خيمته، بقيت امرأة واحدة وحدها في مواجهة صمتٍ ثقيل لا يُحتمل. لم يكن في المكان سوى وسادة صغيرة، لكنها كانت تحمل ما لا تحمله الجبال من ذاكرة ووجع.
جلست أم الطالبة رغد حسين عاشور (18 عامًا) أمامها، تمرر أصابعها عليها كأنها تتحسس بقايا حياةٍ كانت هنا قبل ساعات. كانت تلك الوسادة ليست مجرد قطعة قماش، بل كانت عالمًا كاملًا؛ عالمًا كانت تتقاسمه مع ابنتها كل ليلة داخل خيمة نزوح لا تشبه البيوت إلا في الاسم.
قالت بصوتٍ منكسر، خرج من أعماق الفقد: 'أنا وإياها بننام على مخدة وحدة'. جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتلخيص مأساة كاملة، مأساة أم فقدت ابنتها، وفقدت معها تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تُبقيها واقفة في وجه الحرب.
كانت رغد، الطالبة المتفوقة في الصف الحادي عشر، لا تزال في الثامنة عشرة من عمرها. فتاة صغيرة في العمر، كبيرة في الحلم. كانت تؤمن أن التعليم هو الطريق الوحيد للخلاص، وأن الكتاب يمكن أن يكون سلاحًا في وجه واقعٍ ينهار كل يوم. في صباح يوم استشهادها، استيقظت كعادتها داخل خيمة النزوح. رتبت دفاترها، وأعدّت نفسها ليوم دراسي جديد، رغم كل ما يحيط بها من قصف وخوف وانعدام استقرار.
لم تكن تعرف أن الطريق إلى الامتحان سيكون الطريق الأخير.
خرجت رغد تحمل حقيبتها المدرسية، تلك الحقيبة التي كانت بالنسبة لها رمزًا للحياة، لا مجرد أدوات دراسة. لكنها لم تعد. سقطت قبل أن تصل إلى مقعدها الدراسي، وانتهى حلم الجامعة قبل أن يبدأ.
بقيت دفاترها مفتوحة على صفحات لم تكتمل، وبقيت أقلامها في الحقيبة كأنها تنتظر يدًا لن تعود، وبقيت الوسادة التي جمعتها بوالدتها شاهدًا صامتًا على لحظة انكسار لا تُنسى.
لم تكن رغد حالة فردية، بل كانت صورة من مشهد أوسع بكثير، يتكرر كل يوم في قطاع غزة، حيث يتحول طريق المدرسة إلى طريق لا عودة منه، وحيث تُكتب نهايات الأطفال قبل أن تُكتب بداياتهم.
في غزة اليوم، لم تعد الحرب تُقاس بعدد الغارات فقط، بل بعدد الحقائب التي عادت بلا أصحابها، والمقاعد التي بقيت فارغة، والوسائد التي فقدت من كان ينام عليها.
حقيبتان بقيتا، وصاحبتاهما رحلتا
في زاوية ضيقة داخل خيمة نزوح، تجلس العمة، لا تزال تقاوم الفقد بطريقة مختلفة؛ لا بالصراخ، بل بالصمت الطويل.
أمامها حقيبتان مدرسيتان لم تُفتحا منذ يوم الرحيل الأخير.
حقيبتا الشقيقتين: لانا حسين الصفدي (17 عامًا)، وزينة حسين الصفدي (13 عامًا).
تقول العمة إنها كلما نظرت إليهما، شعرت أن الباب سيُفتح في أي لحظة، وأن ابنتي أخيها ستدخلان لتسألا عن المدرسة، وعن الواجبات، وعن امتحانٍ قادم، وعن تفاصيل يومٍ عادي لم يعد موجودًا.
لكن الباب لا يُفتح، ولا تعود الخطوات.
كانت لانا في السابعة عشرة، تقف على أعتاب المرحلة الأخيرة من التعليم المدرسي، تحلم بالجامعة، وتكرر دائمًا أن 'التعليم هو الطريق الوحيد لإعادة بناء ما دمّرته الحرب'.
أما زينة، فكانت في الثالثة عشرة، ما زالت تحمل ملامح الطفولة كاملة، ترسم في دفاترها بيوتًا دافئة وأشجار زيتون وسماءً بلا طائرات. وكانت تحلم أن تصبح معلمة، لتعيد للأطفال ما حُرموا منه.
قبل أيام قليلة من رحيلهما، دار حديث عابر بين الشقيقتين عن العودة إلى المدرسة عندما تنتهي الحرب، وعن المقاعد التي ستعود إليهما، وعن الحياة التي ستستقيم من جديد.
لكن الحرب لم تنتظر هذا الحديث حتى يكتمل.
في لحظة واحدة، انتهى كل شيء؛ رحلت العائلة بأكملها: الأب والأم والأولاد، ومُسحت العائلة من السجل المدني.
وبقيت الحقيبتان شاهدتين على حياة توقفت قبل أن تبدأ.
الخيمة.. فصل دراسي بلا جدران
في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، تبدأ يوميات الأطفال قبل شروق الشمس، لا على صوت جرس المدرسة، بل على أصوات بعيدة لا تشبه الطفولة.
لا مقاعد، ولا سبورة، ولا معلم، ولا نظام دراسي واضح.
تحولت الخيمة إلى كل شيء في آن واحد: غرفة نوم، ومطبخ، ومساحة لمحاولات الدراسة.
يجلس الأطفال على الأرض، فوق بطانيات بالية، يحاولون تصفح ما تبقى من كتبهم، بينما يتداخل صوت الطائرات مع محاولات الحفظ والقراءة.
يقول محمد سليم (34 عامًا): 'ابني ما زال يحمل حقيبته كل يوم، ثم يتذكر أنه لا مدرسة'، بينما يسأل أمه كل صباح: 'متى سأعود إلى صفي؟'، ولا أحد يملك إجابة.
مدارس تُقصف وتعليم يُنتزع
لم يكن التعليم في غزة ضحية جانبية للحرب، بل كان في قلب الاستهداف.
فقد تعرضت عشرات المدارس للقصف والتدمير أو التحول إلى مراكز إيواء، فيما خرجت غالبية المؤسسات التعليمية عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي.
ومع استمرار الحرب، لم يعد الحديث عن تعطل الدراسة كافيًا، بل أصبح الحديث عن انهيار منظومة تعليمية كاملة تهدد مستقبل جيل بأكمله.
أرقام لا تُشبه الإحصاء، بل توثق الفقد، ما بين القصة والرقم، تتكشف في غزة صورة أكثر قسوة من أن تُروى.
فوفق بيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، بلغ عدد الأطفال الذين استشهدوا في قطاع غزة منذ بداية الحرب أكثر من 21,000 طفل، أي ما يقارب ثلث إجمالي الشهداء. ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل كانت تعني آلاف البيوت التي فقدت أبناءها، وآلاف الأمهات اللواتي لم يعد لديهن ما ينتظرنه عند الباب.
كما تشير البيانات إلى إصابة عشرات الآلاف من الأطفال، كثير منهم بإعاقات دائمة، في مشهد يجعل الطفولة في غزة محاصرة بين الموت والإصابة والحرمان.
أما في قطاع التعليم، فتشير وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية إلى أن الحرب أودت بحياة ما يقارب 19,000 طالب وطالبة في قطاع غزة، إلى جانب إصابة أكثر من 28,000 طالب، واستشهاد مئات المعلمين، وتدمير عدد كبير من المدارس الحكومية ومدارس وكالة الأونروا، ما أدى إلى خروج أغلب العملية التعليمية عن الخدمة.
وهذه الأرقام لا تقف عند حدود الخسارة البشرية فقط، بل تمتد إلى خسارة مستقبل كامل، إذ حُرم مئات الآلاف من الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم، وانقطعت سنوات دراسية كاملة عن جيل بأكمله.
تحذيرات دولية ومستقبل معلّق
حذرت اليونيسف مرارًا من أن أطفال غزة يعيشون 'واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم'، مشيرة إلى أن آثار الحرب لا تتوقف عند القتل والإصابة، بل تمتد إلى صدمات نفسية عميقة قد تستمر مدى الحياة.
كما أكدت اليونسكو أن استهداف المدارس والمنظومة التعليمية في غزة يهدد بانهيار طويل الأمد في التعليم، وأن إعادة بناء النظام التعليمي قد تستغرق سنوات طويلة حتى بعد توقف الحرب.
وفي تقارير متتالية، شددت منظمات حقوقية دولية على أن حجم الخسائر في صفوف الأطفال والطلبة في غزة غير مسبوق في النزاعات الحديثة، وأن استمرار انهيار التعليم يشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل جيل كامل.
ليست أرقامًا.. بل وجوه وأحلام
رغد حسين عاشور، ولانا الصفدي، وزينة الصفدي، ليست هذه الأسماء سوى جزء صغير من قائمة طويلة من الأطفال الذين خرجوا إلى مدارسهم حاملين أحلامهم، فعادوا في أكفان.
كانت كل واحدة منهن تملك حلمًا بسيطًا: جامعة، ومقعدًا دراسيًّا، ومستقبلًا مختلفًا.
لكن الحرب أعادت كتابة المصير بطريقة مختلفة.
في غزة، لا تُقصف البيوت وحدها، بل تُقصف الحقائب المدرسية، والدفاتر، والمقاعد، والطفولة نفسها.
ويبقى المشهد الأخير واحدًا يتكرر: أمّ تجلس أمام غياب ابنتها، ووسادة صغيرة أصبحت أثقل من كل ما حولها.
ويبقى السؤال معلقًا فوق الركام: كم طفلًا يجب أن يُفقد، حتى يُعترف بأن التعليم والطفولة ليسا تفصيلًا في الحرب، بل جوهر الحياة نفسها؟