أفكار وآراء

الشريك الرابع

حين تتغير طبيعة الطريق تصبح الخرائط القديمة غير كافية، فتمتد الجسور لضفاف لم ترصدها أدوات القياس المعروفة. وهذا ما حدث للابتكار؛ فما برح أن يعبر وادي الموت، ليكتشف أن الضفة الأخرى ليست خط النهاية، وأن خلفها طرق جديدة وفضاءات تتسع فيها دوائر المنشغلين بالابتكار؛ فضاءات لم يعد فيها المختبر هو المالك الحصري للابتكار، ولم تعد المؤسسات وحدها هي صانعة الحلول. 

لطالما ارتبط الابتكار في أذهاننا بصورة عقل منفرد أو فريق بحثي ومختبر مغلق. إلا أن تلك الصورة النمطية لم تعد تصمد أمام واقع اليوم الذي تتداخل فيه أدوار المستخدم والمهندس والمواطن والشركة. 

واقع فيه تتسارع مصادر المعرفة والتقنيات الرقمية وتتداخل تحديات المجتمعات، لنجزم بأن الأفكار الجيدة لا تعرف حدودًا مؤسسية. وما لبث أن ينشأ ما يعرف بـ «الابتكار المفتوح»؛ حيث تتشارك الجامعة والقطاع الحكومي والخاص ورواد الأعمال في تطوير الحلول، حتى يتصدر الساحة «الابتكار العابر للتخصصات» ليشمل المواطن والمجتمع المحلي. 

تقلصت المسافة بين من يصنع الحل والمستفيد منه فأوشكت على التلاشي. وتحول التساؤل مِن: مَن يملك الفكرة؟ إلى كيف نستفيد من أفضل الأفكار أينما وجدت لنصنع منها قيمة أكبر؟ 

ولم تعد مشاركة المجتمع في الابتكار تقتصر على العلوم المجتمعية (Citizen Science)، التي تطرقنا لها في مقال سابق، بل اتسعت لتشمل صورا أخرى؛ فمنصات الابتكار الجماعي (Crowdsourcing)، تتيح للأفراد الإسهام بأفكارهم في معالجة التحديات. ولعل منصة LEGO Ideas من أبرز الأمثلة؛ حيث تفتح المجال للأفراد على مستوى العالم لاقتراح تصاميم جديدة، تحول الشركة أفضلها لمنتجات، ويتقاسم أصحاب الأفكار جزءا من عوائد البيع. 

ولا يتوقف دور المجتمع عند اقتراح الأفكار، بل يمتد إلى المشاركة في تطويرها من خلال ما يعرف بـ «المختبرات الحية» (Living Labs). 

وتعد تلك المختبرات بيئات ابتكار مفتوحة وعابرة للتخصص، إذ تجمع بين المواطن والقطاع الأكاديمي والحكومي والخاص لاختبار منتجات أو خدمات جديدة في ظروف واقعية. 

ولعل تجربة مدينة أمستردام الذكية من أبرز الأمثلة على ذلك؛ حيث تختبر التقنيات الجديدة في الأحياء والشوارع بمشاركة السكان. ومن خلال تطبيقات رقمية، يشارك المواطنون ملاحظاتهم ومقترحاتهم في تجربة حلول تتعلق بالنقل والبيئة وجودة الحياة. 

يتم تطوير تلك المقترحات والتغذية الراجعة لتعميمها على نطاق أوسع. 

وهنا نصل لحقيقة لا يمكن التغاضي عنها؛ وهي أن المجتمع لم يعد متلقيًا للابتكار، بل أصبح موردا للابتكار وشريكا في إنتاج المعرفة وتطوير الحلول. 

ولم تعد قيمة المجتمع تقتصر على كونه مستفيدا من الخدمات. بل أصبح يضيف لمنظومة الابتكار خبرات وتجارب لا يمكن للحلزون الثلاثي (الجامعة والقطاعين الخاص والحكومي) أن يوفرها منفردًا. 

ومن ثَم يبرز تساؤل: ما دام المجتمع أحد الموارد التي تسهم في إنتاج الابتكار، هل تعكس أدوات قياس الابتكار هذا التحول؟ 

وكالمعتاد نعود للمؤشر العالمي للابتكار، وما يحسب له من مواكبة تطور مفهوم الابتكار بإضافة مؤشرات جديدة كلما تطورت الممارسات العالمية. 

ومع ذلك فإن اتساع دور المجتمع ليشارك الطاولة مع الحلزون الثلاثي يدفعنا لتأمل المجتمع في هذا المؤشر. وهل أصبح هذا الدور حاضرًا في فلسفة القياس بالوضوح اللازم؟ 

فالمجتمع لا يقتصر دوره في الابتكار على رأس مال بشري وأسواق مستهلكة فحسب، بل يضيف منظومة من الموارد غير المادية؛ مثل الثقة وشبكات العلاقات والخبرات والتطوع والاستعداد للمشاركة، كل ذلك في مجمله يعرف بـ «رأس المال المجتمعي». 

وإذا كان رأس المال المجتمعي موردا يعزز منظومة الابتكار، فمن المنطقي أن ينظر إليه بوصفه أحد مدخلات الابتكار إلى جانب المدخلات التي يقيسها المؤشر العالمي للابتكار. 

فكما تستثمر الدول في التعليم، والبحث والتطوير، والبنية الأساسية، والأسواق، وبيئة الأعمال، فإنها تستثمر كذلك في بناء مجتمع يمتلك الثقة وثقافة المشاركة، وهي موارد لا تقل أهمية في نجاح الابتكار عن باقي المدخلات للابتكار. 

وفي المقابل، ما ينتجه الابتكار لا يقتصر المؤشر فقط على مخرجات المعرفة والتقنية ومخرجات الإبداع، بل يمتد للأثر الاجتماعي. 

ومن هذا المنطلق، قد يكون من المناسب فتح نقاش علمي لتوسيع عدسة الابتكار لتشمل رأس المال المجتمعي بوصفه مدخلا ورافدا لمنظومة الابتكار، وإلى الأثر المجمعي بوصفه مخرجا مكملا للمخرجات المعرفية والتقنية والمخرجات الإبداعية، وذلك بغية البناء على نجاح المؤشر العالمي للابتكار بما يعكس التحول الذي شهده الابتكار خلال العقود الأخيرة، حين أصبح المجتمع شريكًا في إنتاج القيمة، لا مجرد مستفيد منها. 

قد لا يكون تعزيز الابتكار مرهونا بزيادة عدد المختبرات ولا حجم الإنفاق عليه، أو على نقله وترجمته، ولكن في قدرتنا على اكتشاف موارد قد أغفلناها. ولعل المجتمع بما يحمله من خبرات ومعارف وروح المشاركة ليس مجرد مستفيد من رحلة الابتكار، بل أحد أسباب نجاحها. دعوة للتفكر... أعظم ما يمكن أن يقدمه لنا الابتكار المفتوح، أنه أعاد اكتشاف شريك كان حاضرا، ولكن أغفلته أدوات القياس. وعندما تتغير طبيعة الابتكار يصبح من الطبيعي تطور أدوات قياسه وتقنينها لسياقاتنا. فالخرائط لا ترسم مرة واحدة، بل تراجع كلما امتدت الجسور لضفاف جديدة. 

د. ماجدة بنت طالب الهنائي باحثة وأكاديمية عمانية