منى السيابي: المكتبات الأهلية مؤسسات مجتمعية تدعم المشهد الثقافي العماني
بشبكة رقمية تعزز دور الكتاب وتدعم الباحثين والقراء
الأربعاء / 15 / محرم / 1448 هـ - 18:32 - الأربعاء 1 يوليو 2026 18:32
تُعنى المكتبات بحفظ الكتب وإعارتها كمنصات معرفية تستثمر التقنية لتعزيز الوصول إلى المعلومات، وتمضي المكتبات الأهلية إلى جانب المكتبات العامة بدعم حكومي ضمن رؤية وطنية تسعى إلى تطوير القطاع الثقافي وبناء الحلول الرقمية، وتمكين المكتبات من أداء أدوارها في خدمة المجتمع.
في هذا الحوار، تكشف منى السيابي، مديرة دائرة المكتبات والمراكز الثقافية الأهلية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، ملامح تحول المكتبات الأهلية إلى مؤسسات ثقافية ومجتمعية فاعلة تعمل كجزء من منظومة متكاملة تقوم على البيانات، ضمن جهود الوزارة في تطوير البنية التقنية للمكتبات وتوحيد خدماتها ودعمها بالإصدارات الحديثة، فضلًا عن تعزيز كفاءة العاملين فيها بما يعزز التنمية الثقافية المستدامة في سلطنة عُمان.
- كيف يمكن تعريف المكتبات الأهلية في سلطنة عُمان، وما الدور الذي تؤديه في المجتمع؟
المكتبات الأهلية هي مؤسسات غير ربحية تضطلع بنشر المعرفة وتعزيز الشراكة المجتمعية واحتضان الحركة الثقافية ودعمها.
ولم يعد دورها يقتصر على حفظ الكتب وإتاحتها للقراء، بل أصبحت مؤسسات ثقافية ومجتمعية فاعلة تؤدي أدوارًا متعددة تخدم مختلف فئات المجتمع.
وتعمل هذه المكتبات والمراكز الثقافية وفق اللائحة التنظيمية للمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية الصادرة بموجب القرار الوزاري رقم (261 /2023)، التي تنظم أعمالها واختصاصاتها وآليات الإشراف عليها، وتحدد العلاقة بينها وبين وزارة الثقافة والرياضة والشباب.
- كم يبلغ عدد المكتبات الأهلية والمراكز الثقافية في سلطنة عُمان حاليًا؟ وكيف تتوزع جغرافيا؟
يبلغ عدد المكتبات الأهلية والمراكز الثقافية حاليًا 73 مؤسسة موزعة على مختلف محافظات سلطنة عُمان، منها 64 مكتبة أهلية و9 مراكز ثقافية، وتتوزع هذه المؤسسات على عدد من المحافظات.
- من هم المستفيدون من خدمات هذه المكتبات؟ وكيف تقدم خدماتها؟
المكتبات الأهلية تستهدف جميع فئات المجتمع من دون استثناء، من الأطفال واليافعين والشباب والباحثين والأكاديميين وكبار السن، وذلك من خلال البرامج والأنشطة التي تقدمها بصورة مستمرة، بحيث أصبحت منصة تعزز الشراكة المجتمعية من خلال تنظيم الفعاليات والبرامج المتنوعة، إضافة إلى تنشيط الحركة الثقافية وإتاحة مرافقها لخدمة المجتمع بشكل أوسع.
- كيف يتم تزويد المكتبات الأهلية بالإصدارات والكتب؟
من أبرز البرامج التي تقدمها الوزارة وتهدف إلى دعم الكاتب العُماني برنامج 'فكر'، ويتم من خلاله شراء نسخ من إصداراته وتوزيعها على المكتبات الأهلية والمراكز الثقافية، بما يضمن توفير مصادر معرفية حديثة ومتجددة. وتعمل الوزارة على شراء الكتب من معرض مسقط الدولي للكتاب، ويتم اختيار العناوين وفق احتياجات المكتبات، وذلك بعد توزيع استبيانات على المكتبات والمراكز الثقافية لتحديد المجالات والموضوعات الأكثر طلبًا. كما نستفيد من الإهداءات التي ترد من بعض الجهات الحكومية، إضافة إلى إصدارات الوزارة التي يتم توزيعها على المكتبات الأهلية.
- شهدت المكتبات الأهلية خلال السنوات الأخيرة تحولًا تقنيًا ملحوظًا، ما أبرز ملامح هذا التحول؟
خلال السنوات الماضية، عملت الوزارة على تنفيذ مشروع متكامل لتطوير عدد من المكتبات الأهلية وتحويلها من بيئة تقليدية إلى بيئة حديثة تعتمد على التقنيات الرقمية المتقدمة، وذلك بهدف رفع كفاءة الخدمات المقدمة للمستفيدين وتسهيل عمليات إدارة المكتبات.
واعتمد هذا المشروع على تقنية التعريف بالترددات اللاسلكية (RFID)، وهي تقنية حديثة تساعد على إدارة المقتنيات المكتبية بطريقة أكثر كفاءة وسرعة ودقة. استهدف المشروع عددًا من المكتبات الأهلية، وتم تزويدها بمنظومة تقنية متكاملة تتيح الانتقال من الإدارة الورقية التقليدية إلى الإدارة الرقمية الحديثة.
- ما أبرز التجهيزات التقنية التي تم توفيرها ضمن هذا المشروع؟
تتضمن المنظومة التقنية مجموعة من الأجهزة والتجهيزات الحديثة التي تعمل بصورة مترابطة. ومن أهمها البطاقات الذكية التي يتم تثبيتها داخل الكتب، حيث تحتوي على بيانات تعريفية خاصة بكل كتاب، وتستخدم لتسهيل عمليات الإعارة والإرجاع وتتبع حركة المقتنيات داخل المكتبة.
كما تم توفير أجهزة قراءة البيانات والبوابات الأمنية التي تصدر تنبيهات صوتية ومرئية عند محاولة إخراج أي كتاب من المكتبة دون استكمال إجراءات الاستعارة المعتمدة.
وتشمل المنظومة كذلك أجهزة قراءة الباركود والطابعات الخاصة ببيانات الكتب، إضافة إلى الشاشات الذكية المرتبطة بالنظام التقني بشكل متكامل، بحيث يمكن لكل من المستفيدين وأمناء المكتبات وأخصائيي المعلومات الاستفادة منها بسهولة. وتم توفير أجهزة مخصصة لبرمجة البطاقات الذكية وإدخال البيانات الخاصة بالمقتنيات وربطها بالنظام الإلكتروني المعتمد.
- ما الذي أضافته هذه التقنيات الجديدة للمكتبات الأهلية؟
أسهمت هذه التقنيات في إحداث نقلة نوعية في الخدمات المقدمة للمستفيدين، إذ أصبح بإمكان الزائر الاستفادة من خدمات الإعارة الذاتية والإرجاع الذاتي بشكل مستقل، دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الموظفين أو الإجراءات الورقية التقليدية.
كما ساعدت هذه الأنظمة على رفع كفاءة العمل داخل المكتبات، وتقليل الوقت والجهد المبذولين في العمليات اليومية، إضافة إلى تحسين دقة البيانات المتعلقة بالمقتنيات وعمليات الاستعارة.
ومن أهم النتائج التي حققتها هذه المنظومة أيضًا الحد من الاعتماد على السجلات الورقية التقليدية والانتقال إلى بيئة رقمية متكاملة أكثر مرونة وكفاءة.
- ما طبيعة منصة 'آفاق المعرفة'، وما الأهداف التي أُنشئت من أجلها؟
'آفاق المعرفة' هو نظام إلكتروني موحد لإدارة المكتبات الأهلية أطلقته وزارة الثقافة والرياضة والشباب بهدف ربط جميع المكتبات الأهلية بعضها ببعض ضمن منصة رقمية واحدة.
وقبل تطبيق هذا النظام، كانت كل مكتبة تعمل بشكل مستقل وتتحمل تكاليف أنظمتها الخاصة، أما اليوم فقد أصبحت جميع المكتبات الأهلية تعمل ضمن نظام موحد، وستضاف إليه مستقبلًا أي مكتبة أهلية جديدة يتم إشهارها، وأسهم في توحيد الإجراءات وتسهيل عمليات الإدارة والمتابعة والإشراف.
ويعمل النظام كمنصة يستفيد منها الباحثون والقراء والمكتبات في الوقت نفسه، فهي تتيح الوصول إلى فهارس المكتبات الأهلية والاطلاع على مقتنياتها، إضافة إلى الاستفادة من عدد من المصادر المعرفية المتاحة عبر المنصة، وتوفر خدمات البحث المتقدم، وخدمات الإعارة الجارية، وقائمة بجميع المكتبات الأهلية المشاركة في النظام، بما يمكن المستخدم من معرفة أماكن توفر الكتب في مختلف ولايات السلطنة.
ويستطيع القارئ من خلال المنصة البحث عن أي كتاب ومعرفة المكتبة التي يتوفر فيها، حتى وإن لم يكن موجودًا في مكتبته المعتادة، وذلك بفضل الربط الإلكتروني الموحد بين جميع المكتبات الأهلية.
- إلى أي مدى أسهمت الرقمنة في توفير البيانات والإحصاءات الخاصة بالمكتبات الأهلية؟
أصبح نظام 'آفاق المعرفة' مصدرًا مهمًا للبيانات والإحصاءات التي تساعدنا في اتخاذ القرارات وبناء الخطط المستقبلية.
فمن خلال النظام، أصبح بإمكاننا معرفة عدد العناوين المتوفرة في كل مكتبة، وأعداد الزوار، وعمليات البحث والاستعارة، إضافة إلى التعرف على الكتب الأكثر طلبًا والكتب الأقل استخدامًا. كما نستطيع تتبع الموضوعات الأكثر إقبالًا لدى القراء، سواء كانت في مجالات علم النفس أو التاريخ أو الجغرافيا أو غيرها من التخصصات.
وتسهم المنصة في توحيد عمليات الفهرسة والتصنيف، حيث يمكن لأي مكتبة الاستفادة من التسجيلات الببليوجرافية التي أنجزتها مكتبات أخرى مسبقًا، بدلًا من إعادة تنفيذ العمل من البداية. وهذا يختصر الوقت والجهد، ويقلل من ازدواجية العمل، ويعزز التكامل بين المؤسسات الثقافية المختلفة.
كما تساعد المنصة الوزارة على متابعة أعمال المكتبات والمراكز الثقافية والإشراف عليها بشكل أكثر دقة وكفاءة.
فالتحول الرقمي عملية مستمرة وليست مشروعًا ينتهي عند مرحلة محددة، ولذلك نحرص على تحديث الأنظمة وتوسيع نطاق الاستفادة منها بصورة دائمة.
- كيف تستفيد الوزارة من البيانات والإحصاءات التي يوفرها نظام 'آفاق المعرفة' في تطوير خدمات المكتبات الأهلية؟
البيانات والإحصاءات التي يوفرها نظام 'آفاق المعرفة' من أهم الأدوات التي نعتمد عليها في التخطيط المستقبلي، لأنها تساعدنا على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة، بعيدًا عن الاجتهادات أو التقديرات غير المبنية على أسس واضحة.
فمن خلال النظام، نستطيع التعرف على عدد العناوين المتوفرة في كل مكتبة، وأعداد الزوار، وحجم عمليات البحث والاستعارة، والكتب الأكثر طلبًا، والكتب الأقل استخدامًا.
وقد أسهمت هذه البيانات في إعداد خطط مدروسة لشراء الكتب، بحيث يتم توجيه الدعم نحو المجالات التي تعاني نقصًا في المحتوى المعرفي، بدلًا من شراء الكتب بصورة عشوائية.
فعلى سبيل المثال، في بعض السنوات لاحظنا وجود حاجة أكبر إلى كتب الأطفال، ولذلك تم التركيز على توفير هذا النوع من الكتب وتوجيه جزء من المشتريات إليه.
وفي سنوات أخرى ركزنا على توفير الكتب المتعلقة بذوي الإعاقة واضطراب طيف التوحد، وذلك استجابة للاحتياجات التي كشفت عنها البيانات.
وهذا التوجه يساعدنا على بناء محتوى معرفي متوازن يخدم مختلف شرائح المجتمع ويستجيب لمتطلباتها الفعلية.
- حدثينا عن الملتقى السنوي الذي تنظمه الوزارة للمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية.
تحرص الوزارة على تنظيم ملتقى سنوي يجمع القائمين على المكتبات والمراكز الثقافية الأهلية بهدف تعزيز التواصل المباشر بينهم وبين الوزارة.
ويهدف هذا الملتقى إلى مناقشة التحديات التي تواجه القطاع، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة، والبحث عن حلول جماعية تسهم في تطوير العمل الثقافي والمكتبي، ويتناول في بعض دوراته موضوعات تخصصية بالتعاون مع المختصين والأكاديميين. كما نؤمن بأهمية العمل المشترك، ولذلك نحرص على دعوة جميع المكتبات والمراكز الثقافية للمشاركة فيه.
- هل هناك تعاون مع مؤسسات أكاديمية في هذا الجانب؟
نعم، هناك تعاون مع عدد من المؤسسات الأكاديمية، ومن بينها جامعة السلطان قابوس. ويشارك عدد من المختصين وأساتذة الجامعة في تقديم ورش عمل وبرامج تدريبية متخصصة في مجالات المكتبات والمعلومات، بهدف تقديم محتوى علمي وتطبيقي يسهم في تطوير أداء العاملين في هذا القطاع.
وهذا التعاون يساعد في بناء قدرات الكوادر العاملة وتزويدها بأحدث الممارسات المهنية في مجال المكتبات وإدارة المعرفة.
- ماذا عن المسابقة السنوية الخاصة بالمكتبات الأهلية؟ ما هي أهدافها؟
يشهد الملتقى السنوي الإعلان عن نتائج المسابقة السنوية للمكتبات الأهلية، وهي مسابقة تهدف إلى تشجيع المكتبات على تطوير خدماتها وتحفيز القائمين عليها لتقديم مبادرات نوعية ومبتكرة. وتختلف موضوعات المسابقة من عام إلى آخر بحسب الأولويات المطروحة.
فعلى سبيل المثال، ركزت إحدى الدورات على تفعيل نظام 'آفاق المعرفة'، بينما تتناول دورة هذا العام محور الابتكار والتحول الرقمي بهدف تشجيع المكتبات على تقديم أفكار جديدة وحلول عملية للتحديات التي تواجهها. ويتم الإعلان عن المسابقة بالتزامن مع الاحتفاء باليوم العربي للمكتبات، وتُنشر تفاصيلها عبر الموقع الإلكتروني للوزارة ووسائل الإعلام المختلفة لضمان وصولها إلى جميع المعنيين.