مفاهيم التباهي المغلوطة
بشفافية
الأربعاء / 15 / محرم / 1448 هـ - 18:14 - الأربعاء 1 يوليو 2026 18:14
في الوقت الذي يفترض أن تستدعي فيه المجتمعات كل المسببات لترشيد الإنفاق والحد من البذخ، والإسراف والتباهي غير المبرر في حفلات الأعراس حرصا على حياة أسرية هادئة ومستقرة بعيدة عن الضغوطات المالية المرهقة؛ تطفو على السطح بعض الظواهر السلبية المتمثلة بالتباهي في الأعراس، وتصوير شتى أنواع البذخ والبهرجة في خروج عن العادات والتقاليد الأصيلة التي اعتاد عليها المجتمع العماني مضيفة المزيد من الأعباء المالية على الأسر التي تحاول التقليد والسير خلف المظاهر.
التباهي في المناسبات وخاصة الأعراس ظاهرة سلبية لا تؤدي إلا لبروز جوانب من الطبقية المجتمعية مع وجود فروقات في الإمكانيات المادية؛ فحين ينظر غير المقتدر إلى ما يقام وما يقدم في الأعراس قد يحاول تقليد ذلك، حتى وإن كان غير مقتنع فقد يتم الضغط عليه من أفراد أسرته، وبذلك يحمل نفسه ما لا يطيق، وقد يندفع إلى القروض والاستدانة من الأشخاص والبنوك فقط للتباهي وتقليد الآخرين.
وحتى وقت قريب كانت الناس تستهجن وتعيب تصوير ما يقدم للضيف من مأكل ومشرب أو وليمة، ويحسب ذلك على أنه إهانة للضيف، وتقصير من المضيف، أما اليوم فيستجلب الكثيرون الكاميرات والمصورين والمشاهير لتصوير الذبائح التي تقدم للضيوف سواء في مناسبة عادية أوعقد قران أو حفل زواج، في خروج عن العادات والسمت والاحترام للضيوف، والمفاهيم الصحيحة للكرم.
وإضافة إلى تصوير الأطعمة والمشروبات والذبائح المقدمة في الأعراس للضيوف يصور وينشر الكثير من الأسر ما يسمى (الزهبة) أو (جهاز) العروس، وهي المشتريات التي تقدم للفتاة المقبلة على الزواج، كما يصل البعض إلى تصوير غرفة الزوجية وتجهيزها، وغيرها من التفاصيل التي كانت حتى وقت قريب تعد في خانة (الخاصة جدا جدا)!
إن تحول المفاهيم وتغيرها بهذه الطريقة السلبية يؤثر على فكر الأجيال القادمة؛ فحين تتحول مفاهيم الفخر والاعتزاز والتباهي بالعلماء والقادة والمفكرين والأبطال والمنجزين، وأصحاب المواقف الإنسانية والخيرية إلى التباهي والفخر باستعراض حجم الذبائح وصحون الرز فهناك ثمة خلل من الضروري معالجته والوقوف عنده، وترسيخ مفاهيم الفخر والاعتزاز الأصيلة في نفوس الأجيال؛ حتى لا يترسخ في أذهانهم أن الفخر والاعتزاز في الجوانب المغلوطة التي استحدثها البعض للتصوير ونشر استعراضاتهم للولائم والأطعمة.
وتفرض الأوضاع المالية وارتفاع الأسعار نفسها كواقع صعب يواجه العديد من الأسر، وعلى المجتمع ألا ينظر إلى المتباهين بحجم صحونهم و ذبائحهم، بل ينظر إلى واقعه وقدرته، وعلى أفراد المجتمع أن يكونوا عونا لبعضهم في محاربة مظاهر البهرجة، وترسيخ ثقافة القناعة والبساطة .
كما أن الأسر تتحمل مسؤولياتها تجاه أفرادها المقبلين على الزواج، سواء الرجل أو المرأة؛ ففي كل الأحوال يسهم التخفيف عليهم في إتمام مشروعهم المستقبلي بسهولة وراحة وأقل تكلفة، وكلما عملت الأسر على مراعاة ظروف أبنائها المادية أسهمت بذلك في استقرار هذه الأسر ومستقبلها.
إن الظواهر السلبية والتباهي والتفاخر بجوانب ليست محل فخر، ما هي إلا لشعور بالنقص، ومحاولة تعويض ذلك بالمظاهر الخداعة، وعلى الشباب ألا ينظروا إلى تلك الحالات على أنها قدوة، بل ينظرون إلى من يستحقون أن يكونوا القدوة في أفعالهم وسيرتهم ونهجهم القويم.
وعلى الشباب أن يتمموا زواجهم وفق إمكانياتهم، ولا يحاولوا تقليد أصحاب المظاهر والبهرجة والتباهي، بل يقتنعوا أن الزواج مشروعهم الشخصي، وأمامهم مستقبل وأسرة أهم من كل المظاهر والبهرجات.
سهيل النهدي من أسرة تحرير (عمان)