هل التأريخ والهوية يصنعان نهضة قُطرية ؟
الثلاثاء / 14 / محرم / 1448 هـ - 22:03 - الثلاثاء 30 يونيو 2026 22:03
الدولة القُطرية نظام إجرائي قائم في حدود جغرافية معينة؛ لهذا لكل نظام قطري ملامح وقواسم تشترك في تشكيل صورة معينة، انتمائية هوياتية كانت أو تقنينية يتفق عليها، لكن في عالم الأفكار والإنسان بشكل عام لا يمكن حصره في دولة قطرية، وإلا كان قتلا لهذه الأفكار المولدة للإحياء والإبداع والنهضة، فيمكن أن تتكلم عن الهوية كجانب انتمائي، لكن لا يمكن أن تتحدث عنها كجانب إبداعي، فالذي يخلق الإبداع وتقدم الأمم ليس الهويات الانتمائية، وإنما العقول التي تجد عالما رحبا للسياحة في فضاء المعارف والكشف في الأرض وسنن تقدمها.
هناك شيئان يمكن أن يستثمرهما الإنسان في تنمية قطره سياحيا واستثماريا، بل وتعدديا جماليا.
لكن، لا يمكن أن تكون مصدرًا مؤديًا بالضرورة إلى الإبداع المولد للنهضة والتقدمية والإحياء، وهما التأريخ والهوية الانتمائية، فمهما يكن تأريخك فأنت ابن لحظتك، التأريخ لا يمكن استنساخه، لكن يمكن استثمار روحه وقيمه وفق عقلية الواقع وليس عقلية الماضي؛ فالذي يريد أن يفكر بعقلية الماضي، هو في الحقيقة يعيش في الماضي، ولا علاقة له بالحاضر؛ فأمريكا التي تتحكم سياسيا واقتصاديا في العالم اليوم لم يكن لها ماض عريق قبل قرنين من الزمن، والصين المؤثرة اقتصاديا في العالم اليوم؛ لم تخرج إلى العالم بأغنيات كيف كانت في الماضي، لكنها أدركت أين يكون الحاضر، وكيف تستثمر هويتها بفضاء الحاضر لا بواقع الماضي المغلق، لهذا لا يوجد دولة قطرية اليوم تقدمت ونهضت إلا عندما أدركت أين يكون موضع تقدمها ونهضتها وهو سؤال الواقع، وليس سؤال الهوية الانتمائية، والماضي المغلق.
الدول التي تهتم كثيرا بسؤال الهوية والتأريخ أكثر من سؤال الواقع؛ هي في الحقيقة بعيدة عن النهضة والإحياء الحقيقي، والدول التي تخاف من التدافع في الواقع سيتقدمها غيرها بسنن الواقع، أما هي لا زالت تعيش سؤال التغني بماضيها أكثر من سؤال كيف تقدم ماضيها، ولا زالت عالقة في هويات الألبسة والأغاني والمطعومات التي ورثتها من آبائها وأجدادها باسم الهوية الانتمائية، لكنها لو فكرت قليلا أن اللباس الذي تلبسه صنع في دول أدركت سنن واقعها، وكذا الحال في الأغاني الشعبية أصبحت تغنى بـأدوات أمة أخرى، وأغلب مكونات مطعوماتها تستورد من الخارج البعيد، فلم تعد الهوية في حقيقتها تقوم على ما ينتجه عقل الدولة ذاتها، بقدر على ما نشكله من ظواهر لا يتجاوز في حقيقته ومكوناته نتاج واقع دول أخرى.
تقدم هوياتنا في الواقع لا يتجاوز ظواهر الأشياء التي في ذاتها متطورة أيضا، لطبيعة تطور الاجتماع البشري، فلا توجد هوية جامدة، جميع الهويات متحركة، ولكن يختلف بين أمة مدركة لحركة الهوية من داخلها، مستثمرة لها، وبين أمة جامدة حتى في حركة هويتها، منغلقة عليها.
لا أتحدث عن الجوانب الإجرائية، فلكل دولة قطرية - كما أسلفت - خصوصياتها الانتمائية، أتحدث عن خطورة - في نظري - ربط التقدم والنهضة في العقل الجمعي بالتأريخ المغلق، والهوية الانتمائية، وعندما يكون حديث التأريخ والهوية يأخذ حيزا أكبر من سؤال الواقع بسننه وحركته وعوالمه وفلسفاته المتدافعة، فنحن في الحقيقة لا زلنا بعيدين ليس عن سؤال النهضة الذي طرح قبل مائة عام، بل عن سؤال الواقع المعيش ذاته، لنخرج عقولا مستنسخة لا تعيش حاضرها الحقيقي في الإبداع والإنتاج وخلق النظريات، والمزاحمة في الابتكار والصناعة والاستثمار، والمساهمة في خلق السؤال المفتوح بفضاء من الحريات الناتج عنها إبداع في صناعة الفكرة ذاتها، من خلال التدافع مع العالم الإنساني الأوسع.
هناك مثال بسيط نجده يتكرر في كل إجازة صيفية، نتأمل قليلا في المراكز الحاضنة لمئات الأبناء في المدن والقرى، نجدها لا تتجاوز ذات المراكز التي في جملتها على صورة واحدة، غالب معارفها تقليدية تلقينية باسم الحفاظ على الهوية الانتمائية، في الوقت ذاته لا نجد ما يزاحمها من مراكز تعنى بسؤال الواقع، فهل أجيالنا تختلف عن أجيال الأمم الأخرى لتجعل في جملتها على صورة تلقينية واحدة، بمعنى قتل العديد من المواهب الإبداعية التي يمكن أن تجد لها عوالم أخرى أيضا تعنى بالبحث والسؤال والابتكار والاختراع والصناعة وكشف سنن الواقع وعوالم فلسفاته ونتاجه.
السؤال الذي يعيد نفسه كل عام، ما موقع المراكز الثقافية في الولايات والمحافظات، والأندية الثقافية والرياضية عموما، عندما لا تخلق حواضن مختلفة خصوصا في أوقات الإجازة، تجمع بين الواقع وتعددية المواهب، ليس المواهب الجسمانية والرياضية فحسب، بل المواهب العقلية والبحثية والإنتاجية والابتكارية والفنية الأخرى أيضا، بما يخلق مساحة واسعة لغايات المواهب المختلفة، وإلا فنحن أمام استنساخ أجيال غير قادرة على صناعة الواقع، وتكون رهينة لتلقين أفكار غير قادرة على مناقشتها ومجادلتها، فضلا عن حرية الإبداع، وصناعة المواهب المختلفة والمتباينة.
الإشكالية عندما لا يكون هناك وعي جمعي بضرورة التدافع في خلق مراكز ومؤسسات ثقافية متنوعة، ومتدافعة في الوقت ذاته، مع دعمها وتفعيلها، وأنها لا تقل أجرا من دعم المؤسسات التقليدية الأخرى، بل أعظم أجرا لكونها ترتبط بصناعة الإنسان، والإنسان عالم متنوع ومتعدد ومتدافع، وليس على صورة واحدة في المواهب والمعارف والإبداع، فإذا ضعف الوعي الجمعي حدث فراغ، أو حدث ارتكاز أفقي إلى جانب معين، وإهمال لجوانب أخرى لها ضرورياتها في صناعة إنسان الواقع، وليست الإشكالية في وجود مؤسسات تقليدية، وإنما الإشكالية إذا أخذت حيزا واسعا من التفكير الجمعي، ستنشأ أجيال جديدة عالقة في التأريخ المغلق، بينما أمم أخرى تدرك أين تستثمر العقول والمواهب وتعزز لخلق تنوع يساهم في بناء أجيال تعيش سؤال الواقع، وبها تدرك تأريخها وهويتها، ولا تنغلق بهما.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»