العرب والعالم

زحف استيطاني في الضفة وسيطرة تدريجية على غزة

 

رام الله - محمـد الرنتيسي 


اجتاح الشارع الفلسطيني غضب عارم، عندما سرّبت مصادر في حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، خبراً حول 18 مستوطنة إسرائيلية جديدة يجري العمل على تشييدها، إضافة إلى 4 مستوطنات أخرى سيتم تجديدها بعد سنوات من إخلائها، ما يزيد من تجزئة الأرض الفلسطينية، وتضييق الخناق على الفلسطينيين.
هذا في الضفة الغربية، فماذا عن قطاع غزة؟.. هناك ثمة سيطرة تدريجية وشبه يومية يفرضها جيش الاحتلال على مناطق جديدة في قطاع غزة، متجاوزاً ما بات يُعرف بـ'الخط الأصفر' إذ شهدت الأيام الأخيرة عمليات إسرائيلية عدة لتوسيع المنطقة العازلة، لا سيما في محيط مستشفى دار السلام شرق خان يونس، وقرب وادي غزة وسط القطاع، حيث تقدمت دبابات الاحتلال في تلك المناطق برفقة قوات من سلاح الهندسة الإسرائيلي، وأزاحت غرباً مكعبات صفراء، بغرض السيطرة على مناطق جديدة في محيط شارع صلاح الدين.
ويشهد شمال الضفة الغربية ثورة استيطانية متسارعة، تُنفذ بوتيرة عالية، ويجني المستوطنون مكاسب سياسية من ورائها، ويكمن جوهرها في إعادة بناء مستوطنات أُخليت خلال عملية الإنسحاب الإسرائيلي قبل أكثر من 20 عاماً، ويدعمهم في ذلك جيش الاحتلال، وييسر لهم مخططاتهم.
زحف أصفر..
في قطاع غزة، تقدمت المكعبات الصفراء في مناطق عدة، إذ أخذت قوات الاحتلال تعمق سيطرتها، وتستولي على مناطق جديدة، حتى باتت تهيمن على قطاعات واسعة من شارع صلاح الدين، الذي يربط مدن قطاع غزة ببعضها البعض.
وتدب المكعبات الإسمنتية ذات اللون الأصفر، الذعر بين المواطنين، إذ توحي إلى عمليات توسعة للمناطق العازلة، وقضم مزيد من الأراضي، وعادة يرافقها إطلاق نار كثيف، وقصف مدفعي يطال المناطق المحيطة.
يروي المواطن فارس الأسطل من خان يونس: 'أصبحنا محاصرين بالكتل الإسمنتية الصفراء، التي اقتطعت مساحة لا تقل على 40% من إجمالي أراضي قطاع غزة، في حين تسيطر قوات الاحتلال على 60% من القطاع، وهي مساحات خالية من السكان.
متهكماً، يقول لـ'عُمان': 'نخشى أن نصحو يوماً لنجد الكتل الصفراء على دوار الأقصى في مواصي خان يونس' مبيناً أن التوسع الإسرائيلي في قطاع غزة أمر في غاية الخطورة، ويشبه إلى حد كبير الزحف الاستيطاني المستعر في الضفة الغربية.
ويوالي: 'الاحتلال يتمدد بصمت في قطاع غزة، لكنه يعمل بناء على خطط مدروسة ومعدة سلفاً.. الكيان الإسرائيلي ماض في فرض سيطرته على مساحات جديدة في محيط (الخط الأصفر) وهذا من شأنه تدمير اقتصاد قطاع غزة، والتسبب بكوارث على مستوى القطاع الزراعي الذي يعتاش منه الغزيون'.
ويفقد التوسع الإسرائيلي في قطاع غزة من خلال المكعبات الصفراء، أهالي غزة قدرتهم على استعادة دورة الحياة المعيشية، في ظل منع أصحاب الأراضي الزراعية من استغلالها، أو حتى مجرد الوصول إليها، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي، والاستقرار المجتمعي في القطاع برمته.
إخلاء ونزوح..
يشهد حي التفاح بمدينة غزة موجة نزوح تسارعت أخيراً، واضعة مئات العائلات في مهب التشريد، على إثر تقدم دبابات الاحتلال، ما أفضى كذلك إلى إخلاء مربعات سكنية.
أكثر من مائة عائلة، نزحت من منازلها وخيام نزوحها في الحي، فيما سرّع جيش الاحتلال من عملياته في حي التفاح، مواصلاً إخلاءه من سكانه، تارة باستخدام النيران الرشاشة الكثيفة دون سابق إنذار، وأخرى تحت رصد الطائرات المسيّرة، وإسقاط بلاغات التهديد والوعيد لمن يرفض الإخلاء.
وفق المواطن حسين حمادة، يمارس جيش الاحتلال الإخلاء التدريجي لسكان حي التفاح، لافتاً إلى أن الاحتلال يعمل على توسيع ما يُعرف بـ'الخط الأصفر' في الحي.
يروي حمادة لـ'عُمان': 'يعمل جيش الاحتلال على تقديم المكعبات الصفراء لمئات الأمتار، ويُتبع ذلك بقصف مدفعي بالدبابات، ما يجبر السكان على النزوح، وتالياً يحدث زحف إضافي لتلك المكعبات، ليتكرر سيناريو القصف والنزوح على مدار الساعة'.
مخاوف من واقع جديد..
وتنتاب أهالي حي التفاح، مخاوف كبيرة، من إقدام قوات الاحتلال على إخلاء الحي بشكل كامل، كما يجري في حي الشجاعية المجاور، في خطوة تهدف إلى إحكام السيطرة الإسرائيلية على مركز مدينة غزة وتحديداً شارع صلاح الدين، وشل عصب الحياة فيها، لدفع السكان إلى الإخلاء القسري.
ورفعت حالة النزوح من حي التفاح والمناطق المجاورة له، منسوب تكدس النازحين غرب قطاع غزة، إذ دفع ضيق المساحات هناك، عشرات العائلات نحو شاطىء البحر، كملاذ أخير، خصوصاً وأن السياسة ذاتها يمارسها جيش الاحتلال في مناطق أخرى، كشرق خان يونس، ومنطقة بني سهيلا، حيث تفيد الأنباء الواردة من تلك المناطق بإقامة تحصينات وسواتر ترابية، مع عمليات توسيع للمناطق العازلة.
ويرى مراقبون، أن هذه الممارسات تندرج في سياق خطة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، السيطرة على نحو 70 في المائة من قطاع غزة، للإطاحة بالرؤية الأمريكية والدولية المطروحة، لإنهاء الحرب على غزة بشكل كامل، ومن شأنها فرض واقع جديد في القطاع.
أملاك دولة!
في رام الله وتل أبيب، تغلف الأجواء السائدة مسحة من القتامة حيال مسألة ترسيم الحدود، لتبدو الأمور بين الطرفين وكأنها على حافة انفجار، إذ لا أفق سياسي، ولا مفاوضات مقاربة بين الجانبين.
وفيما يصرّ الفلسطينيون على أنه قد آن الأوان لاتخاذ قرارات حاسمة بهذا الشأن، لا ينفك الإسرائيليون عن تقديم مطالب تعجيزية جديدة، تضاف إلى مطلبي 'الأمن' و'أملاك الدولة' والأخير يصفه فلسطينيون بأنه بمثابة دعوة صريحة لضم الضفة الغربية وإلحاقها بـ'الخط الأخضر' على غرار 'الأصفر' الذي راح يلتهم أراضي غزة.