ثلاثة أمور يمكن أن تنقذ بها أمريكا منطقة الساحل
الثلاثاء / 14 / محرم / 1448 هـ - 19:42 - الثلاثاء 30 يونيو 2026 19:42
ترجمة: أحمد شافعي
لا يمثل توسع خطر الإرهاب في عموم غرب إفريقيا مشكلة إقليمية بعيدة، إنه خطر مباشر على المصالح الأمنية الأمريكية، وفرصة معالجة هذا الخطر تضيق. وقد بدأت واشنطن تدرك هذا، وتتخذ خطوات ذات شأن نحو إعادة الاشتباك مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر بعد سنين من العزلة التي أسفرت عن نتائج عكسية.
لكن هذه الخطوات، وإن تكن موضع ترحيب، غير كافية. ولا بد من عمل المزيد.
لم يبق الوضع في منطقة الساحل ثابتا؛ فقد بلغت جماعة (JNIM) ـ التابعة لجماعة القاعدة في منطقة الساحل ـ ذروة قدراتها العملياتية منذ تأسيسها. وتعرضت مجتمعات بأكلمها في منطقة شمال مالي للتفريغ، وفي غرب النيجر، فضلا عن مناطق شاسعة في بوركينا فاسو.
وبحسب مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، تأتي دول الساحل الثلاث جميعا ضمن أعلى خمس دول في العالم من حيث تأثير الإرهاب القابل للقياس.
في أواخر أبريل، تعرضت ثلاث مدن في مالي لهجمات إرهابية منسقة في وقت واحد، أسفرت عن مصرع وزير الدفاع وأبرزت مرة أخرى تكلفة الغياب الأمريكي عن المنطقة. ويسعى الخطر بقوة إلى الوصول إلى ساحل غرب إفريقيا. ولا يعرض هذا التطور الدول الإفريقية وحدها للخطر ولكنه يزيد أيضا من فرص وصول التهديدات إلى السواحل الأمريكية. والهجمات الإرهابية في شمال توجو باتت الآن واقعا مأساويا بعد أن كانت من قبل أمرا لا يخطر ببال أحد. في الوقت الذي تتضاءل فيه فرصة منع هذه الأزمة من التحول إلى ما لا يمكن التراجع عنه.
ولأمد طويل ظل الموقف من هذه الحالة الطارئة هو العزلة. فحينما تولت السلطة حكومات ارتقت إلى الحكم في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامي 2020 و2023، اتبعت واشنطن منطقا مألوفا: لا بد من فرض الضغط، والمساعدات المشروطة، وتعليق التعاون العسكري. ولم يؤد العزل إلى استعادة الحكم المدني، بل دفع الحكومات الثلاث، في مواجهة أخطار وجودية لا تقوى على التصدي لها بمفردها، إلى أي شركاء عازمين على التعاون بلا شروط.
وتحرك المنافسون العالميون مسرعين لملء الفراغ. وفيما فشلت هذه الترتيبات في تحقيق مكاسب أمنية دائمة، تفاقم العنف سوءا. والحكم على السياسة الخارجية لا يكون إلا بالحكم على تبعاتها، وتبعات العزل كانت كارثية.
ويبدو أن واشنطن قد أدركت هذا، فنهجها الحالي يبرز المصالح المشتركة: مكافحة الإرهاب، والشراكة الاقتصادية، والاشتباك على أسس يمكن أن تقبلها هذه الحكومات. فقد نشهد قريبا استئناف تبادل المعلومات مع مالي. وألغيت العقوبات المفروضة على كبار مسؤولي الدفاع في مالي. وتم توقيع اتفاقية تعاون صحي بقيمة 147 مليون دولار لمدة خمس سنوات مع بوركينا فاسو. وزار مسؤولون بوزارة الخارجية الأمريكية بوركينا فاسو والنيجر. وهذه جميعا خطوات مهمة وتستحق التقدير.
لكنها ليست كافية. فلا تزال ثمة أمور ثلاثة ملموسة ينبغي أن تحدث.
أولا: لا بد من إعادة النظر في قرارات الولايات المتحدة بمنع السفر؛ فقد أضافت الولايات المتحدة مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى قائمة منع السفر في ديسمبر من عام 2025. وبرغم أن هذا القرار مفهوم من وجهة النظر الأمنية العامة، فإنه تناقض مع شهور من العمل الدبلوماسي المضني وأدى إلى تعقيد العمليات الإنسانية، وحقق نصرا دعائيا لمن يقولون إن التعاون الأمريكي لا يتم إلا بنية غير سليمة.
تجب أيضا مراجعة هيكل العقوبات بعامة، بما فيها القيود المالية والحدود المفروضة على الإقراض متعدد الأطراف الذي يقوض مباشرة هدف واشنطن المحدد الذي يتمثل في إحلال التبادل التجاري والاستثمار في المنطقة محل المساعدات.
ثانيا، لا بد من إحلال الاستثمار محل المساعدات؛ إذ ينبغي توسيع عقود تطوير البنية الأساسية الأمريكية والاستثمارات الاستراتيجية لملء الفراغ. وتدعو استراتيجية واشنطن للأمن الوطني لعام 2025 صراحة إلى التحول من المساعدات إلى التبادل التجاري والاستثمار مع إفريقيا، وهو إطار عمل ترحب به حكومات الساحل، فضلا عن جدواه في ضوء ما لدى هذه الدول من ثروة معدنية. فالمعادن موجودة من قبيل اليورانيوم والليثيوم والذهب، ويستوجب هذا التحول أن تقيم هيئة تمويل التنمية الأمريكية أطر عمل ملموسة للمنطقة تضم ضمانات مخاطرة لاستخراج المعادن وتمويل البنية الأساسية للممرات اللوجستية الرابطة بين الاقتصادات الحبيسة في منطقة الساحل والأسواق العالمية، وتيسير آليات التبادل التجاري التي تجعل رأس المال قادرا على المنافسة مع ما يطرحه الآخرون بالفعل.
ثالثا، لا بد من استعادة التعاون العسكري وتوسيعه؛ فقد أنشأت الحكومات الثلاث قوة مشتركة، توسعت الآن لتضم خمسة عشر ألف فرد، بهدف مكافحة التهديد الإرهابي. وهذه القوة بحاجة إلى معدات وتدريب ودعم معلوماتي ولا يمكن أن يوفر ذلك غير الشركاء القادرين. ويجب أن تلتزم واشنطن بأن تكون من هؤلاء الشركاء. فكل مدرب عسكري أجنبي يعمل في الساحل اليوم إنما يشغل أرضا أخلاها شركاء أمريكيون. وليس الخيار بين الاشتباك أو الحياد، بل بين الاشتباك والتنازل عن المكان تماما. ولا تزال توجو تقوم بدورها؛ ففي أبريل، استضفنا أهم تجمع دبلوماسي يتعلق بالساحل منذ سنين. إذ دعت العاصمة لومي وزراء من مالي وبوركينا فاسو والنيجر بجانب رئيس مفوضية الإيكواس ECOWAS والمبعوثين الخاصين للاتحاد الأوروبي وفرنسا، وممثلي الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة. وكان ذلك أول تفاعل رسمي بين تحالف دول الساحل ومسؤولي الإكواس منذ نحو العام، وكان بداية إطلاق استراتيجية الساحل 2026-2028 التي ركزت على الحوار السياسي والتكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني.
إن منطقة تعمل فيها شبكات الإرهاب بلا كابح وتسعى فيها القوى الخارجية إلى مصالحها الاستراتيجية الخاصة مرسخة حضورها، لهي منطقة لا تملك الولايات المتحدة ترف تجاهلها. ومنطقة الساحل لم تضع، ولكن الحركات الإرهابية التي تتوسع في أرجائها لا تفرق بين ما هو داخلي وما هو ساحلي، ما هو إفريقي وما هو غربي، فهي ترى الضعف وتستغله، والرد الوحيد على ذلك هو التزام أمريكي يتناسب مع حجم الأزمة، التزام يتعامل مع منطقة الساحل لا باعتبار أنها حالة طارئة تستدعي التعامل من البعد، لكن باعتبارها خطرا لن يبقى بالخطر البعيد في حاله تجاهله.
روبرت دوسي وزير الشؤون الخارجية والتعاون والتكامل الإفريقي في جمهورية توجو منذ عام 2013
الترجمة عن «ذي ناشونال إنتريست»