أعمدة

عن فرحتنا بكرة القدم

لم أعتقد أن بإمكاني السهر بعد يوم حافل بالعمل. ورغم أنني دخلت غرفتي بنيّة الراحة، إلا أنني تورطت عاطفيًا، في الدراما الوحيدة المقبولة باحتفاء هائل في عالمنا المحايد والبارد، «كرة القدم».

عشتُ التوتر الكامل أثناء مشاهدة مباراة الباراجوي وألمانيا.

وكعادتي في تجريد ما يحدث أمامي، وقراءة الواقع بترميزٍ عال، كانت خسارة الباراجوي في كل مرة تقترب فيها من الفوز، علامة على الهزيمة التي نعيشها أمام الغرب. وحظنا الناقص دومًا، والذي ينتهي بنا إلى تقدير «قتال» شبابنا في الملاعب وروحهم العالية، نازعين منهم مواهبهم في أحسن الأحوال، أو متجاهلين البنى المصممة لإنتاج هيمنة الأوروبيين حتى في كرة القدم.

استمر انخطاف الأنفاس حتى اللحظة الأخيرة، كانت هنالك فرصتان للباراجوي للفوز بضربات الترجيح تحديدًا في الضربات الخمس الأولى. مع ذلك ينفلت الفوز منها، يتسلل بعيدًا، وأقرر تهدئة نفسي، هل أشيح النظر؟ لكنني أرى أقراني اللاتينيين وهم يتحرقون شوقًا للفوز. أصمم على متابعة المشاهدة، ويا للمفاجأة السارة، فزنا! فازت الباراجوي على منتخب أكثر دولة تدعم إسرائيل، أكثر دولة يتصاعد فيها الخطاب اليميني المتطرف ضد المهاجرين واللاجئين والعرب والمسلمين وسمِّ ما شئت، عدا الجرمانيين الأنقياء.

لم أرَ كراهيةً لأي منتخب بقدر كراهية الجماهير لألمانيا، وليس مدهشًا أنها تتفوق في حصاد الكراهية هذا على أمريكا! في مونديال قطر 2022، وفي مباراة المنتخب الألماني الأولى، غطّى جميع لاعبي الفريق أفواههم أثناء التقاط الصورة الرسمية، احتجاجًا على تكميم الأفواه والتمييز ضد المثليين.

تمثل تلك الإيماءة نموذجًا لازدواجية الأوروبيين. ففي الوقت الذي احتشد فيه الخطاب الأوروبي دفاعًا عن شارة دعم مجتمع (الميم) التزمت البطولة الحالية صمتًا كاملًا تجاه «عنف الفيزا» الذي حرم جماهير الجنوب العالمي من الوصول إلى الملاعب. كما لم تثر القيود التي فُرضت على المنتخب الإيراني، من تأخير التأشيرات ومنع بعض أفراد بعثته من الدخول وإجباره على الإقامة خارج أمريكا، القدر نفسه من الضجيج وادعاء المقاومة. وبالطبع، لم تكن هناك أي إشارة إلى الإبادة المستمرة منذ ثلاثة أعوام في فلسطين ولبنان. ويمكننا تسمية أشياء كثيرة حدثت في أوروبا نفسها، وتستحق إعلان التعاطف معها أو دعمها، لكن علينا ألا ننسى أن تلك الأحداث ليست في بلدان الجنوب العالمي، ليست في بلد مسلم أو عربي مثلًا.

صحيح أن العلاقة بين كرة القدم والقومية ليست بريئة، وأن الاحتفاء بالمنتخبات الوطنية ينطوي دائمًا على إشكاليات تتعلق بالهوية والحدود والخيالات القومية.

لكن في مناسبات كهذه، نفكر أيضًا في أشكال المقاومة التي تأتي من جنس السلطة نفسها؛ مقاومة تتحرك من داخل النظام وعبر ثغوره، حتى إن بدت معاركها رمزية.

فما الذي يجعل هذه المعارك أدنى شأنًا؟ إذا كانت الدول تدرك تمامًا قوة الرمز، وتستثمر مليارات الدولارات في صناعة صورتها وإعادة إنتاج سردياتها الوطنية، فلماذا يُطلب من المهمشين وحدهم أن يتعالوا على الرموز؟ إن كيان الاحتلال الإسرائيلي، على سبيل المثال، لا تتوقف عن تسخير الثقافة والرياضة والدبلوماسية العامة لاختراع ذاتها أمام العالم. وفي عالم تُدار فيه السياسة أيضًا عبر الصورة والتمثيل والرمز، ليست المعارك الرمزية هامشية بلا شك.

وبالنظر للبنية التحتية لكرة القدم نفسها. نجد أن الأوروبيين يهيمنون على الاقتصاد الكروي العالمي، من الأندية الأكثر ثراءً، إلى شبكات الكشافين، وحقوق البث، والأكاديميات، وأسواق انتقال اللاعبين، طبعًا لأسباب قد يكون أهمها النفوذ السياسي داخل المؤسسات الرياضية الدولية. وفي كثير من الأحيان، تتحول بلداننا إلى مجرد خزانات للمواهب الخام التي تُستخرج مبكرًا، وتُعاد صياغتها وتثمينها داخل المراكز الأوروبية.

أستعد الآن لمشاهدة مباراة المغرب. يبدو أنني لن أنام هذه الليلة بسهولة. مع قراءتك عزيزي القارئ لهذه المقالة، سنكون قد عرفنا النتيجة. وأنا رغم ذلك معلق قلبي بصورة خاصة بمباراة مصر يوم الجمعة المقبل. ويبدو أن كتابا واحدا من أشهر الكتاب اللاتينيين إدواردو غاليانو صار لازمًا عليّ قراءته قريبًا. أتحدث عن Soccer in Sun and Shadow، الذي ترجم إلى العربية بعنوان «كرة القدم بين الشمس والظل». وفيه لا يتعامل غاليانو مع كرة القدم كلعبة فحسب، بل مرآة للسياسة والذاكرة والقومية والسلطة، وربما المتعة كما قرأتُ عن الكتاب. أما الآن فحان وقت صفارة الحكم.

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية